ليس اختيار المغرب لاحتضان المؤتمر الانتخابي السابع والسبعين للاتحاد الدولي لكرة القدم مجرد خبر رياضي عابر، بل هو مؤشر دالّ على تحوّل أعمق في موقع المملكة داخل هندسة القرار الرياضي العالمي. فالرهان هنا يتجاوز تنظيم حدث مؤسساتي إلى تكريس تموقع استراتيجي يجعل من الرباط فضاءً لصياغة توازنات كرة القدم الدولية.
في عالم باتت فيه الرياضة أداة من أدوات القوة الناعمة، يبرز المغرب كحالة صاعدة توظّف نجاحاته الكروية والدبلوماسية بشكل متكامل. فبعد الأداء اللافت في كأس العالم 2022، وما أعقبه من إشعاع قاري ودولي، لم يعد الحضور المغربي مقتصراً على المستطيل الأخضر، بل امتد إلى دوائر التأثير وصناعة القرار داخل المنظومة الكروية العالمية.
استضافة مؤتمر انتخابي للفيفا تعني عملياً احتضان لحظة سياسية بامتياز داخل عالم الرياضة؛ حيث تُرسم التحالفات، وتُحسم التوازنات، وتُعاد صياغة الأولويات. اختيار الرباط لهذا الموعد ليس صدفة تنظيمية، بل يعكس ثقة متزايدة في قدرة المغرب على تأمين فضاء مستقر، منفتح، وقادر على إدارة لحظات حساسة في حوكمة كرة القدم العالمية.
الأمر يتقاطع أيضاً مع دينامية أوسع يقودها المغرب على مستوى البنيات التحتية والاستثمار الرياضي. فالمملكة لم تعد فقط وجهة لتنظيم التظاهرات، بل أصبحت نموذجاً إقليمياً في بناء منظومة رياضية متكاملة، تربط بين التكوين، الاستثمار، والدبلوماسية الرياضية. هذه المقاربة تمنحها وزناً تفاوضياً متنامياً داخل الهيئات الدولية، وتحوّلها إلى شريك موثوق في رسم مستقبل اللعبة.
وفي خلفية هذا الحدث، تتبلور رهانات أكبر: من بينها استضافة التظاهرات الكبرى، وتعزيز الحضور الإفريقي داخل مراكز القرار، وإعادة التوازن بين الشمال والجنوب في حوكمة الرياضة العالمية. فالمغرب، من خلال هذا المسار، لا يسعى فقط إلى تثبيت موقعه، بل إلى لعب دور الجسر بين قارات وتصورات مختلفة لكرة القدم.
هكذا، يتحول مؤتمر انتخابي إلى أكثر من مجرد محطة إجرائية، ليغدو عنواناً لمرحلة جديدة: مرحلة يُعيد فيها المغرب تعريف علاقته بالرياضة، ليس كمتلقٍ للقرارات، بل كفاعل مؤثر في صناعتها. وفي ذلك، تكمن الدلالة الأعمق لهذا الاختيار.

