في صباح هذا اليوم العمالي خرجتُ كمن يعود إلى ذاكرة قديمة أكثر مما يشارك في لحظة حاضرة.
متقاعدٌ من مهنة التدريس وفاعل نقابي سابق، حملني الفضول أكثر مما حملتني الشعارات إلى جولة بين الوقفات والتجمعات التي تحتفي بهذا العيد الأممي
ما كان يلفت النظر قبل أي شيء هو هذا الفارق الصامت بين زمنين:
زمن الأمس وزمن اليوم
في الذاكرة القريبة كانت الشعارات تُقال وكأنها تُنزع من القلب مباشرة.
الهتاف كان يمتد كتيار حيّ يملأ الشارع حرارةً وإصراراً وتتحول الساحات إلى فضاءات مشحونة باليقين أو على الأقل بوهم اليقين.
كانت الكلمات أكبر من أصحابها وكانت الحناجر تؤدي دورها كما لو أنها جزء من معركة مفتوحة على احتمال التغيير.
أما اليوم
فقد بدا المشهد أكثر هدوءاً… وربما أكثر بروداً مما يليق بيوم كان يُفترض أن يكون يوم غضب رمزي.
الشعارات نفسها تقريباً..
لكن النبرة تغيّرت الإيقاع.. كما الحماس نفسه.. وكأن المسافة بين الكلمة ومعناها قد اتسعت. نعم
هناك انتظام في الشكل لكن حرارة الروح لم تعد كما كانت. حتى الهتاف في بعض اللحظات بدا أقرب إلى أداء واجب منه إلى فعل احتجاج حيّ.
لا يتعلق الأمر بالحنين فقط رغم أن الحنين حاضر دائماً حين يقارن الإنسان بين ماضيه وحاضره.. بل يتعلق بتحول أعمق في المزاج العام:
مزاج النقابة ومزاج الشارع ومزاج الفكرة نفسها.
في الماضي
كان الانخراط النقابي يحمل شيئاً من الإيمان بأن الصوت يمكن أن يغيّر المعادلة ولو تدريجياً... كان هناك شعور بأن المعركة طويلة لكنها ممكنة. اليوم..
يبدو أن كثيراًمن ذلك اليقين قد تراجع لصالح نوع من الواقعية الثقيلة أو ربما نوع من الإرهاق المزمن الذي لا يصرخ بل يكتفي بالمرافقة.
حتى الوجوه تغيرت... الجيل الذي كان يملأ الساحات ذات يوم، تقدم به العمر أو انسحب بهدوء تاركاً خلفه فراغاً لم يُملأ بالكامل...
الأجيال الجديدة رغم حضورها تحمل إيقاعاً مختلفاً أقل اصطداماً وأكثر تحفظاً في رفع سقف الصوت.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن فاتح ماي فقد معناه.
هو فقط لم يعد ذلك الحدث الصاخب كما كان.. لكنه لم يتحول أيضاً إلى مجرد طقس فارغ...
هناك ما يزال تحت الرماد:
مطالب واحتجاجات مؤجلة وأسئلة لم تجد طريقها إلى الحسم.
لكن ما تغيّر فعلاً هو درجة الحرارة الداخلية للمشهد.
لم تعد الكلمات تشتعل بسهولة ولم تعد الشعارات قادرة وحدها على صناعة ذلك الوهج القديم.
وأنا أغادر بعض الساحات كان السؤال يرافقني بصمت:
هل تغيرت النقابات؟
أم تغير المجتمع؟
أم أن المسافة بين الحلم والواقع هي التي اتسعت أكثر من اللازم؟
ربما كل ذلك معاً.
لكن المؤكد بالنسبة لي على الأقل.. أن فاتح ماي هذا العام لم يكن مجرد وقفة في الشارع بل وقفة داخل الذاكرة أيضاً… حيث يقف الإنسان بين ما كانه يوماً وما أصبح العالم من حوله.
أو ربما لا جواب نهائياً
لكن المؤكد أن فاتح ماي هذه السنة بالنسبة لي لحظة أخرى لقراءة التحولات الصامتة التي تصيب الشارع حين يهدأ الصوت…
دون أن تختفي الأسئلة
يوسف غريب، كاتب صحفي

