lundi 11 mai 2026
كتاب الرأي

عبد الإلاه القصير: حمية الطيبات وأزمة الثقة في الطب الحديث

عبد الإلاه القصير: حمية الطيبات وأزمة الثقة في الطب الحديث عبد الإلاه القصير

لم تعد قضية الطبيب المصري ضياء العوضي، صاحب ما سُمّي بـ “حمية الطيبات”، مجرد نقاش حول نظام غذائي، بل تحولت إلى مرآة تعكس تحولات أعمق في علاقتنا بالعلم والمعرفة والسلطة والثقة داخل المجتمعات العربية.

ففي زمن المنصات الرقمية، لم يعد الناس يبحثون فقط عن طبيب، بل عن “سردية” تمنحهم الأمل وتفسر معاناتهم اليومية بلغة بسيطة وواضحة. وهنا تكمن قوة الخطابات الصحية الجديدة. فهي لا تخاطب الجسد فقط، بل تخاطب القلق الجماعي، والإحباط من المؤسسات، والشعور بالعجز أمام أمراض معقدة وأنظمة صحية مرهقة.

لقد نجح العوضي، مثل كثير من المؤثرين الصحيين، في بناء خطاب يقوم على ثنائية جذابة: “الطبيعي” في مواجهة “الصناعي”، و”الطيبات” في مواجهة “الخبيثات”. وهي ثنائية تمنح المتلقي شعوراً أخلاقياً بالتفوق، وكأن اختيار الطعام يتحول إلى شكل من أشكال “الخلاص”.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول النقاش الغذائي إلى يقين مطلق، وحين تصبح التجارب الفردية بديلاً عن البحث العلمي، والمقاطع القصيرة بديلاً عن الدراسات السريرية، والكاريزما الرقمية بديلاً عن التخصص.

وهنا يظهر البعد الأخطر في القضية: إنها ليست فقط أزمة تغذية أو طب، بل جزء من أزمة أعمق يعيشها العالم العربي، عنوانها ضعف الثقافة العلمية وهيمنة العقل التبسيطي. فالمجتمعات المتقدمة تبني علاقتها بالعلم على الشك المنهجي، والنقاش، والتجربة، والمؤسسات البحثية، بينما تميل مجتمعاتنا — في كثير من الأحيان — إلى البحث عن “المنقذ الفرد”، سواء كان سياسياً أو داعية أو طبيباً أو مؤثراً رقمياً. لذلك تنتشر عندنا بسهولة وصفات “العلاج السحري”، وخطابات المؤامرة، والتفسيرات المطلقة، لأن البنية الثقافية نفسها ما تزال تميل إلى الإيمان بالأشخاص أكثر من الإيمان بالمناهج.

التخلف لا يظهر فقط في الاقتصاد أو التكنولوجيا، بل أيضاً في طريقة التفكير. وحين يضعف التعليم النقدي، ويتراجع دور الجامعة والبحث العلمي، يصبح المجال مفتوحاً أمام كل خطاب شعبوي قادر على إثارة العاطفة وتقديم أجوبة سهلة لمشكلات معقدة.

صحيح أن الطب الحديث ليس منزهاً عن الأخطاء، وأن الصناعات الدوائية تخضع أحياناً لمنطق السوق، لكن الرد على ذلك لا يكون بالسقوط في الضفة المقابلة: أي تحويل أي خطاب بديل إلى “حقيقة مقدسة” لا تقبل النقاش.

في النهاية، لا أحد ينكر أهمية التغذية ونمط الحياة في تحسين الصحة، لكن الطب لا يُبنى على الإيمان بالأفراد، بل على التراكم العلمي، والتجربة القابلة للتحقق، والنقد المستمر. وربما هذا هو الدرس الأعمق في قصة “حمية الطيبات”: الأمم التي لا تنتج المعرفة، غالباً ما تصبح أكثر قابلية لاستهلاك الوهم.