عندما تَبادَر إلى ذهني هذا السؤال، وأسئلة أخرى مشابِهة أو متفرعة، لم يكن المُراد في بداية الأمر عَقدَ مقارنة بين الذكاءين الإنساني والرقمي، لسبب يسير وبديهي، وهو أن الذكاء الرقمي ما زال في طور طفولته الأولى، رغم أن علماء هذا العصر متسرّعون في طرحهم على هذا المولود الحديث، والطريّ، أسئلة كبيرة جداً حيّرت العقل الإنساني على امتداد القرون الثلاثة الأخيرة، التي اتخذت العلوم الحديثة خلالها مسارَها المُبهِر، الذي نُعايِن الآن أزهارَه وهي تَيْنَعُ، وثمارَه وهي تَنضُجُ وتصيرُ لذة للنُاهلين...
أسئلة من قبيل المقارنة بين التوراة والإنجيل والقرآن، أو بين النص القرآني وكتابات عباقرة الفكر الإنساني... وغير ذلك من الأسئلة ذات الصلة باللاهوت، والتي يصعب على العقل الرقمي، أن يدركها في مرحلته الراهنة على الأقل، وكأنّ السائلين ينسون أو يتناسون أنهم هم الذين برمجوا ذلك الذكاء، وهم الذين خزّنوا فيه من المعلومات والمعادلات الرياضية والمنطقية التي هم الذين اختاروها من تلقاء ذواتهم بدوافع تختلف بين منتِج ومُبرمِج وآخر، وأقصد المنتجين والمبرمجين للصيغ الحالية لهذا الذكاء، الذي سأظل إلى إشعار آخر أؤكد أنه ما زال في مرحلة طفولته الأولى، وما زال بالتالي رهينَ ما وضعناه نحن في "نيوروناته" أو "خلاياه الرقمية" من مقدمات سيحتاج لا محالة إلى الكثير من الوقت والجهد، ومن تراكم التجارب والخبرات، ومن التخزين المتزايد، حتى يتسنى له أن يستثمرها للإتيان بقيم مضافة وغير مسبوقة... فمتى سيقع ذلك؟..
شخصياً لا أعلم، ولكن القيّمين على هذا الضرب من الإبداعات، المذهلة فعلاً، لابد أنّ لديهم فكرة عما هم مقبلون عليه، ولا أُفشي سراً إذا قلت إن منهم من لا يزالون متخوّفين من أن يتجاوزهم قطار ذلك الذكاء فيتحوّلون بإزائه إلى مجرد مرايا منكسرة ملئى بشظايا من الماضي سيصعب عليهم بعد ذلك لملمتها وجمع شتاتها من جديد !!
مناسبة طرحي لهذه الأسئلة المعرفية أنني طالعتُ على إحدى مواقع البحث العلمي محاولات بعض علماء الفيزياء والفضاء، وهم يسألون صيغة من الذكاء الرقمي تحمل اسم GROK IA، عن احتمال وجود كائنات فضائية في مجرتنا، أو في المجرات الأخرى، علما بأن ما وضعوه من البرمجيات في مخزون ذلك الذكاء يستقي مصادره من أرصدتهم العلمية والمعرفية هم أنفسهم، فكيف سيبني هذا الذكاء معطيات جديدة عن مجرّات وعوالم ليس لديه من المعلومات عنها سوى ما وضعه السائلون أنفسهم في ذاكرته، مما يتوفر لديهم هم أنفسهم من العلم القليل والمحدود عن الموضوع ذاته؟!
أليست هذه عبارة عن حلقة مفرغة تبتدئ حيث تنتهي، وتنتهي حيث تبتدئ من جديد؟!
أليس من المعقول والمنطقي أن ننتظر إلى أن يكبر هذا المولود الحديث وتكبر معه مخزوناته العلمية والمعرفية، وتتطوّر لديه مَلَكات الإدراك الحر والمنفصل والمستقل بذاته، لكي يستطيع إبداع الإجابات العلمية الدقيقة عن أسئلتنا التي لن تنتهي بكل تأكيد؟!
صحيح أن الذكاء الرقمي يختزن كل الكتب والمؤلفات والأبحاث التي انتهى إليها العقل البشري على مدار السنين ولكن، ما موقع "الحكمة" في كل ذلك الزخم الهائل من المعلومات والمعطيات؟
هل يستطيع هذا العقل، الممتلِئ بالمعارف، أن يعرف مثلاً متى يتكلم ومتى يصمت؟
هل يستطيع مثلاً أن يَستشعِر الانفعالات التي يمكن أن تُثيرَها فينا إجاباتُه المباشرة، الصريحة، وأحياناً الصادمة، لأن الواقع أنه لا يعرف المراوغة ولا المجاملة، وخاصةً في المسائل العلمية والمعرفية البحتة؟
ثم هناك جانب آخر أكثر صعوبة والتباساً، وهو أن الطفل عندنا يرعاه أبواه بالتربية والتعليم والتهذيب حتى يشتدّ عوده... فمن يرعى هذا الطفل الرقميّ الطريّ؟ هل ستُربّيه شركات عملاقة تهدف فقط للربح، أو جيوشٌ جرّارة تسعى فقط للسبق والتفوق والغلَبَة، أو وكالاتُ ومقاولاتٌ تبيع وتشتري في المعلومات والأسماء والمسميات في سباق محموم لا ينتهي في العادة إلا بسحق بعضها بعضاً، فلا يكون البقاء فيها إلا للأقوى شكيمةً، والأشد مكراً، والأقل إنسانيةً ورحمة... أم هل يتكفل بتربيته الأدباء والفنّانون الحالمون؟!
ألم نبرمِجْ فيه إلى جانب علومنا ومعارفنا أشياءً أخرى مثل مخاوفنا، وأحقادنا، ونقائصنا التي نتّفق تلقائياً على إخفائها أحياناً حتى عن أنفسنا... فهل يُعقَل أن ننتظر منه منذ الآن أن يُعيد إلينا كل ذلك بعد تطهيره من كل مَثالبه وهَنّاته؟!
في رأيي المتواضع أن "العقل الرقمي"، وأفضِّل تسميته هكذا بدلا من لفظ "الاصطناعي" الذي يوحي بالتصنع والتكلّف، يلزمه الكثير من الوقت ومن التجربة والخبرة، ومن التحديثات والتحيينات، حتى تتحقق لديه القدرة على إبداع أشياء من خارج البرمجيات المودعة في "جيناته" الإلكترونية والرقمية، إذا جاز التعبير، ولكن، فسواء تقدم به العمر أم لم يتقدم، فستبقى هناك أسئلة عويصة يستحيل عليه الإجابة عليها، وخاصةً منها ما يتعلق بالوجود والعدم، والحياة والموت، والدنيا والآخرة... فلا فائدة إذَنْ من إرباكه بالسؤال عن اللاهوت، والرسالات السماوية، وعن نوع المشاهد الطبيعية في الجنة... ولا نفع في وضعه أمام مقارنات يتداخل فيها النفسي والعقلي بالروحي والانفعالي... فربما في مستقبلٍ ما، وفي أفقٍ من الآفاق، قد يستطيع العلم أن يُمرِّر له شيئاً من تلك المَلَكات، الإنسانية بكل دلالات الكلمة... من يدري؟!!
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي متقاعد.