dimanche 10 mai 2026
كتاب الرأي

محمد موافق: دور الشباب في المغرب.. المسار التاريخي، الوظائف المؤسساتية وسؤال النجاعة

محمد موافق: دور الشباب في المغرب.. المسار التاريخي، الوظائف المؤسساتية وسؤال النجاعة محمد موافق

تحتل مؤسسات دور الشباب بالمغرب موقعا محوريا ضمن البنية المؤسساتية الموجهة لفئة الشباب، باعتبارها فضاءات عمومية للتأطير التربوي والثقافي والاجتماعي، ومجالات مفتوحة لاكتشاف المواهب، وتنمية القدرات، وترسيخ قيم المواطنة والمشاركة. وقد ارتبط ظهور هذه المؤسسات بسياق تاريخي خاص، تداخلت فيه رهانات بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال مع الحاجة إلى تأطير الطاقات الشبابية وتوجيهها نحو المساهمة في التنمية المجتمعية.

 

ومع تطور السياسات العمومية الموجهة للشباب، لم تعد دار الشباب مجرد فضاء للترفيه أو قضاء وقت الفراغ، بل أصبحت آلية من آليات التربية غير النظامية، وأداة لدعم الإدماج الاجتماعي والثقافي، ومجالا لتقوية النسيج الجمعوي، ووسيطا بين المؤسسات العمومية والشباب على المستوى الترابي. غير أن التحولات المجتمعية والرقمية والثقافية التي يعرفها المغرب اليوم تفرض إعادة النظر في أدوار هذه المؤسسة، وفي طرق تدبيرها، وفي قدرتها على مواكبة انتظارات الأجيال الجديدة.

 

ينطلق هذا المقال من مقاربة تحليلية تروم إبراز المسار التاريخي لمؤسسات دور الشباب بالمغرب، وتحديد وظائفها الأساسية، والوقوف عند أبرز التحديات التي تواجهها، مع اقتراح بعض المداخل الممكنة لتطويرها وجعلها أكثر نجاعة وجاذبية وارتباطا بحاجات الشباب.

 

 

أولا: المسار التاريخي لمؤسسات دور الشباب بالمغرب

تعود البدايات الأولى لمؤسسات تأطير الشباب بالمغرب إلى مرحلة الحماية، حيث ظهرت بعض الفضاءات المخصصة للشبيبة في إطار تصورات استعمارية كانت تروم تنظيم أوقات الشباب وتوجيه أنشطتهم وفق أهداف محددة. غير أن التحول الجوهري وقع بعد الاستقلال، حين عمل المغرب على إعادة تملك هذه الفضاءات وإدماجها في مشروع وطني جديد، يقوم على بناء الإنسان المغربي وتأهيل الشباب للمشاركة في الحياة العامة.

 

لقد شكل إحداث دور الشباب بعد الاستقلال تعبيرا عن وعي مبكر بأهمية الاستثمار في الطاقات الشابة، وبضرورة توفير فضاءات عمومية للتنشئة والتأطير خارج المدرسة والأسرة. ومن ثم، أصبحت دار الشباب مؤسسة ذات بعد وطني، تسعى إلى احتضان المبادرات الجمعوية، وتنمية الحس المدني، وتشجيع التعبير الثقافي والفني، وفتح المجال أمام الشباب لاكتساب مهارات جديدة.

 

ومع مرور العقود، توسعت شبكة دور الشباب تدريجيا، خاصة في المدن والمراكز الحضرية، ثم في عدد من المجالات شبه الحضرية والقروية. وقد رافق هذا التوسع تطور في وظائف المؤسسة، حيث انتقلت من فضاء تقليدي للتنشيط الثقافي والرياضي إلى مجال أكثر تعقيدا، يتداخل فيه التكوين، والتنمية الذاتية، والمواكبة، والعمل الجمعوي، والإدماج الاجتماعي، والتربية على المواطنة.

غير أن هذا المسار لم يكن خاليا من الإكراهات، إذ ظل توسع الشبكة المؤسساتية أحيانا غير متوازن مجاليا، كما أن تطور الحاجيات الشبابية لم يكن دائما مرفوقا بتجديد كاف في البنيات، والبرامج، والموارد البشرية، وآليات التدبير.

 

 

ثانيا: الإطار المؤسساتي والوظيفي لدور الشباب

تندرج دور الشباب ضمن المؤسسات التابعة لقطاع الشباب، وهي مؤسسات عمومية تستهدف بالأساس فئة الشباب واليافعين، وتعمل على توفير خدمات وأنشطة ذات طابع تربوي وثقافي وفني ورياضي وترفيهي. كما تحتضن هذه المؤسسات أنشطة الجمعيات والمنظمات الشبابية، وتوفر لها فضاءات للعمل والتأطير والتكوين والتواصل مع الفئات المستهدفة.

 

ويمكن تلخيص الوظائف الأساسية لدور الشباب في أربعة مستويات كبرى:

أولا: الوظيفة التربوية والتكوينية.
تساهم دار الشباب في استكمال أدوار المدرسة والأسرة، من خلال تمكين الشباب من أنشطة تربوية غير نظامية، تقوم على التعلم بالممارسة، وتنمية المهارات الحياتية، وتعزيز الثقة في النفس، والتربية على المسؤولية والانضباط والعمل الجماعي.

ثانيا: الوظيفة الثقافية والفنية.
تعد دار الشباب فضاء لاكتشاف المواهب وصقلها في مجالات المسرح، والموسيقى، والفنون التشكيلية، والقراءة، والكتابة، والإعلاميات، وغيرها من أشكال التعبير الثقافي. وهي بذلك تساهم في دمقرطة الولوج إلى الثقافة، خاصة بالنسبة للفئات التي لا تتوفر على إمكانات مادية أو اجتماعية للولوج إلى فضاءات ثقافية بديلة.

ثالثا: الوظيفة الاجتماعية والاندماجية.
تلعب دور الشباب دورا مهما في الوقاية من العزلة والانحراف والهشاشة، من خلال إدماج الشباب في جماعات منظمة وأنشطة هادفة، وتمكينهم من فضاءات آمنة للتعبير والتواصل والمشاركة. كما يمكن أن تشكل هذه المؤسسات جسرا نحو برامج أخرى مرتبطة بالتكوين، والتشغيل، والمبادرة المقاولاتية، والعمل التطوعي.

رابعا: الوظيفة المدنية والمواطنة.
تعد دار الشباب مجالا لتعلم المشاركة، واحترام الاختلاف، وممارسة الحوار، والانخراط في العمل الجمعوي. فهي تسهم في تكوين مواطنين قادرين على المساهمة في الحياة العامة، وعلى فهم قضايا مجتمعهم، والمشاركة في إيجاد حلول محلية لها.

 

بهذا المعنى، لا يمكن اختزال دار الشباب في كونها فضاء للأنشطة الترفيهية، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها مؤسسة للتنشئة الاجتماعية والثقافية، ورافعة للتربية غير النظامية، ومنصة لإنتاج الفعل المدني المحلي.

 

 

ثالثا: دور دار الشباب في التنمية المحلية

تكتسي دور الشباب أهمية خاصة داخل المنظومة الترابية، لأنها توجد في تماس مباشر مع الشباب والجمعيات والفاعلين المحليين. ومن هذا الموقع، يمكن أن تضطلع بدور أساسي في دعم التنمية المحلية، عبر تأهيل الرأسمال البشري، وتقوية المبادرات الشبابية، ومواكبة المشاريع ذات الطابع الثقافي والاجتماعي.

 

فدار الشباب ليست فقط مؤسسة تقدم خدمات، بل يمكن أن تتحول إلى منصة محلية للإنصات والتوجيه والمواكبة. ومن خلالها يمكن للشباب أن يكتسبوا مهارات القيادة، والعمل الجماعي، والتواصل، وتدبير المشاريع، كما يمكن للجمعيات أن تجد فضاء للتكوين والتخطيط وتنفيذ المبادرات.

 

وتزداد أهمية هذا الدور في ظل التحولات التي تعرفها الجماعات الترابية، وما تطرحه من حاجة إلى مشاركة الشباب في إعداد وتنفيذ وتقييم السياسات المحلية. فالشباب لا ينبغي أن يظلوا مجرد مستفيدين من البرامج، بل يجب أن يكونوا شركاء في تصورها وإنجازها وتقييم أثرها.

ومن ثم، فإن تجديد دور دار الشباب يقتضي ربطها بشكل أقوى بالبرامج الترابية، وبالمبادرات الوطنية ذات الصلة بالشباب، وبمشاريع التنمية البشرية، وبالسياسات الثقافية والرياضية والتعليمية، حتى لا تبقى أنشطتها معزولة أو موسمية أو محدودة الأثر.

 

 

رابعا: التحديات الراهنة وسؤال النجاعة

رغم الأهمية التاريخية والمؤسساتية لدور الشباب، فإن واقعها الراهن يطرح عددا من التحديات التي تؤثر على جاذبيتها ونجاعة تدخلاتها. ويمكن إجمال هذه التحديات في خمسة مستويات أساسية.

1. تحدي البنيات والتجهيزات
تعاني بعض دور الشباب من تقادم البنيات، وضعف الصيانة، ومحدودية التجهيزات، وعدم ملاءمة الفضاءات مع حاجيات الشباب الحديثة، خاصة في مجالات الرقمنة، والابتكار، والتكوين، والممارسة الفنية والرياضية.

2. تحدي الموارد البشرية
لا يمكن لأي مؤسسة شبابية أن تؤدي وظائفها دون أطر مؤهلة في مجالات التنشيط، والتأطير، والتواصل، والمواكبة. غير أن الخصاص في الموارد البشرية، أو ضعف التكوين المستمر، أو غياب تخصصات جديدة مرتبطة بالتحولات الرقمية والاجتماعية، كلها عوامل تحد من قدرة المؤسسة على تقديم عرض نوعي ومستدام.

3. تحدي الحكامة والتدبير
تحتاج دار الشباب إلى نموذج تدبير أكثر وضوحا وفعالية، يقوم على التخطيط، والتعاقد، والتقييم، وربط الأنشطة بالأهداف والمؤشرات. كما أن تعدد المتدخلين، من وزارة وجماعات ترابية وجمعيات وشركاء، يفرض إرساء آليات تنسيق واضحة لتفادي التشتت وتداخل الأدوار.

4. تحدي الجاذبية لدى الشباب
تغيرت اهتمامات الشباب وطرق تواصلهم وتعلمهم وتعبيرهم. وأمام قوة الفضاء الرقمي، لم تعد البرامج التقليدية كافية لجذبهم. لذلك تحتاج دور الشباب إلى تجديد عرضها، وإدماج مجالات مثل الإعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الثقافية، والمقاولة الاجتماعية، والمهارات الحياتية، والتربية البيئية.

5. تحدي قياس الأثر
غالبا ما يتم تقييم أنشطة دور الشباب من خلال عدد المستفيدين أو عدد الأنشطة المنظمة، في حين أن الرهان الحقيقي ينبغي أن يرتبط بقياس الأثر: ماذا تغير في قدرات الشباب؟ ما المهارات التي اكتسبوها؟ هل ساهمت الأنشطة في إدماجهم؟ هل عززت مشاركتهم وثقتهم بالمؤسسات؟ إن الانتقال من منطق الإحصاء إلى منطق الأثر أصبح ضرورة لتجويد السياسات والبرامج.

 

خامسا: نحو نموذج جديد لدار الشباب

إن تطوير مؤسسات دور الشباب يقتضي الانتقال من النموذج التقليدي القائم على استقبال الأنشطة إلى نموذج جديد يجعل من دار الشباب منصة متعددة الوظائف. ويقوم هذا النموذج على جملة من المرتكزات:

أولا: دار الشباب كفضاء للابتكار الاجتماعي.
ينبغي أن تتحول دار الشباب إلى مختبر محلي للأفكار والمبادرات، حيث يتمكن الشباب من اقتراح مشاريع، وتجريب حلول، وتنظيم حملات ومبادرات مرتبطة بقضايا المجتمع المحلي.

ثانيا: دار الشباب كمنصة رقمية وميدانية.
لم يعد ممكنا الفصل بين الفضاء الواقعي والفضاء الرقمي. لذلك ينبغي تجهيز دور الشباب بفضاءات رقمية، وتطوير برامج في الإعلاميات، والإبداع الرقمي، والتصميم، والتواصل، وصناعة المحتوى، مع ربط هذه البرامج بحاجيات التكوين والشغل.

ثالثا: دار الشباب كفضاء للإنصاف المجالي.
ينبغي أن يحظى الشباب في القرى والمناطق الهامشية بنفس فرص الولوج إلى التنشيط والتكوين والثقافة. وهذا يفرض تقوية شبكة المؤسسات، واعتماد صيغ متنقلة أو رقمية، وتطوير شراكات مع الجماعات الترابية والمؤسسات التعليمية والجمعيات.

رابعا: دار الشباب كفضاء للمشاركة المواطنة.
يمكن إحداث مجالس شبابية محلية داخل دور الشباب، أو لجان تشاركية تضم الشباب والجمعيات والأطر، من أجل المساهمة في إعداد البرامج وتقييمها. فالمؤسسة التي لا تنصت إلى الشباب يصعب أن تستجيب فعليا لانتظاراتهم.

خامسا: دار الشباب كمجال للتكامل بين السياسات العمومية.
ينبغي ربط دار الشباب ببرامج التكوين المهني، والتشغيل، والصحة النفسية، والرياضة، والثقافة، والمقاولة، والتربية البيئية، حتى تصبح فضاء موجها ومواكبا، لا مجرد مكان لتنظيم أنشطة متفرقة.

 

يتضح من خلال هذا التحليل أن دور الشباب في المغرب ليست مجرد مؤسسات مادية موزعة على التراب الوطني، بل هي جزء من الذاكرة التربوية والثقافية للبلاد، ورافعة أساسية من رافعات التنشئة والمشاركة والإدماج. غير أن قيمتها لا تكمن فقط في تاريخها أو انتشارها، بل في قدرتها على التجدد، ومواكبة التحولات، والاستجابة للحاجيات الفعلية للشباب.

 

إن سؤال النجاعة يفرض اليوم إعادة التفكير في وظيفة دار الشباب، وفي نموذج تدبيرها، وفي طبيعة البرامج التي تقدمها، وفي موقع الشباب داخلها. فالمطلوب ليس فقط ترميم البنايات أو الرفع من عدد الأنشطة، بل بناء تصور جديد يجعل من دار الشباب مؤسسة حية، منفتحة، رقمية، دامجة، قادرة على إنتاج الأثر، وعلى تحويل طاقات الشباب إلى قوة اقتراح ومبادرة ومشاركة.

وعليه، فإن الاستثمار في دور الشباب هو استثمار في مستقبل المجتمع، لأن الشباب الذين يجدون فضاءات آمنة للتعبير والتعلم والمشاركة، هم الأقدر على الإسهام في بناء مغرب متوازن، منفتح، ومتصالح مع طاقاته الحية.

محمد موافق، باحث  في قضايا الطفولة والشباب