الخميس 8 يناير 2026
كتاب الرأي

محمد هرار: غرينلاند بين الطموح الأمريكي وحدود الشرعية الدولية

محمد هرار: غرينلاند بين الطموح الأمريكي وحدود الشرعية الدولية محمد هرار
في كل مرة تعود فيها جزيرة غرينلاند إلى الواجهة السياسية، يتجاوز النقاش حدود الجغرافيا ليصل إلى سؤال أدق وأعمق، متعلق بطبيعة النظام الدولي: هل ما زالت السيادة مبدأ مُلزما، أم أنها باتت خاضعة لتوازنات القوة ومصالح الدول الكبرى؟.
التصريحات الأمريكية السابقة، خصوصا تلك المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول رغبته في ضم غرينلاند، لم تكن مجرد استعراض إعلامي عابر، بل كشفت عن منطق سياسي يتعامل مع العالم باعتباره مجال نفوذ قابل لإعادة التشكيل!. صحيح أن هذه التصريحات لم تتحول إلى خطوات عملية حتى الآن، لكن خطورتها تكمن في الفكرة التي تروج لها: أن امتلاك القوة الاقتصادية والعسكرية قد يمنح شرعية لتجاوز القواعد التي يُفترض أنها تحكم العلاقات بين الدول.
غرينلاند، بحكم موقعها الاستراتيجي وثرواتها المحتملة، أصبحت رمزا  لصراع أوسع على القطب الشمالي، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين. غير أن هذا الصراع، مهما بلغت حدته، لا يغير من حقيقة قانونية أساسية، وهي إن الجزيرة تتمتع بحكم ذاتي، وهي جزء من مملكة الدنمارك، ولا يمكن تقرير مصيرها إلا عبر إرادة سكانها الأصليين والدولة الوصية وفقا للقانون الدولي.
وتجاهل هذه الحقيقة، أو التعامل معها باعتبارها تفصيلا ثانويا، يعني فتح الباب أمام منطق خطير يعيد العالم إلى عصور الهيمنة الصريحة.
هذا المنطق لا يقتصر على ملف غرينلاند. فسياسات الضغط التي تمارسها الولايات المتحدة على دول عديدة، عبر العقوبات الشاملة، وتجميد الأصول، والملاحقات القانونية العابرة للحدود معروفة ومعلنة. فحتى في غياب تدخل عسكري مباشر، فإن استخدام الأدوات الاقتصادية والقضائية لشل اقتصاد دول ذات سيادة، أو فرض تغيير سياسي فيها يعد، شكلا من أشكال الإكراه وانتهاكا لمبدأ عدم التدخل.
الخطير في هذا السياق ليس إجراء بعينه، بل اعتياده.فعندما يصبح مقبولا محاصرة دول فقط لأن سياساتها لا تروق لقوة عظمى، أو أن يُلوح بملاحقة قادتها خارج الأطر المتفق عليها دوليا؛ فإن السيادة تتحول من حق ثابت إلى امتياز مشروط. وحينها لن تكون الدول الضعيفة وحدها في دائرة الخطر، بل كل دولة قد تجد نفسها يوما ما خارج حسابات الرضا الدولي.
أما عن احتلال جزيرة غرينلاند بالقوة، فرغم ضجيجه الإعلامي، يبقى غير واقعي في المدى المنظور. نظرا لكلفته السياسية والدبلوماسية الهائلة، وتعارضه الصارخ مع القانون الدولي، ورفض سكان الجزيرة والدنمارك في هذا المطلب واضح. لكن الاطمئنان إلى استحالة السيناريو العسكري لا ينبغي أن يحجب الخطر الحقيقي؛ خطر ترسيخ فكرة أن القواعد يمكن تجاوزها متى امتلك الطرف الأقوى ما يكفي من القوة والنفوذ.
إن قضية غرينلاند، ليست ملفا منفصلا، بل حلقات في مسار واحد يختبر صلابة النظام الدولي. إما أن يبقى هذا النظام قائما على احترام السيادة والقانون، أو ينزلق تدريجيا نحو عالم تحكمه موازين القوة وحدها. وفي حال حصول ذلك ، لن يكون السؤال من التالي، بل متى يأتي الدور على الجميع. والحبل على الجرار.