الرجل ؛ الحدث:
الرجل الذي كسب حب وعطف العالم السيد ميشيل كاكو مبولدينغا Michel kaku Mboladinga المشجع الكونغولي في اقصائيات كأس إفريقيا المقامة في المغرب ؛في أجواء احتفالية مميزة عكست مكانة البطولة القارية وقيمتها الرياضية والثقافية، وسط حضور جماهيري كبير وتنظيم لافت أبرز قدرة المغرب على إخراج حدث أفريقي بحجم عالمي.وثقافة شعب يعشق كل القدم ويقدم كل أشكال الدعم للحضور من كل الدول المشاركة بكرم. ومن خلال تتبع مباربات الكان الذي يحتضنها المغرب بإبداع منقطع النظير، في التنظيم والترحاب وحسن الضيافة؛ وخاصة في المقابلات التي كان يواجهها المنتخب الكونغولي الذي بات يعرف بلقب “حفيد باتريس لومومبا”، والذي تحول إلى أيقونة صامتة تثير الفضول والإمتاع وسط متتبعي “الكان”، فهو لا يهتف ولا يقفز ولا يصرخ ..، بل يتخذ وضعية الثبات التام طوال دقائق المباراة التسعين أو مائة والعشرين إذا لزم الأمر ، كما في مبارة ضد الجزائر ، رافعا ذراعه اليمنى بكف مفتوحة نحو السماء، في استحضار بصري مهيب لتمثال الزعيم التاريخي باتريس لومومبا الذي يزين ساحات كينشاسا ، كما يحمل اسم أهم شوارع الرباط المحتضنة للتظاهرة ، المشجع يستحضر هذا الإسم الرمز ، حيث مدرجات الملعب صارت لحظة تاريخية لتذكير العالم بالجرائم المرتكبة في إفريقيا و بالتاريخ القبيح للغرب الإستعماري إنها رسالة دالة مشفرة تذكر الطغاة بالعتمة والمآسي .هذا المشهد يذكر العالم بأن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي امتداد لذاكرة الشعوب ونضالاتها وصمودها .
الملعب فضاء للقيم :
في كل اللحظات التي يلعب فيها منتخب الكونغو ، يصير المدرج شاشة للذاكرة؛ والصورة تختصر المسافة ،واللباس لون الوطن وصراخ بلا صوت في رسالة مفادها أن الجماهير تغني وتفرح، لكن لا تنس؟؟ ..
شُهٍد المشجع الكونغولي ميشيل كاكو و الذي بقي واقفا يبكي بحرقة من بعد إقصاء منتخبه بعد حركة استفزازية بديئة من قِبل لاعب المنتخب المنتصر ، دون احترام لأعراف اللعبة وتاريخ باتريس لوممبا ، كانت لقطة مؤثرة وتناقلت الصورة في وسائل التواصل الإجتماعي ولقيت تضامنا منقع النظير. الأساسي في هذه التظاهرة أن المتتبع أعاد سؤال الحرية للواجهة والرمز باتريس لومومبا، باعتباره أيقونة إفريقيا و الكرامة والصمود.و أحد كبار قادة التحرر بإفريقيا، وأول رئيس حكومة فالكونغو من بعد الاستقلال سنة 1960. كان معروف بخطابه القوي ضد الاستعمار وبمواقف جريئة .. قبل أن يتم اغتياله 1961 بطريقة بشعة وفظيعة..

منذ انطلاق بطولة "الكان" وخاصة مبارة الكونغو ظهر معها صورة هذا الرجل وهو يحاكي شخصية تاريخية من جديد فانتشرت الصورة عبر وسائل اعلام عالمية للتعريف بهذه الشخصية التاريخية باتريس لومومبا ، حيث تم البحث من جديد عن دلالة هذا الإحياء وعن متانة الصمود ، صورة تسلط الضوء على قصة الممانعة والتحدي ضد الظلم كي تبقى محفورة في الذاكرة الجماعية للشعوب المُحبة للحرية والحياة.
للاشارة لابد من التذكير أن المغرب ساهم بقواته المسلحة في الدفاع عن الشرعية السياسية بالكونغو تحت راية الأمم المتحدة؛ كما اطلق اسم الزعيم الرمز باتريس لومومبا على شوارع في الرباط والدار البيضاء، كإشارة رمزية على عمق الروابط العميقة بين الرباط وكينشاسا وعلى المكانة الذي يحتلها هذا المناضل في ضمير الشعوب الإفريقية.
هذا المعطى يكشف العمق المغربي في الحكاية والإرتباط بإفريقيا ، المغرب لم يكن بمنأى عن ما يدور بالساحة الإفريقية بعد استقلال دولها ، بل كان حاضراً في قلب المعركة والصراع الذي كانت فيه الدولة الكونغولية الجديدة تُعاد صياغتها تحت ضغط السلاح وتوازنات السياسة الدولية.
رسالة للتاريخ :
رغم قسوة المشهد والطريقة التي تم بها اغتيال باتريس لومومبا وما تركته من مآسي على جبين الإنسانية، وما صاحب العملية من تشويه الجثة وتقطيعها وإذابتها في الحمض لطمس الذاكرة ، خوفا من أن يتحول قبره إلى مزار يغذي آمال وثورات الأجيال الحالمة بالحرية والكرامة ، لكنهم لم يدركوا أن روحه ستظل حاضرة، تطل بعنفوانها من فوق مدرجات ملاعب كرة القدم في البلد المحتضن للكان بعد عقود طويلة.
وفي الأخير أقول للسيد ميشيل كاكو مبولدينغا Michel kaku Mboladinga لقد انتصرت على الجميع ؛وأنت الجميل الذي ذكرت العالم بأيقونة النضال باتريس لومومبا وبجرائم الإستعمار والقهر التي لا تعرف التقادم.
د .عبد الغني السلماني
