الخميس 6 أكتوبر 2022
كتاب الرأي

صبري الحو: هكذا أسقطت الجزائر اتفاق ترسيم الحدود الشرقية مع المغرب 

صبري الحو: هكذا أسقطت الجزائر اتفاق ترسيم الحدود الشرقية مع المغرب  صبري الحو
بقي ترسيم وتسطير الحدود الفاصلة بين المغرب والجزائر عالقا ومحكوما بقاعدة بقاء الحال على ما هو عليه، بعدم الحسم فيها رغم الاعتقاد الجزائري، ورغم تعدد محاولات التسطير النظري، وأقدميتها. 
 
أولاً: فقدان الثقة وعسر مفاوضات الاتفاقات بين المغرب والجزائر 
اصطدمت محاولات اتفاق الطرفين، وعلى ما يبدو من حسم الاتفاقات ذاته، على الدوام بفقدان الثقة وغيابها، و توجس الخوف من مناورات الآخر، والانتباه لعدم الوقوع ضحية مكر أو غبن أو تدليس من الطرف الآخر، والريبة الدائمة، الذي فرضه الشعور بثقل وجسامة المسؤولية، تولد عنه ضغط شديد انعكس على الاتفاقات في بنيانها اللغوي وفي تنفيذها الذي لم يتم تبعا لكل ذلك. 
فالحرص والحيطة والحذر الذي انتاب الأطراف وتحكم في إدارتهم لمفاوضات الاتفاقات كان بينا وواضحا من خلال الصياغة اللغوية، ومن انتقاء العبارات وطريقة تركيبها، اللفظي والدلالة، ووقوف المعنى عند الأمور العامة العائمة رغم وضوح الكلمات وانتقائها بعناية فنان الزخرفة، بحيث تعمدت الأطراف استعمال كثرة الإحالات، الذي جعل المغزى يتيه وينتهي حيث بدأ بالرغبة المشتركة في بناء التعاون وتمثين العلاقات، وكأنه يدور في حلقة مفرغة. 

 
ثانياً: الأثر السلبي لفقدان الثقة 
فطغيان المخاوف والشكوك وعدم الثقة حتم على كل طرف مفاوض التزام الحرص الشديد على من خلال فرض اقحام تعبير معين أو جملة خاصة أو عبارة مختار، وفي نواياه أنه يحصن ويحافظ على حق أو يؤسس له، الأمر الذي أفقد الاتفاقات بين المغرب والجزائر وحدة محلها واستقلالية في موضوعها ومضمونها وهدفها بالنظر إلى تعدد مراجع هذه الاتفاقات وربط بعضها البعض بالإحالات.
ويبدو من ظاهر التمعن في قراءة الاتفاقات أن الأطراف تعمدوا عنوة وعن قصد تعقيد مسطر البت والفصل في النزاعات المرتبطة باحتمال بروز فرضية اختلافهما في تفسير تأويل الاتفاقية، وجعلوا الحسم فيه رهين الرجوع إلى اتفاق أو اتفاقات سابقة. 

 
ثالثاً: تنفيذ الاتفاقات في إطار حزمة واحدة لا تقبل التجزئة ولا الانقسام 
فالحسم في النزاع العارض الناتج عن الاختلاف في التنفيذ يتم الحكم فيه خارج الاتفاق نفسه، وينظر إليه في علاقته وارتباطه باتفاقات سابقة معينة؛ وبالضبط اتفاقية إفران وإعلان تلمسان والمحمدية والرباط، فهذه الاتفاقات وغيرها التي تأتي تعتبر مكملا بعضها البعض ومرتبط بها، وليست كائنا قانونيا مستقلا، بل أرادوها كذلك، وجعلوها وحدة واحدة في إطار جمع واحد متعدد لا يقبل التجزئة ولا الانقسام في قيامه وفي تنفيذه وفي سقوطه بعدم تنفيذ إحداهما أوكلاهما للالتزام، إذ إن البت في استشكال أو صعوبة في التنفيذ يستدعي خلق لجنة مشتركة مغربية جزائرية، وانتظار ميسرة ومهلة وأجل غير محدد لانعقادها، وترقب النظر في مخرجاتها التي يحكمها التوافق غير القائم، فلو حصل ما برز الاختلاف والنزاع أصلا. وفي حالة عدم الوصول إلى نتيجة، الذي هو الصورة الأكثر غلبة واحتمالا، فإن الاتفاقات جعلت المبادرة في مباشرة المسطرة وتتبعها على الطرف الذي يريد التعجيل وليس على اللجنة المشتركة، التي لها الصفة التمثيلية، وهو الصورة الأخرى لغياب الإرادة والنية في التعاقد الجدي من أصله ومنذ البداية. 

 
رابعاً: عيوب قانونية في الاتفاقية تجعلها باطلة
وكأن الاتفاق صوري ومستتر لإرادة وعقد آخر غير معلن، وليس عقدا ملزما للجانبين، يتضمن التزامات متقابلة يجب على كل طرف تنفيذها تحت طائلة سقوطه لعدم صلاحيته، أو أنهما جعلا تنفيذ الاتفاق متوقف على إرادتهما خارج مبدأ وجوب تنفيذ الالتزامات، وهي كلها عيوب قانونية تبطل الالتزام، خاصة وأن تنفيذه معلق على إرادة الملزم نفسه، أو أن نية الطرفين غير متجهة أصلا لتحقيق هدف المصالحة كشرط للأمن والتنمية والاستقرار في المنطقة.
فالأطراف اعتمدوا خلق صعوبات منذ البداية من خلال توافقهم على إقرار تضخم مثبط للعزائم ويشجع على التماطل في التنفيذ،  من خلال تعدد مسطرة الفصل في النزاعات المرتبطة بتنفيذها وفي ضرورة احترام تدرجها، إذ جعلوا على عاتق الذي يريد التعجيل في فك النزاع أن يتبع مجموعة من الإجراءات والمساطر. 

 
خامساً: تعقيدات شكلية جعلت الكرامة فوق المطالبة بالتنفيذ
وهي تبدأ برفع الأمر أمام محكمة العدل الدولية أولا ثم بين يدي لجنة منظمة التجارة الدولية من أجل تفعيل مسطرة التوفيق، وفي حالة فشلها التحكيم قبل التدخل النهائي لمحكمة التحكيم بقرار لا يقبل أي طعن. وجعلوا إطار ومرجعية التوفيق أو التحكيم مضمون اتفاق أو اتفاقين سابقين بينهما (انظر المادة 17 من اتفاق الاستغلال المشترك لمنجم غارة اجبيلات الذي يتضمن 13 فقرة). 
فالأمر وعلى فرض ادعاء أحد الطرفين ضررا ناتجا عن عدم تنفيذ الطرف الآخر للاتفاق، وتوفره على رغبة مستعجلة للفصل في الأمر وفقا للطريقة المشار إليها في الاتفاق، فعليه أن يتحلى بالصبر والاستعداد لتحمل طوله، وأن يضبط تعقيدات المسطرة، فهي بمثابة طواف قضائي بين الوسائل البديلة لفك النزاعات؛ وساطة توفيق وقضائية؛ محكمة العدل الدولية و تحكيمية؛ لجنة منظمة التجارة الدولية. 
فالأطراف خصصوا للشكل اهتماما أكثر من الجوهر والموضوع، ففهم  الاجراءات وضبط وتتبع المساطر المقررة في الاتفاقات عمل شاق وصعب وعسير، وقد يكون ذلك مقصودا، فهي إجراءات متعددة ومعقدة، تستغرق وقتا طويلا للوصول إلى نتيجة. 

 
سادساً: سؤال جدية الأطراف أثناء وبعد الاتفاق 
في مباشرة الإجراءات والمساطر عناء كبير، ولو حصل صدور حكم أو قرار وفق الطلب والنتيجة لاشك يرفضها الطرف الآخر. فهل فكرت الأطراف أن الرغبة في التنفيذ وأن العبرة ليست في الاتفاق ذاته. وإذا كان الأمر كذلك فإن غاية أحد الطرفين هو الحصول على الاتفاق كهدف وليس كوسيلة.
ولست متحيزا إذا قلت أن الجزائر هي من يبحث عن اعتراف مكتوب من المغرب لترسيم الحد فاصل بينهما. 
ولهذا أميل في استنتاج على شكل اعتقاد خلصت إليه من قراءات متعددة ومتأنية لمجمل للاتفاقات أن التعقيد كان مقصودا، ويعطي ذلك الدليل الكافي على غياب وانعدام الثقة بين المغرب والجزائر وقت الاتفاقات؛ أواخر الستينات وبداية السبعينات وحتى تلك التي تمت في بداية التسعينات وإلى الآن، وإنهما كانا يتفقان لتجاوز ضرورة وقتية وأن إرادتهما غير متجه إلى الاتفاق ولا إلى احترامه وتنفيذه. 

 
سابعاً: الجزائر مارست الخداع بنهج اتفاقات صورية لتجاوز هزيمة وخطر وأزمات داخلية 
أكاد أجزم أن حاجات الجزائر الذاتية والوقتية لتجاوز عقدة هزيمة (حرب الرمال) أو لقضاء حاجة مستعصية (مطالبات المغرب بخصوص الحدود الشرقية) أو اتقاء خطر ناتج عن مأزق حقيقي، وتخاف من المغرب استغلاله (الارهاب) هو أصلا المتحكم في تفكيرها في الاتفاق والدخول فيه مع المغرب. ونوايا النظام الجزائري غير سليمة منذ البداية بل تنطوي على حيل ومكر فيما يشبه التأكيدات الخادعة لأعمال النصب والاحتيال. 
فالجزائر لا تتصرف بدافع الرغبة إلى الاتفاق إلا في إطار حاجتها الماسة إلى استصدار إقرار من المغرب بالحدود، وليس ناتجا عن ضرورة حماية مصلحة قدرتها متطابقة أو متكاملة مع المغرب، ولا تعتمد حسن النية في إبرام الاتفاقات والعقود مع المغرب، كمبدأ وركن أولي في صحة العقود والاتفاقات منصوص عليه في كل القوانين الدولية والمقارنة. وهو أمر مؤسف جدا لأن ذلك  فوت على البلدين فرص عمل سانحة، قد لا يتم  تداركها مستقبلا.  
وتقف الحزائر في مركز ومرتبة من ينصاع عرضا ربحا للوقت مع المغرب واستعدادا لفعل مستتر، تنتظر توفر شروطا موضوعية وذاتية للقيام وتنفيذ فعل في مواجهة المغرب، فهي ناقمة بتاريخ الاتفاقات لتجاوز إكراه ذاتي حال وخطر داهم يهددها أو استجابة لطلب خارجي حتم عليهما الرضوخ للأمر الواقع المؤقت. 
وبمجرد زوال الظرف وانقشاع الغمامة تأمر الجزائر مباشرة بتعليق تنفيذ الالتزامات وتوقيفها وتقطع حتى العلاقات، وتقوم بارجاع الحالة إلى ماكانت عليه بعد ذلك أو لنقل تتعمد بقاء الحال على ما هو عليه، في انتظار ضغط آخر يفرض عليها لتجنح إلى سلم في اإطار خدعة أخرى وجديدة. 
 
ثامناً: ذكاء المغرب أجهض محاولات المكر الجزائري
ولهذا فإن تصرف المغرب أذكى عندما جعل من مسألة حسم الحدود وسيلة  لضمان المصالحة والسلام والنماء والأمن والاستقرار في المنطقة. وفرض على الجزائر من حيث تدري أو لا تدري جعل الاتفاقات بينهما حزمة واحدة تتناول جميع الميادين وفي مقدمتها الاقتصادي، كما ربط بعضها البعض وجعلاها جمع واحدد متعدد غير قابلة للتجزئة ولا الانقسام في التنفيذ، تحت طائلة سقوط الاتفاقات جميعها. 
إن قضية الحدود حسب الاتفاقات بين المغرب والجزائر هي المحرك لباقي الاتفاقات للتناسق الممتاز بينها، وهي  ضمانة لتنفيذ وتطبيق الكل الواحد المتعدد. ويراهن المغرب على الحدود وفي فتحها لتكون جسرا حقيقيا  للتطبيع الشعبي، ولا يتردد في المطالبة بفتحها، واعتبارها فلسفة ليعم السلم والتنمية والأمن والاستقرار. 

 
في الختام
وفي ذلك تختلف مقاربة المغرب للحدود في ربطها بالمستقبل عن نظرة الجزائر التي مازالت تحتفظ بمنطق الاستعمار العنصري من خلال اعتناقها الأناني لمبدأ الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار، الذي زال وانقضى ومازالت تحن الى أساليبه وتصرفاته. وأن محاولات الجزائر الحالية ومن جانب واحد لاستغلال حديد منجم غار اجبيلات رغم الشراكة في استغلاله مناصفة مع المغرب، وبحل أممي من أجل السلام ولتجنب العنف بين المغرب والجزائر، هو فعل عدائي ينضاف إلى حرب على المغرب بالوكالة عن طريق البوليساريو. 
 صبري الحو محامي بمكناس، خبير في القانون الدولي والهجرة ونزاع الصحراء