يأتي هذا المقال في سياق مسار فكري ومؤسساتي متراكم، انشغلتُ خلاله، ممارسةً وكتابةً، بمساءلة التحولات والأسئلة التي راكمتها الحركة الحقوقية المغربية، على امتداد أزيد من عقدين من الزمن، في مواكبتها لمسارات العدالة الانتقالية ببلادنا وما ارتبط بها من رهانات الهوية والذاكرة والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات.
وقد أعادت النقاشات والخلاصات التي راكمتها هذه الحركة، ولا سيما داخل مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، وما رافقها من تفكير في آفاق العدالة الانتقالية باعتبارها مدخلاً لبناء الديمقراطية ودولة القانون، طرح سؤال بات مركزياً في السياق الراهن: هل ما يزال مفهوم “العيش المشترك”، بما مثّله من أفق معياري لمرحلة الإنصاف والمصالحة، قادراً على تأطير رهانات المرحلة الجديدة، أم أن التحولات المتسارعة التي يعرفها المجالان الوطني والدولي تفرض الانتقال نحو أفق مفاهيمي ومؤسساتي جديد، قوامه “البناء المشترك”، باعتباره تصوراً يقوم على استثمار المشترك التاريخي والثقافي والمؤسساتي، وتحويل الاختلاف من موضوع للتدبير الرمزي إلى قوة للمشاركة في بناء مستقبل مشترك؟
بعد أزيد من عشرين سنة على تأسيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، يتيح السياق الفكري والمؤسساتي الراهن الانتقال من منطق تدبير الاختلاف إلى أفق يقوم على استثمار المشترك وتفعيله، ومن إدارة التعدد باعتباره معطىً ينبغي احتواؤه، إلى اعتباره قوةً للمشاركة في بناء مستقبل مشترك. وهو انتقال لا يعني القطيعة مع المسار السابق، بقدر ما يمثل امتداداً نقدياً وتطويرياً له، فرضته التجربة المتراكمة، والاشتغال العميق على الأسئلة المرتبطة بالتجربة الديمقراطية والوحدوية المغربية، كما تستدعيه التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم في قضايا الهوية والذاكرة وتدبير التوترات الجماعية.
ومن هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى الإسهام في تعميق القراءة المفاهيمية والمؤسساتية لهذا التحول، ليس باعتباره انتقالاً لغوياً أو إعادة ترتيب للمفاهيم، بل بوصفه أفقاً فكرياً ونموذجاً عملياً قابلاً للتفعيل والتقييم وقياس الأثر، بما يسمح بتحويله إلى إطار مؤطر لاشتغال المركز خلال المرحلة المقبلة، على أساس منطق التراكم والفاعلية، لا مجرد إعادة إنتاج للخطاب أو إعلان للنوايا.
منذ تأسيسه، اشتغل مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم كفضاء مستقل للتفكير ومنبر مفتوح للنقاش العمومي، مواكباً للتحولات المرتبطة بأسئلة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات، وجامعاً بين الإنتاج الفكري والانخراط العملي في الفعل الحقوقي والثقافي. كما سعى، عبر مختلف مبادراته وبرامجه، إلى الإسهام في صيانة المكتسبات التي راكمتها تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب، وتحصينها من الاختزال أو الاستعمال الظرفي، من خلال بناء خطاب نقدي رصين ومتزن، يتفادى التبسيط، ويبتعد عن الانزلاق نحو القراءات الشعبوية أو المقاربات الاختزالية التي تُفرغ الذاكرة من بعدها الديمقراطي والإنساني.
أولاً: “العيش المشترك” — وظيفة تاريخية وحدّ مفاهيمي
لم يكن “العيش المشترك” في أدبيات وتجربة المركز اختياراً لغوياً أو شعاراً توافقياً، بل استجابة وظيفية لسياق تاريخي اتسم بثقل الذاكرة وتعقّد البنية الهوياتية. ففي تلك المرحلة، كان الرهان هو تخفيف التوتر، وإعادة بناء حد أدنى من الثقة داخل فضاء عمومي هش، وإرساء أرضية أخلاقية مشتركة بين مكونات متباينة في مرجعياتها وتجاربها.وقد أدّى هذا المفهوم وظيفته ضمن هذا الأفق، وشكّل إطاراً مرجعياً موجهاً للاشتغال على قضايا الذاكرة وحقوق الإنسان وثقافتها، والمساهمة في نشر ثقافة التعايش ونبذ التطرف. غير أن هذا المفهوم ظل، في جزء من حدوده، محكوماً بمنطق دفاعي انصبّ أساساً على إدارة الاختلاف واحتواء التوتر أكثر من تحويل التعدد إلى قوة منتجة لمعنى جماعي جديد.
ومع ذلك، فإن الحديث اليوم عن “البناء المشترك” لا يعني تجاوز الحاجة المستمرة إلى ترسيخ ثقافة “العيش المشترك”، سواء داخل المجتمع أو داخل الفضاءات المؤسساتية والثقافية المختلفة، بقدر ما يعكس محاولة للانتقال بها من مستوى التعايش الضروري إلى مستوى أعمق يقوم على إنتاج الفعل الجماعي المشترك. فالعيش المشترك يظل شرطاً أساسياً لأي بناء ديمقراطي مستقر، خصوصاً في سياقات ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بتدبير الاختلاف، ومناهضة التمييز، وترسيخ ثقافة القبول المتبادل.
ثانياً: من التجربة الميدانية إلى إعادة بناء المفهوم
لا يمكن فهم هذا التحول المفاهيمي بمعزل عن التحولات السياسية والحقوقية التي يعرفها المغرب، ولا عن السياق الميداني الذي تبلور داخله اشتغال مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، ولا عن المسار التراكمي الذي قاد، بمنطق داخلي متدرج، إلى بلورة سؤال “البناء المشترك”.فهذا التصور لم يتشكل داخل أفق نظري مجرد أو منفصل عن تعقيدات الواقع، بل تبلور تدريجياً من خلال الاحتكاك المباشر بأسئلة الديمقراطية والذاكرة وحقوق الإنسان، في تداخلاتها السياسية والثقافية والمجتمعية، وما فرضته من حاجة متزايدة إلى تجاوز منطق التدبير الرمزي للاختلاف نحو أفق يقوم على الفعل المشترك وإنتاج المعنى الجماعي.
ففي المراحل الأولى من اشتغال المركز، برزت الذاكرة المرتبطة بالعلاقة المغربية الإسبانية باعتبارها إحدى أكثر واجهات الذاكرة الجماعية حساسية وتعقيداً، بالنظر إلى ما خلفه الإرث الاستعماري الإسباني من انتهاكاتٍ وآثارٍ ممتدة، وإلى استمرار تداخل الماضي الاستعماري مع رهانات الحاضر وتمثلاته المتوترة.وقد ازدادت حساسية هذا الملف في ظل الميل الذي طبع جزءاً من المسار السياسي الإسباني، بعد الانتقال الديمقراطي، إلى تجنب مساءلة عدد من قضايا الماضي ضمن ما عُرف ب “ميثاق النسيان”، الأمر الذي ساهم في إرجاء النقاش العمومي حول بعض الملفات المرتبطة بالذاكرة الاستعمارية.وفي هذا السياق، لم يكن الاشتغال على ذاكرة العلاقة المغربية الإسبانية رهانا سياسياً بالمعنى الضيق للكلمة، بقدر ما كان محاولة لإعادة تأطير عدد من القضايا المرتبطة بالإرث الاستعماري داخل أفق حقوقي وسياسي سليم يسمح للفاعل السياسي الرسمي بمعالجتها خارج منطق التوتر الظرفي أو التوظيف السياسي المباشر..
وقد شكّلت تلك التجربة لحظة تأسيسية في الاجتهاد الفكري الذي انخرط فيه المركز من أجل تكييف آليات العدالة الانتقالية وتوسيع إمكانات اشتغالها لتشمل معالجة الملفات الحقوقية والسياسية الموروثة عن المرحلة الاستعمارية، وهو اجتهاد لم يتوقف عند حدود تلك المرحلة، بل ما يزال المركز يواصل تطويره والانخراط فيه إلى اليوم.
غير أن التراكم الميداني للتجربة بدأ يكشف، بصورة متزايدة، حدود المقاربات التي تكتفي بإدارة آثار الماضي أو احتواء توتراته دون إدماجها ضمن أفق تحويلي أوسع. وقد تعمّق هذا الوعي مع التحولات الإقليمية التي أعقبت ما سُمّي بالربيع العربي، حيث أظهرت ديناميات المنطقة أن تدبير التوتر، مهما بلغت نجاعته الظرفية، لا يكفي وحده لإنتاج استقرار مستدام أو لبناء أفق جماعي جديد.
ومن هنا بدأ يتبلور تصور مختلف لدى المركز، يقوم على أن معالجة توترات الذاكرة لا ينبغي أن تظل محكومة بمنطق التسوية أو التدبير فقط، بل يجب أن تُدرج ضمن أفق أوسع قوامه “البناء المشترك”، باعتباره إطاراً يسمح باستثمار المشترك وتحويل الاختلاف إلى مجال لإنتاج معنى جماعي جديد.وقد تعزز هذا التحول أيضاً بفعل ما راكمته التجربة المغربية في مجال العدالة الانتقالية، التي لم تعد تُفهم فقط كآلية لمعالجة الماضي، بل كمرجعية لإعادة بناء الثقة وتعزيز الإصلاح المؤسساتي داخل الدولة والمجتمع.
ثالثاً: “البناء المشترك” — من تدبير الاختلاف إلى استثمار المشترك
ينطلق “البناء المشترك” من فرضية أساسية مفادها أن الاختلاف ليس معطىً ينبغي احتواؤه فقط، بل مورداً يمكن استثماره ضمن إطار جامع قائم على المشترك الوطني والتاريخي والثقافي والمؤسساتي. ففي حين يهدف “العيش المشترك” إلى تقليص التوتر، يسعى “البناء المشترك” إلى تحويل التعدد إلى مادة لإنتاج معنى جماعي يشارك فيه الفاعلون بوصفهم شركاء لا خصوماً.
وفي هذا السياق، يصبح الاشتغال على قضايا الذاكرة ، الجماعية و المشتركة، والهوية والتعدد الثقافي والديني جزءاً من مشروع يروم بناء سرديات مشتركة قادرة على تنظيم الخلاف بدل إعادة إنتاجه. كما يتحول التعدد اللغوي والثقافي من معطى يحتاج إلى الاحتواء إلى عنصر للإنتاج الرمزي والمؤسساتي.فالرهان لم يعد فقط حماية التعدد، بل تحويله إلى قوة اقتراحية داخل المجتمع.
وضمن هذا الأفق، لا يمكن فهم اختيار المركز للأدوات الثقافية باعتبارها أنشطة مرافقة أو هامشاً ترفياً. فالثقافة، في هذا التصور، لا تشتغل كوسيط جمالي فقط، بل كأداة لإعادة بناء التمثلات الجماعية وتنظيم العلاقة بالذاكرة. فالمهرجان الدولي لسينما الذاكرة المشتركة بالناظور، والجائزة الدولية "ذاكرة من أجل الديمقراطية والسلم"، ومهرجان مكناس لحوار الثقافات — الذي عرف توقفاً قسرياً في أعقاب جائحة كوفيد، وبات استئنافه اليوم أحد الرهانات العملية الملموسة لمرحلة البناء المشترك — ليست فضاءات عرض بقدر ما هي أدوات اشتغال في عمق التمثلات الجماعي. فالسينما تتيح إعادة سرد التاريخ وتفكيك الذاكرات المتضاربة، وفتح إمكان إنتاج فهم مشترك يتجاوز الانقسام. كما تُجسّد الجائزة الدولية الانفتاح على الفاعلين الدوليين وإدماج التجارب المقارنة في بناء الخبرة الوطنية. وهو ما يجعل هذه الأدوات الثقافية رافعة استراتيجية للبناء المشترك، لا مجرد حضور رمزي في الفضاء العمومي.
غير أن هذه الأدوات نفسها تحتاج، في المرحلة المقبلة، إلى إعادة تأطير ضمن منطق إنتاجي أكثر صرامة، عبر بناء برامج محددة الأهداف، وإطارات عمل قابلة للتقييم، ومعايير لقياس الأثر تتجاوز منطق الحدث نحو منطق التراكم.
كل ذلك يفرض أفقاً جديداً يقوم على الانتقال من “الامتداد الدولي” — بما يعنيه من مشاركة وتفاعل — إلى “التموقع الدولي”، بما يفترضه من قدرة على التأثير في صياغة النقاش ذاته في مجالات الذاكرة والعدالة الانتقالية والتعدد الهوياتي. فالفرق بين الحضور والتموقع لا يكمن في درجة المشاركة، بل في طبيعتها؛ إذ يتيح الأول التفاعل، بينما يفترض الثاني قدرة التجربة على التحول إلى مرجع.
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر الاستثمار في الرأسمال المعرفي للمركز، بما يسمح له بتجاوز منطق المشاركة في الفعاليات نحو الإسهام في بناء الأجندات وإنتاج المعايير.
غير أن الانتقال نحو “البناء المشترك” لا يمكن أن يتحقق فقط عبر تطوير الخطاب أو توسيع المجال المفاهيمي، بل يظل رهيناً ببناء آليات مؤسساتية قادرة على استثمار المشترك وتدبيره داخل الفضاء العمومي. وهو ما يقتضي الاشتغال على مجالات مركزية تشكل الأرضية الرمزية والسياسية لهذا التحول، من قبيل القيم المشتركة، والمصلحة العامة، والهوية الجماعية، والمواطنة، والوطنية، والفضاء العمومي، باعتبارها مجالات لإنتاج المعنى الجماعي لا مجرد موضوعات للنقاش النظري.كما يفرض هذا الأفق تطوير صيغ جديدة للشراكة والتنسيق بين مختلف الفاعلين، بما يشمل المؤسسات الرسمية، والجماعات الترابية، والهيئات المدنية، والقطاع الخاص، على أساس منطق التعاون الاستراتيجي القائم على إنتاج الأثر وتراكمه، لا الاكتفاء بالفعل المناسباتي أو الرمزي.غير أن هذا التحول يواجه تحديات حقيقية، أبرزها خطر اختزال “البناء المشترك” في شعار خطابي فاقد للفاعلية العملية، أو بقاء المبادرات في حدود الفعل الظرفي غير القابل للتراكم المؤسساتي. ومن ثم، فإن نجاح هذا التحول يظل رهيناً ببناء ممارسة مؤسساتية رصينة قادرة على تحويل المفهوم إلى أثر ملموس.
وتبعاً لذلك، فبعد عقدين من الاشتغال، لم يعد الرهان مقتصراً على تدبير التعدد أو المحافظة على استمرارية الفعل المؤسساتي، بل أصبح مرتبطاً بالقدرة على تحويل هذا التراكم إلى قوة اقتراحية وفعلية منتجة للأثر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من إدارة التعدد إلى استثمار المشترك الذي ينتجه، ومن الخطاب الرمزي إلى بناء أثر مؤسساتي مستدام، بما يجعل المركز فضاءً عملياً لإعادة صياغة إمكانات المستقبل المشترك ضمن أفق ديمقراطي وحقوقي متجدد.
وفي هذا السياق، لا ينفصل الانتقال من مفهوم “العيش المشترك” إلى أفق “البناء المشترك” عن التحولات العميقة التي يعرفها الفكر السياسي والحقوقي المعاصر في مقاربة قضايا الهوية والذاكرة والنزاعات الممتدة. فمن هذا المنظور فإن القيمة الفعلية لهذا التحول لا تكمن فقط في قدرته على الحد من التوتر أو تدبير الاختلاف، بل في إمكان مساهمته في تحويل الذاكرة والتعدد والانتماء المشترك إلى عناصر لإعادة بناء المستقبل على أسس متفق حولها، لا مداخل لإعادة إنتاج الصراع.لأن الرهان، في النهاية، لم يعد مرتبطاً بكيفية احتواء الاختلاف أو التخفيف من توتراته، بل بكيفية تحويله إلى قوة لبناء مشروع جماعي جديد.فالمجتمعات لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على التعايش، بل أيضاً بقدرتها على تحويل تعددها إلى مشروع مشترك للمستقبل.
عبد السلام بوطيب
رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم