dimanche 10 mai 2026
اقتصاد

ادريس الفينة: لماذا لا يزال العقار عائقًا للتنمية بالمغرب؟

ادريس الفينة: لماذا لا يزال العقار عائقًا للتنمية بالمغرب؟ عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية

يشكل العقار في المغرب أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، لأنه لا يتعلق فقط بملكية الأرض، بل يرتبط مباشرة ببنية الاقتصاد، وتوزيع الثروة، والعدالة المجالية، والسكن، والفلاحة، والتعمير، والاستثمار، والسلطة المحلية، والأمن القانوني. فالأرض ليست مجرد وعاء مادي للمشاريع، بل هي مجال تتقاطع فيه الحقوق الفردية والجماعية، والمصالح العمومية والخاصة، والتاريخ الاجتماعي، والسياسات الاقتصادية، وأحيانًا شبكات الريع والمضاربة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: لماذا يصعب توفير العقار للاستثمار؟ بل ينبغي أن يكون: لماذا لم يتحول العقار، رغم قيمته الاستراتيجية، إلى رافعة عادلة ومنتجة للتنمية؟ فالمغرب راكم إصلاحات مهمة في التحفيظ، والرقمنة، وتحديث بعض القوانين، وتعبئة العقار العمومي، وإصلاح أراضي الجموع، لكنه لا يزال يعاني من اختلال بنيوي يتمثل في ضعف الانتقال من “تدبير العقار” إلى “حكامة العقار”. وقد نبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن العقار يجب أن يكون رافعة للتنمية المستدامة والإدماج الاجتماعي، لكنه يعاني من تعدد الأنظمة القانونية، وضعف شفافية المعلومة العقارية، والمضاربة، واللجوء المفرط إلى الاستثناءات، وضعف الأدوات الجبائية المنظمة للسوق العقارية.  

 

أولًا: العقار في المغرب ليس قطاعًا واحدًا بل منظومة متداخلة
يصعب فهم معضلة العقار بالمغرب إذا نظرنا إليه كقطاع إداري أو قانوني مستقل. فهو منظومة مركبة تضم الملك الخاص، والملك العام، والملك الخاص للدولة، وأراضي الجموع أو السلاليات، والأحباس، والملك الغابوي، وأراضي الكيش، والعقار غير المحفظ، والعقار الفلاحي، والعقار الحضري، والعقار الساحلي، والعقار الصناعي والسياحي. كل صنف من هذه الأصناف تحكمه قواعد مختلفة، ومؤسسات مختلفة، ومنطق مختلف في الانتفاع والتفويت والاستغلال.

هذه التعددية ليست مشكلة في حد ذاتها، لأن التاريخ المغربي أنتج أنماطًا متعددة من الملكية والانتفاع. لكن المشكلة تظهر حين يتحول التعدد إلى غموض، والغموض إلى مجال للمضاربة، ثم تتحول المضاربة إلى عائق أمام التنمية. فالمستثمر المنتج يحتاج إلى وضوح قانوني، والمواطن يحتاج إلى أمن عقاري، والجماعة السلالية تحتاج إلى حماية جماعية وشفافية، والدولة تحتاج إلى معرفة دقيقة برصيدها العقاري. وعندما تغيب هذه العناصر، يصبح العقار مصدر نزاع بدل أن يكون مصدر إنتاج.

حسب “مبادرة الأرض العربية” وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، يتسم النظام العقاري المغربي بتعدد قانوني واضح؛ إذ تقدر الأراضي الجماعية بحوالي 42% من الوعاء العقاري، وتمثل أراضي الدولة حوالي 30%، بينما يشكل الملك الخاص أو “الملك” حوالي 28%. كما يشير المصدر نفسه إلى أن نسبة مهمة من العقار لا تزال خارج نظام التسجيل الرسمي، وأن التسجيل الرسمي يتركز أساسًا في المجالات الحضرية، مما يعمق الفجوة بين المدن والقرى في الأمن العقاري.  

 

ثانيًا: تقدم تقني في التحفيظ لا يكفي وحده لحل الأزمة
لا يمكن إنكار أن المغرب حقق تقدمًا مهمًا في التحفيظ والرقمنة. فالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية أعلنت، في مجلسها الإداري لشهر دجنبر 2024، عن توقع إحداث 373 ألف رسم عقاري جديد، وتحفيظ 1.1 مليون هكتار، وتسليم مليوني شهادة ملكية رقمية، وتحقيق رقم معاملات قدره 9.2 مليارات درهم، مع تحويل 6 مليارات درهم إلى ميزانية الدولة. كما تعرض الوكالة في أرقامها المفتاحية رصيدًا معلوماتيًا يضم 7.7 ملايين رسم عقاري، و7.7 ملايين تصميم عقاري، و260 مليون وثيقة عقارية ورقمية.  

لكن المفارقة أن التقدم الرقمي لا يعني بالضرورة تحقق العدالة العقارية. فقد يتم رقمنة المعلومة دون أن تصبح متاحة بما يكفي للمواطنين والباحثين والجماعات والمستثمرين الصغار. وقد يتم تحفيظ مساحات واسعة دون أن تنتهي النزاعات إذا لم تُعالج الحقوق السابقة، أو أوضاع ذوي الحقوق، أو الحيازة التاريخية، أو تعارض الوثائق، أو آثار التحديد الإداري.

بمعنى آخر، التحفيظ ضروري لكنه ليس كافيًا. فالتحفيظ يحمي الملكية بعد تحديدها، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال أعمق: هل تم تحديد هذه الملكية بعدالة؟ هل احترمت الحقوق الاجتماعية والجماعية المرتبطة بها؟ هل جرى إشراك السكان؟ هل استُعمل العقار لاحقًا في الغرض الذي عبئ من أجله؟ هنا ننتقل من الأمن القانوني الشكلي إلى الأمن التنموي والحقوقي.

 

ثالثًا: العقار الحضري بين التمدين السريع والمضاربة
يعرف المغرب توسعًا حضريًا متسارعًا. فقد انتقلت نسبة السكان الحضريين من 38% سنة 1975 إلى 65.2% سنة 2024، ويتوقع أن تبلغ 67.8% في أفق 2030. وتتركز في المدن حوالي 80% من النشاط الإنتاجي و75% من فرص الشغل، لكن هذا التحول يرافقه ضغط قوي على العقار، والسكن، والنقل، والمرافق العمومية. كما يشير تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول السياسة الحضرية بالمغرب إلى أن صعوبة الولوج إلى الأرض وضعف تدبير العقار يشكلان عائقًا رئيسيًا أمام الاستثمارين العام والخاص داخل المدن.  

ينتج عن ذلك وضع مزدوج: المدن هي محركات الاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه فضاءات لإنتاج الريع العقاري. فالأرض القريبة من الطرق، والموانئ، والمناطق الصناعية، والواجهات البحرية، ومحاور النقل، تكتسب قيمة متزايدة لا بسبب مجهود مالكها، بل بسبب قرارات عمومية: طريق، تصميم تهيئة، محطة قطار، منطقة صناعية، ميناء، أو توسع حضري. هنا يظهر سؤال العدالة: من يستفيد من القيمة التي تخلقها الدولة والمجتمع؟

إذا ظل الربح الناتج عن تغيير التنطيق أو تجهيز البنية التحتية يذهب أساسًا إلى مالك أو مضارب دون مساهمة حقيقية في التنمية، فإن العقار يتحول إلى أداة لاستخلاص القيمة لا إلى أداة لإنتاجها. وهذا ما يفسر لماذا قد نجد أراضي عارية داخل أو قرب المدن، محتفظًا بها لسنوات في انتظار ارتفاع قيمتها، بينما تعاني الأسر من غلاء السكن، وتعاني الجماعات من نقص الوعاء العقاري للمرافق العمومية.

 

رابعًا: التعمير كأداة تخطيط أو كآلية لإنتاج الريع
تملك وثائق التعمير قوة اقتصادية هائلة؛ فهي التي تحول أرضًا فلاحية أو هامشية إلى أرض قابلة للبناء، أو تحول منطقة ضعيفة القيمة إلى وعاء استثماري مرتفع القيمة. لذلك فالتعمير ليس مجرد تقنية هندسية، بل قرار سياسي واقتصادي يخلق الثروة أو يعيد توزيعها.

المشكل يظهر عندما تصبح المعلومة التعميرية غير متكافئة. فمن يعرف مسبقًا اتجاهات التوسع الحضري، أو مسارات الطرق، أو احتمالات تغيير تصميم التهيئة، يستطيع شراء أرض بثمن منخفض ثم انتظار ارتفاع قيمتها. ومن له قدرة على التأثير أو التفاوض قد يحصل على استثناء أو تغيير في التخصيص، بينما يبقى المواطن العادي أو المستثمر الصغير خارج دائرة المعلومة.

المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أشار صراحة إلى أن اللجوء المفرط إلى الاستثناءات في المجالين الحضري والقروي، وغياب آليات جبائية ملائمة عند تغيير استعمال الأرض، وضعف تقنين السوق العقارية، كلها عوامل تخلق مجالًا خصبًا للمضاربة وتجميد الوعاء العقاري والممارسات غير القانونية.  

وهنا تتضح خطورة “الاستثناء التعميري” حين يتحول من أداة لمعالجة وضع خاص إلى آلية لتجاوز التخطيط. فإذا كان تصميم التهيئة هو القاعدة، والاستثناء أصبح هو الطريق الأسرع، فإن السوق تفهم الرسالة: من يملك القرب من القرار يملك القدرة على تحويل الأرض إلى ثروة.

 

خامسًا: أراضي الجموع بين الإصلاح وخطر تحويل الذاكرة الجماعية إلى وعاء استثماري
تعد أراضي الجموع أو الأراضي السلالية من أعقد الملفات العقارية في المغرب. فهي ليست مجرد أراضٍ قابلة للتفويت أو الاستثمار، بل مجال تاريخي واجتماعي يرتبط بهوية جماعات، وحقوق انتفاع، وتوازنات محلية، وأنظمة عرفية. وقد أوضح تقرير لجنة الداخلية بمجلس المستشارين حول القوانين 62.17 و63.17 و64.17 أن مساحة أراضي الجماعات السلالية تناهز 15 مليون هكتار، وتستفيد منها ساكنة تقارب 10 ملايين نسمة، موزعة على آلاف الجماعات السلالية. كما تشمل هذه الأراضي حوالي 11 مليون هكتار من الأراضي الرعوية، وحوالي مليوني هكتار من الأراضي الفلاحية البورية، وحوالي مليون هكتار داخل المدار الحضري وشبه الحضري.  

لقد جاءت إصلاحات 2019 لتحديث الإطار القانوني، وتكريس المساواة بين النساء والرجال في الحقوق والواجبات داخل الجماعات السلالية، وتنظيم النواب، وفتح إمكانية التمليك، وتفويت بعض الأراضي للفاعلين الاقتصاديين العموميين والخواص لإنجاز مشاريع استثمارية، مع ترتيب عقوبات ضد الترامي أو عرقلة التحفيظ.  

لكن جوهر الإشكال لا يكمن في وجود الاستثمار، بل في كيفية ضبطه. فأراضي الجموع قد تتحول إلى رافعة للتنمية القروية إذا استثمرت بشفافية، وبمشاركة ذوي الحقوق، وبمردودية محلية واضحة. لكنها قد تتحول إلى مجال للريع إذا جرى تفويتها أو كراؤها بثمن منخفض، أو إذا لم تُحترم دفاتر التحملات، أو إذا تم تقديم مشروع فلاحي أو اجتماعي ثم تغييره لاحقًا إلى مشروع عقاري أو سياحي أعلى ربحًا.

تظهر هنا ثغرة مركزية: الاستثمار قد يستعمل كخطاب شرعي لتبرير نقل السيطرة على الأرض. فالعبارة تبدو إيجابية: “خلق فرص الشغل”، “تثمين العقار”، “جلب الاستثمار”، “محاربة الهشاشة”. لكن السؤال الحقيقي هو: هل تغير وضع ذوي الحقوق نحو الأفضل؟ هل بقيت لهم حصة من القيمة؟ هل حصلت الجماعة على عائد دائم أم تعويض مؤقت؟ هل تم نشر العقد ودفتر التحملات؟ هل توجد آلية لاسترجاع الأرض إذا فشل المشروع؟

 

سادسًا: الملك الخاص للدولة بين تعبئة الاستثمار ومخاطر الامتياز
يشكل الملك الخاص للدولة رصيدًا استراتيجيًا لتوفير الأراضي للمشاريع الصناعية، والسياحية، والطاقية، والسكنية، والبنيات التحتية. وقد تمت تعبئة العقار العمومي خلال سنة 2024 لفائدة 242 مشروعًا، على مساحة تقارب 48,914 هكتارًا، باستثمار متوقع يفوق 56.4 مليار درهم، مع توقع خلق 37,686 منصب شغل. هذه الأرقام تبين أن العقار العمومي أصبح أداة رئيسية في سياسة الاستثمار.  

غير أن الخطر يكمن في الفرق بين تعبئة العقار وتفويته كامتياز. فحين تمنح الدولة أرضًا بثمن تفضيلي أو بكراء طويل الأمد، فهي تمنح في الواقع دعمًا غير مباشر للمستثمر. وهذا الدعم يمكن أن يكون مشروعًا إذا خلق قيمة مضافة وشغلًا دائمًا واحترم البيئة والضرائب والتزامات المشروع. لكنه يتحول إلى ريع إذا حصل المستثمر على الأرض، ثم تأخر في الإنجاز، أو غير الغرض، أو أعاد البيع، أو احتفظ بالعقار في انتظار ارتفاع قيمته.

وقد سجل المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره حول تعبئة الملك الخاص للدولة لفائدة الاستثمار، اختلالات مرتبطة بتعدد المتدخلين، وتعقد مساطر التفويت، وضعف تتبع تنفيذ الالتزامات، واختلالات في تحديد أثمنة التفويت، مشيرًا إلى أن مسطرة التفويت قد تستغرق أجلًا طويلًا، وأن التقييم لا يعكس دائمًا واقع السوق. كما أوصى بوضع نظام معلومات خاص بالعقار المخزني، ومعايير عقلانية للتخصيص، وتحسين التتبع والمراقبة.  

هنا يظهر الفرق بين “العقار كتحفيز للاستثمار” و“العقار كغنيمة”. فإذا غابت الشفافية، يصبح الوعاء العقاري العمومي مجالًا لإعادة توزيع الثروة نحو فاعلين محددين، بدل أن يكون أداة لتوسيع قاعدة الإنتاج والشغل.

 

سابعًا: الاستثمار الحقيقي والاستثمار الذي يخفي الريع
يحتاج المغرب إلى الاستثمار، ولا يمكن بناء تنمية دون تعبئة العقار للمصانع، والمناطق اللوجستية، والسكن، والفلاحة، والطاقات المتجددة، والسياحة. لكن الإشكال هو الخلط بين الاستثمار المنتج والاستثمار الريعي.

الاستثمار المنتج هو الذي يخلق قيمة مضافة فعلية، ويشغل اليد العاملة، ويندمج في الاقتصاد المحلي، ويحترم البيئة، ويؤدي الضرائب، ويعيد جزءًا من القيمة إلى المجال الذي يستفيد من موارده. أما الاستثمار الريعي فهو الذي يستعمل المشروع كوسيلة للحصول على الأرض، ثم يحول الأرض نفسها إلى مصدر ربح مستقل عن أي إنتاج.

ومن اللافت أن ميثاق الاستثمار الجديد، القانون-الإطار 03.22، يربط تنمية الاستثمار بمبادئ الشفافية، والأمن القانوني، والحكامة الجيدة، وتسهيل الولوج إلى العقار، لكنه يستثني مشاريع العقار والتجارة من نظام الدعم الأساسي، مع إحالتها على تدابير خاصة. وهذا يعكس وعيًا قانونيًا بأن النشاط العقاري، إذا لم يضبط جيدًا، قد يتحول من نشاط منتج إلى قناة لتضخيم الربح والمضاربة.  

لذلك لا يكفي أن نسمع كلمة “استثمار” لكي نفترض وجود تنمية. يجب أن نسأل: ما طبيعة المشروع؟ كم سيخلق من الشغل القار؟ ما حجم القيمة المضافة؟ ما أثره على الساكنة؟ هل يستعمل الموارد المحلية بعدالة؟ هل حصل على العقار بسعر السوق أم بسعر امتيازي؟ هل توجد عقوبات في حالة عدم الإنجاز؟ هل يمكن استرجاع الأرض؟

 

ثامنًا: العقار غير المحفظ وثغرات الاستيلاء على أملاك الغير
العقار غير المحفظ، والعقارات المهملة، وعقارات الغائبين، وعقارات الورثة، وعقارات مغاربة العالم، تمثل مجالًا حساسًا بسبب ضعف التتبع، وتعدد الوثائق، وطول المساطر، وصعوبة إثبات الحقوق في بعض الحالات. ولا يتعلق الأمر هنا فقط بنزاعات عادية، بل بظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير التي دفعت الدولة إلى اتخاذ إجراءات تشريعية وقضائية.

وزارة العدل أشارت إلى الرسالة الملكية المؤرخة في 30 دجنبر 2016 التي دعت إلى وضع خطة عاجلة للتصدي للاستيلاء على عقارات الغير، كما ذكرت تعديلات قانونية مست المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية، والقانون الجنائي، والمسطرة الجنائية، وقانون الالتزامات والعقود، خاصة في ما يتعلق بتشديد الردع ضد التزوير وتنظيم الوكالات المرتبطة بنقل الملكية. كما تم جرد العقارات المهملة، حيث تبين أن لائحة العقارات المحفظة المهملة تضم 4037 رسمًا عقاريًا، وبلغ عدد القضايا الرائجة المتعلقة بالاستيلاء إلى حدود أكتوبر 2022 ما مجموعه 59 قضية.  

تتمثل الثغرات العامة في هذا الباب في استعمال وكالات مشبوهة، أو عقود غير موثقة بما يكفي، أو استغلال غياب المالك، أو بطء التقييد والتحفيظ، أو ضعف اليقظة عند نقل الحقوق، أو تعدد الورثة وتنازعهم. والخطورة أن الاستيلاء لا يتم دائمًا خارج القانون بشكل مكشوف، بل قد يستعمل وثائق تبدو في ظاهرها قانونية، لكنها مبنية على تزوير أو تدليس أو استغلال ضعف المالك أو غيابه.

ولهذا فحماية الملكية العقارية لم تعد مسألة تقنية، بل شرط من شروط الثقة الاقتصادية. فالمستثمر الجاد لا يدخل سوقًا لا يطمئن فيه إلى استقرار الملكية، والمواطن لا يشعر بالأمان إذا كان عقاره يمكن أن يصبح موضوع نزاع بسبب وكالة أو عقد أو تعرض أو تحفيظ مضاد.

 

تاسعًا: العقار الفلاحي بين الأمن الغذائي وتركيز الملكية
العقار الفلاحي يمثل قاعدة الأمن الغذائي والتنمية القروية. غير أن بنيته تعاني من التشتت وصغر الحيازات وضعف التحفيظ والنزاعات العائلية والإرثية. وتشير معطيات “مبادرة الأرض العربية” إلى أن المغرب يضم حوالي 1.5 مليون ضيعة فلاحية، أكثر من 70% منها تقل مساحتها عن 5 هكتارات، مع متوسط يناهز 1.6 هكتار، وأن صغر المساحة يرتبط بانخفاض الدخل والهشاشة أمام الجفاف.  

هنا يظهر تناقض آخر: الدولة تحتاج إلى تجميع العقار وتعبئته للاستثمار الفلاحي، لكن هذا قد يؤدي، إذا لم يضبط اجتماعيًا، إلى تركيز الأرض في يد فاعلين كبار. وقد يصبح صغار الفلاحين أو ذوو الحقوق مجرد عمال موسميين في أراضٍ كانت تمثل سابقًا أساس عيشهم واستقرارهم. لذلك يجب أن يكون الاستثمار الفلاحي مشروطًا بإدماج حقيقي للسكان المحليين، وحماية حقوق الانتفاع، وضمان عقود عادلة، وتثمين سلاسل الإنتاج محليًا.

الأمن الغذائي لا يتحقق فقط برفع الإنتاج، بل بتحقيق توازن بين المردودية والعدالة. فإذا رفعت المشاريع الكبرى الإنتاج لكنها أضعفت صغار الفلاحين ووسعت الهجرة القروية، فإنها تنتج نموًا هشًا لا تنمية مستدامة.

 

عاشرًا: الثغرات التي تجعل العقار قابلًا للسيطرة باسم الاستثمار
يمكن تلخيص أهم الثغرات، لا بوصفها وصفة للاستغلال، بل بوصفها مخاطر حكامة يجب سدها، في ما يلي:

أولًا، ثغرة غموض الوضعية القانونية. تظهر خصوصًا في العقار غير المحفظ، أو العقار المشاع، أو أراضي الجموع، أو العقارات التي تتداخل فيها وثائق قديمة وحديثة. كلما غابت المعلومة الدقيقة، زادت سلطة الوسيط والخبير المحلي ومن يملك الوصول إلى الإدارة.

ثانيًا، ثغرة المعلومة التعميرية. من يعرف اتجاهات التوسع الحضري أو تغيير التنطيق يستطيع تحقيق أرباح كبيرة دون إنتاج حقيقي. ولهذا فإن شفافية وثائق التعمير ليست مسألة إدارية، بل آلية لمحاربة الريع.

ثالثًا، ثغرة التفويت أو الكراء بثمن تفضيلي دون تتبع. إذا حصل المستثمر على أرض بثمن منخفض، ثم لم ينجز المشروع، أو أنجز جزءًا محدودًا، أو غير الغرض، فإن الدولة تفقد الوعاء العقاري ويستفيد الفرد من الريع.

رابعًا، ثغرة ضعف دفاتر التحملات. دفتر التحملات يجب ألا يكون وثيقة شكلية، بل عقدًا تنمويًا يتضمن آجالًا واضحة، ومناصب شغل محددة، واستثمارات قابلة للتحقق، ومؤشرات بيئية واجتماعية، وآلية استرجاع العقار عند الإخلال.

خامسًا، ثغرة التقييم العقاري. إذا لم يعكس سعر التفويت أو الكراء القيمة الحقيقية للعقار، فإن الفرق بين السعر الإداري والسعر السوقي يتحول إلى دعم غير معلن. وهذا الدعم قد يكون مقبولًا إذا عاد على المجتمع، لكنه يصبح ريعًا إذا تحول إلى ربح خاص.

سادسًا، ثغرة ضعف مشاركة ذوي الحقوق. خصوصًا في أراضي الجموع، حيث قد يتم الحديث باسم الجماعة دون أن تكون كل الفئات، وخاصة النساء والشباب والمهاجرون، ممثلة ومطلعة على تفاصيل المشروع.

سابعًا، ثغرة بطء القضاء والمساطر. الزمن في العقار عنصر حاسم. من يملك القدرة المالية يستطيع الصبر على نزاع طويل، بينما المواطن الضعيف قد يضطر إلى التسوية أو التنازل.

ثامنًا، ثغرة غياب سجل عمومي للتفويتات والامتيازات العقارية. لا يكفي أن توجد عقود في الأرشيف؛ يجب أن يعرف الرأي العام من استفاد، بأي ثمن، لأي مشروع، وبأي التزامات، وما مستوى الإنجاز.

 

حادي عشر: لماذا يصبح العقار عائقًا للتنمية؟
يصبح العقار عائقًا للتنمية حين يقع الانفصال بين “قيمة الأرض” و“قيمة الإنتاج”. ففي الاقتصاد المنتج، ترتفع قيمة الأرض لأنها تحتضن مصنعًا، أو مشروعًا فلاحيًا، أو سكنًا لائقًا، أو مرفقًا عموميًا، أو نشاطًا سياحيًا مستدامًا. أما في الاقتصاد الريعي، فترتفع قيمة الأرض لأنها نادرة، أو لأن المعلومة غير متكافئة، أو لأن قرارًا إداريًا سيغير وضعها، أو لأن الدولة ستجهز محيطها.

العقار يعرقل التنمية أيضًا لأنه يرفع كلفة الاستثمار الحقيقي. فالمستثمر الصناعي أو المنتج يحتاج إلى أرض مجهزة وواضحة وبثمن معقول. فإذا كانت الأرض محتكرة أو موضوع مضاربة أو نزاع أو غموض، فإن كلفة المشروع ترتفع، ويتحول الاستثمار نحو الأنشطة الأقل مخاطرة والأسرع ربحًا، أي العقار نفسه.

ويعرقل العقار التنمية لأنه يعمق الفوارق الاجتماعية. فالأسر الضعيفة تدفع ثمن المضاربة عبر غلاء السكن والكراء، وصغار الفلاحين يدفعون ثمن تركيز الأرض، والنساء السلاليات يدفعن ثمن الإقصاء التاريخي من بعض الحقوق، والجماعات الترابية تدفع ثمن نقص الوعاء العقاري للمرافق العمومية، والبيئة تدفع ثمن التوسع غير المنظم.

 

ثاني عشر: نحو إصلاح عميق ينتقل من التدبير إلى الحكامة
الإصلاح الحقيقي لا يكمن في قانون واحد أو منصة رقمية واحدة، بل في تصور شامل يجعل العقار جزءًا من النموذج التنموي. ويمكن اقتراح المحاور التالية:

1. وضع مدونة عقارية وطنية جامعة.
ينبغي تجاوز تشتت النصوص نحو إطار قانوني منسجم يحدد المبادئ المشتركة لكل الأنظمة العقارية، دون إلغاء خصوصيات كل صنف. وقد أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بإرساء إطار قانوني شامل، بل وباعتماد مدونة عقارية توحد القواعد والمساطر.  
2. بناء نظام وطني موحد للمعلومة العقارية.
يجب ربط معطيات المحافظة العقارية، والضرائب، والوكالات الحضرية، وأملاك الدولة، والجماعات السلالية، والملك الغابوي، والجماعات الترابية، في نظام معلوماتي قابل للتحقق والتتبع. فالمعلومة العقارية يجب أن تصبح حقًا تنمويًا، لا امتيازًا لمن يملك القرب من الإدارة.
3. نشر سجل عمومي لتعبئة العقار العمومي والجماعي.
أي تفويت أو كراء أو امتياز يجب أن يتضمن هوية المستفيد، والمساحة، والثمن، والغرض، ودفتر التحملات، وآجال الإنجاز، وعدد مناصب الشغل، ومستوى التنفيذ. الشفافية هنا ليست ترفًا، بل هي الضمانة الأساسية ضد تحويل الاستثمار إلى غطاء للريع.
4. تفضيل الكراء الطويل أو الشراكة على البيع النهائي.
في كثير من الحالات، من الأفضل أن تحتفظ الدولة أو الجماعة بأصل الملكية، وتمنح حق استغلال مشروطًا بالإنجاز. فإذا نجح المشروع استمر، وإذا فشل عادت الأرض إلى الرصيد العمومي أو الجماعي. هذا يمنع تحويل العقار إلى أصل للمضاربة.
5. فرض ضريبة على القيمة العقارية الناتجة عن القرار العمومي.
حين ترتفع قيمة الأرض بسبب طريق أو تصميم تهيئة أو تجهيز عمومي، يجب أن تسترجع الدولة والجماعة جزءًا من هذه القيمة لتمويل المرافق والسكن والنقل. هذا جوهر العدالة العقارية.
6. تقوية حماية ذوي الحقوق والنساء والشباب في أراضي الجموع.
لا يكفي التنصيص القانوني على المساواة؛ يجب ضمان المشاركة الفعلية، والولوج إلى المعلومة، والطعن، والتعويض العادل، وتقاسم العائدات، وإحداث مشاريع محلية يستفيد منها السكان لا المستثمر وحده.
7. حماية العقار الفلاحي من التحويل غير المنتج.
ينبغي أن يكون تحويل الأرض الفلاحية إلى حضرية أو سياحية أو صناعية خاضعًا لتقييم صارم للأثر الغذائي والبيئي والاجتماعي، لا فقط لحساب الربحية العقارية.
8. تطوير قضاء عقاري متخصص وسريع.
بطء النزاعات العقارية ينتج ريعًا ويشجع على فرض الأمر الواقع. لذلك يجب تقوية التخصص القضائي، وتوحيد الاجتهاد، وتسريع البت، واستعمال الإنذارات الرقمية عند أي تقييد أو تصرف يمس عقارات الغائبين أو كبار السن أو الورثة أو مغاربة العالم.