السبت 3 يناير 2026
كتاب الرأي

فتح الله حافظي: الكان يكشف هشاشة الإعلام وهزال السياسة عند الجيران

فتح الله حافظي: الكان يكشف هشاشة الإعلام وهزال السياسة عند الجيران فتح الله حافظي
المغرب في كأس أمم إفريقيا  ليس موضوع رأي، بل واقعا دامغا بالأرقام، بالصور، بالمعطيات وبشهادات الإعلام الدولي. تنظيم محكم، ملاعب جاهزة، وتظاهرة قارية تمضي بلا أخطاء تُذكر لحدود الآن. ومع ذلك، يصرّ الإعلام الرسمي الجزائري على التعامل مع هذا الواقع كما لو أنه خطأ بصري يجب تصحيحه، أو مشهد زائد عن الحاجة يجب اقتطاعه.
هذا ليس نقدًا، ولا قراءة مغايرة، بل إنكار صارخ. إعلام قرر، بوعي كامل، ألا يرى. الكاميرا تُخفض الرأس، العناوين تلتف، واللغة تُفرغ الأسماء. المغرب، البلد المنظم، يُختزل في الصمت، وكأن حذف الاسم من النشرة سيحذفه من الجغرافيا. هذا ليس اجتهادًا مهنيًا، بل هروبا سياسيا مفضوحا.
الأمر لا يتوقف عند حدود الانتقاء، بل يصل إلى ما يشبه الهوس. مراسلون يُدفعون دفعا، للبحث عن أي لقطة ناقصة، أي زاوية مهملة، أي تفصيل ثانوي، فقط ليُقال: “الأمر عادي”. لكن الواقع أكبر من كاميراتهم… ولا تُقهره المونتاجات. حين تعجز عن مجاراة النجاح، تحاول التشكيك فيه. وحين تفشل، تلجأ إلى الإنكار.
الأكثر عبثية أن هذا الإنكار يتمّ والمنتخب الجزائري يلعب فوق ملاعب مغربية، وبتنظيم مغربي كامل، من صافرة البداية إلى آخر خروج. ومع ذلك، يُقدَّم الحدث وكأنه بلا صاحب. ليس سهوًا، ولا خطأ تحريريًا، بل قرار سياسيا مغلّفا برداء إعلامي.
ما نراه ليس أزمة تغطية رياضية، بل أزمة وعي سياسي. الاعتراف بنجاح المغرب لم يعد مسألة مهنية، بل تهديد لسردية بُنيت على التشويه، الإنكار والمقارنة المرضية. كرة القدم هنا تتحول إلى مرآة صادمة، لا تعكس الآخر فقط، بل تكشف هشاشة الذات. الفارق بين ما 
 يراه الجمهور في المدرجات، وما ترصده وسائل الإعلام الدولية، وما يُبث في النشرات الرسمية الجزائرية، يعكس انفصامًا واضحًا بين الواقع والخطاب. واقع يتحرك ويتقدم، وخطاب متجمّد يُخاطب عقده أكثر مما يُخاطب جمهوره. النتيجة إعلام يُغلق على نفسه، ويحوّل النشرة إلى غرفة صدى سياسي، لا نافذة على العالم.
والمفارقة أن كل هذا لا يسيء إلى المغرب. النجاح لا يحتاج إلى شهادة خصم، والتنظيم لا يُقاس بعدد مرات ذكر الاسم، بل بما يُنجز على الأرض. الخسارة الحقيقية هي خسارة الإعلام لدوره، حين يتحوّل من ناقل للواقع إلى حارس لرواية سياسية فارغة، بلا معنى ولا مضمون.
ما يحدث اليوم هو تصادم مباشر بين الواقع والعمى السياسي. الواقع لا يتراجع، يمكن تجاهله أو تشويهه، يمكن محاولة دفنه في النشرات… لكنه يظل صلبًا، قائمًا، ومشاهَدًا.
هي ليست معركة كرة، إنها معركة وعي...والعمى هنا اختيار...  والواقع عنيد لا يُهْزَم
والله يشافي الجيران