dimanche 10 mai 2026
كتاب الرأي

خديجة الكور: الإثراء غير المشروع بالمغرب.. لماذا يُخيفهم سؤال “من أين لك هذا؟”

خديجة الكور: الإثراء غير المشروع بالمغرب.. لماذا يُخيفهم سؤال “من أين لك هذا؟” خديجة الكور

“من أين لك هذا؟” — ثلاث كلمات تُلخّص واحدة من أعقد الأسئلة التي يطرحها المواطن المغربي كلما رأى مسؤولاً أو منتخباً تضخّمت ثروته بعد تقلّد منصبه. وهو السؤال ذاته الذي يُجسّده قانون الإثراء غير المشروع الذي عاش رحلةً شائكة بين أروقة البرلمان وأدراج الحكومات المتعاقبة، فلم يرَ النور حتى اليوم، في وقت يرسم فيه الفساد خريطة موجعة في جسد الدولة والمجتمع.
وفي هذا السياق، شكّلت خطابات الملك محمد السادس مرجعاً أساسياً في ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد، حيث تم التأكيد في أكثر من مناسبة على ضرورة تخليق الحياة العامة، وتعزيز دولة القانون، وتكريس الشفافية في تدبير الشأن العام، باعتبارها مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات وضمان نجاعة السياسات العمومية، مع التشديد على أن محاربة الفساد ليست مجرد إجراء إداري أو قانوني، بل خيار استراتيجي مرتبط بمصداقية الدولة وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة.
لا يُعدّ قانون تجريم الإثراء غير المشروع ترفاً تشريعياً، بل هو ركيزة جوهرية في أي منظومة فعلية لمكافحة الفساد. فالمغرب، وإن كان قد صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد منذ سنوات، فإن هذه الاتفاقية نصّت صراحةً في مادتها العشرين على ضرورة اتخاذ الدول لتدابير قانونية لتجريم الإثراء غير المشروع، وهو ما لم يُفعَّل حتى الساعة.
وتكمن الأهمية القصوى لهذا القانون في مقاربته من زوايا متعددة. فعلى الصعيد الاقتصادي، يُشكّل الفساد استنزافاً ممنهجاً للثروات العامة. فحين يُثري المسؤولون من المال العام دون حساب، تتآكل الميزانيات، وتنهار مشاريع التنمية، ويدفع المواطن الثمن.
وعلى صعيد الردع، يُوفّر القانون آليةً قانونية لم تكن موجودة: إمكانية ملاحقة من يعجز عن تفسير مصدر ثروته المتضخمة، حتى في غياب دليل مباشر على سرقة أو اختلاس.
وعلى صعيد الالتزام الدولي، يضع غياب هذا القانون المغرب في موضع التناقض مع تعهداته الدولية. وقد خسر المغرب نقطة في مؤشرات قياس الفساد لعام 2024، ليصل مجموع نقاطه إلى 37 من أصل مائة، متراجعاً إلى المرتبة التاسعة والتسعين عالمياً من أصل 180 دولة. وهو تراجع مضطرد، إذ كان المغرب يحتل المرتبة 73 عالمياً عام 2018، ما يعني سقوطاً حاداً في مؤشر الشفافية استغرق ست سنوات متواصلة.
وكانت حكومة عبد الإله ابن كيران قد أحالت مشروع القانون رقم 10.16 على مجلس النواب بتاريخ 24 يونيو 2016. وكان الفصل الأبرز في هذا المشروع هو الفصل 256-8، الذي نصّ بصراحة على ما يلي:
“يُعدّ مرتكباً لجريمة الإثراء غير المشروع، ويُعاقب بغرامة من 100 ألف إلى مليون درهم، كل شخص ملزم بالتصريح الإجباري بالممتلكات طبقاً للتشريع الجاري به العمل، ثبت بعد توليه للوظيفة أو المهمة أن ذمته المالية أو ذمة أولاده القاصرين الخاضعين للتصريح عرفت زيادة كبيرة وغير مبررة، مقارنة مع مصادر دخله المشروعة، ولم يُدلِ بما يثبت المصدر المشروع لتلك الزيادة”.
ولم يقتصر النص على الغرامة المالية، بل تضمّن عقوبات أشد وطأة: مصادرة الأموال غير المبررة، والتصريح بعدم الأهلية لمزاولة جميع الوظائف أو المهام العمومية.
غير أن النقطة الأكثر جدلاً في المشروع كانت ما يُعرف بـ”قلب عبء الإثبات”. فبدلاً من أن تكون النيابة العامة هي المُلزمة بإثبات جريمة المتهم، تصبح الدولة مسؤولة عن إثبات وجود إثراء غير متناسب مع المداخيل، ثم يتحول المعني بالأمر إلى طرف مطالب بإثبات مشروعية ذلك الإثراء، فإذا عجز عن ذلك أصبحت الواقعة محل تجريم.
وكان الهدف من المشروع ملاءمة التشريع المغربي مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، والمرتبطة بمجالات حقوق الإنسان ومحاربة الجريمة المنظمة ومكافحة الفساد.
ومنذ أن أُحيل المشروع على مجلس النواب في يونيو 2016، ظل مثار جدل ونقاش واسع دون انفراج، بعدما بلغ عدد اجتماعات لجنة العدل والتشريع لمناقشته 13 اجتماعاً، كان آخرها يوم 2 يوليوز 2019، في مشهد يعكس حجم التجاذب السياسي حول هذا النص، خاصة داخل الأغلبية الحكومية نفسها.
وجاء المنعطف الأكثر إثارةً للجدل حين توصّل مجلس النواب في نونبر 2021 بطلب من رئيس الحكومة عزيز أخنوش لسحب مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتتميم وتغيير مجموعة القانون الجنائي، والذي يتضمن مادة حول تجريم الإثراء غير المشروع.
وبرّر الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس هذا القرار بـ”ضرورة مناقشة مشروع القانون المثير للجدل في شموليته”، وهو المبرّر ذاته الذي استند إليه وزير العدل عبد اللطيف وهبي حين قال في مجلس النواب: “لقد تم سحب جزء فقط من القانون الجنائي، لأن بعض فصوله تطرح إشكالاً، ومن بينها تلك المتعلقة بالإثراء غير المشروع، والتي تعمد إلى قلب عبء الإثبات، وتمسّ بذلك مبدأ قرينة البراءة، وهو ما قد يجعلها مثاراً للطعن فيها بعدم دستوريتها”.
واصطدمت تبريرات الحكومة بسيل من الانتقادات الحادة من مختلف الأطياف السياسية والحقوقية. ولم يقبل البرلمانيون المعارضون بمنطق السحب دون بديل. ففي فبراير 2024، تقدّمت المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية بمقترح قانون حول منع الإثراء غير المشروع، غير أنه سُحب لاحقاً وتم تعويضه بمقترح آخر يحمل رقم 284.
وفي منتصف 2025، تقدّم الفريق الاشتراكي بمجلس النواب بمقترح قانون جديد يروم تجريم الإثراء غير المشروع عبر صياغة شاملة تتجاوز المقاربة العقابية المحدودة إلى بناء منظومة قانونية قائمة على الشفافية والوقاية وربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال تجريم محاولات إخفاء مظاهر الثراء والتلاعب في الوثائق واستغلال وسائل الدولة، مع منح الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها دوراً مدنياً في هذا النوع من القضايا.
ويُجسّد واقع المغرب اليوم مفارقة مؤلمة: فساد يستفحل في غياب القانون الذي كان يمكنه احتواؤه.
فقد سجّلت النيابة العامة المكلفة بجرائم الأموال بفاس وحدها، منذ بداية يناير 2025 إلى غاية شتنبر من العام نفسه، ما مجموعه 119 شكاية تتعلق بالفساد المالي، شكّلت جُلّها أبحاثاً قضائية تهم تبديد واختلاس أموال عمومية.
وعلى الصعيد المحلي، منعت قاضية التحقيق ثمانية مسؤولين كبار، من بينهم منتخبون وموظفون بجهة الغرب، من مغادرة التراب الوطني، إثر فضيحة فساد هزّت المنطقة، تمحورت حول تحويل مشروع اجتماعي في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى فندق خاص، مع اعتماد وثائق مزوّرة لتمريره.
وفي هذا الإطار، تكشف المعطيات المتداولة في التقارير القضائية والرقابية عن اتساع دائرة المتابعات التي طالت عدداً من البرلمانيين والمنتخبين المحليين ومسؤولين عموميين، على خلفية شبهات تتعلق باختلاس وتبديد أموال عمومية، والتزوير، واستغلال النفوذ في تدبير الصفقات، وهي ملفات ما تزال معروضة على القضاء أو في طور التحقيق. كما تُظهر تقارير مؤسسات الرقابة المالية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، أن كلفة سوء تدبير المال العام تُقدّر بمليارات الدراهم سنوياً، نتيجة اختلالات الحكامة وضعف النجاعة في إنجاز المشاريع العمومية، وهو ما ينعكس مباشرة على وتيرة التنمية وعدالة توزيعها.
وفي المشهد التشريعي، اتجه الجدل نحو منحى أشد إثارة، حين أثار مشروع قانون حكومي جدلاً واسعاً بسبب تضمّنه مقتضيات تُقيّد الأفراد وجمعيات المجتمع المدني من التبليغ المباشر عن جرائم الفساد، وتُلزمها بالحصول على إذن مسبق من النيابة العامة، وهو ما عدّه المنتقدون تضييقاً إضافياً يسير في الاتجاه المعاكس لمتطلبات محاربة الفساد.
ويرى المحللون أن غياب قانون الإثراء غير المشروع يُفضي إلى ثلاث نتائج خطيرة متشابكة: استمرار الإفلات من العقاب، واستنزاف المال العام، وتراجع الثقة في المؤسسات، بما يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع ويضعف أثر مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في الواقع العملي.

خديجة الكور، رئيسة منظمة النساء الحركيات