هل يفقد أستاذ القانون استقلاليته لمجرد تقاضيه راتبا من الدولة؟
في محاولة لتبرير المنع من الجمع بين مهنتي تدريس القانون والمحاماة، قدم النائب البرلماني سعد بنمبارك حجة تقوم على التقابل بين "المهنة الحرة" و"الوظيفة العمومية". فرغم إقراره بالمكانة العلمية للأساتذة، اعتبر النائب أن تلقي الأستاذ الجامعي لأجره من ميزانية الدولة يضعه حتماً في علاقة تبعية للقطاع الذي ينتمي إليه. ويخلص هذا الطرح إلى أن هذه التبعية المالية للسلطة العمومية تُجرّد الأستاذ من استقلاليته، وتجعله عاجزاً عن الترافع ضد مصالح الدولة متى اقتضت مصلحة الموكل ذلك.
لكن هذا التصور يخلط بين النظام القانوني للموظف في الإدارة النشطة الخاضع للتسلسل الرئاسي والمُلزم بتنفيذ التوجيهات والأوامر والتعليمات، وبين النظام القانوني للأستاذ الباحث المحصن بضمانات الاستقلال الفكري وحرية البحث العلمي. لذلك فإن تفكيك هذه المغالطة هو المدخل الأساسي لإثبات أن تدريس القانون وممارسة المحاماة هما مساران يتكاملان لخدمة جودة العدالة وجودة التعليم معا.
ويتمثل الخطأ الأساسي في الاعتراض على الجمع بين التدريس والمحاماة في معاملة الأستاذ الجامعي كما لو كان موظفا إداريا تابعا لتوجيهات السلطة التنفيذية. والحال أن الوظيفة الأكاديمية تختلف في طبيعتها عن وظائف الإدارة النشطة. فإذا كان المدير المركزي داخل إحدى الوزارات، مثلا، يشارك في تنفيذ السياسة العمومية، ويخضع لمنطق التسلسل الإداري، ويلزم بتنفيذ تعليمات وتوجيهات رؤسائه في العمل، فإن وظيفة الأستاذ الجامعي الأصلية ليست تنفيذ التعليمات الإدارية، بل إنتاج المعرفة العلمية، وتكوين الطلبة، وممارسة البحث العلمي بكامل الحرية والاستقلالية الفكرية. لذلك، فلا يجوز نقل أحكام التبعية الإدارية الخاصة بالإدارة النشطة إلى الوظيفة الجامعية، لأن الأمر يتعلق بمركزين قانونيين ومهنيين مختلفين.
ولا يفقد الأستاذ الجامعي استقلاله لمجرد أنه يتقاضى راتبا من الدولة. فهذا القول يخلط بين أمرين مختلفين: مصدر الأجر من جهة، وطبيعة الوظيفة من جهة أخرى. فالاستقلال لا يقاس بالجهة التي تؤدي الراتب، وإنما يقاس بطبيعة المهام التي يباشرها الشخص، وبالضمانات القانونية التي تحيط بوضعه، وبمدى خضوعه أو عدم خضوعه لتعليمات تمس حريته في التفكير أو قراره المهني.
فالأستاذ الجامعي لا يتقاضى راتبه مقابل ولاء سياسي، ولا مقابل طاعة إدارية، ولا مقابل الدفاع عن اختيارات السلطة العمومية، وإنما يتقاضاه مقابل أداء وظيفة علمية وتربوية تقوم على التدريس، والبحث، وإنتاج المعرفة، وتكوين الأجيال. وهذه الوظيفة، في جوهرها، لا تقوم على الامتثال، بل على حرية التفكير، واستقلال الرأي، والقدرة على النقد والتحليل. لذلك، فإن الراتب العمومي في الحالة الجامعية لا يشكل علامة على التبعية، بل يمثل ضمانة مؤسسية للاستقلال.
ولو كان مجرد تقاضي الأجر من ميزانية الدولة كافيا لنفي الاستقلال، لكان من اللازم التشكيك أيضا في استقلال قضاة الحكم، لأنهم بدورهم يتقاضون رواتبهم من الدولة. ومع ذلك، لا أحد يقول إن القاضي يفقد استقلاله لمجرد أن راتبه يؤدى من المال العام، ولا أحد يستنتج من ذلك أنه عاجز عن الحكم ضد الإدارة متى اقتضى القانون ذلك. وبالواضح، فما كل من يتقاضى درهماً من الدولة (طبيباً، مهندساً، قاضياً، أستاذاً) هو "مأجور" لا يملك رأياً. فمجرد الحصول على راتب من الدولة، في ذاته، لا يصنع التبعية؛ وإنما الذي يصنعها هو الخضوع للتعليمات، أو غياب الضمانات، أو وجود ضغط فعلي يؤثر في القرار.
ومن هذه الزاوية، فإن وضعية الأستاذ الجامعي أقرب إلى تعزيز الاستقلال منها إلى إضعافه. فهو لا يوجد في وضعية مادية هشة تجعله مضطرا إلى مسايرة الإدارة أو مجاملة السلطة حفاظا على مصدر عيشه. بل يتمتع بنظام أساسي يضمن له الاستقرار الوظيفي، ويحميه من الفصل التعسفي، ويجعله في مأمن من الضغوط المالية المباشرة التي قد تؤثر في رأيه العلمي أو موقفه المهني.
وعليه، فإن الراتب العمومي لا ينبغي النظر إليه كأداة لإخضاع الأستاذ الجامعي، بل كوسيلة لتحريره من الارتهان المالي. فالاستقرار المادي الذي توفره الوظيفة الجامعية يمنح الأستاذ هامشا واسعا من الحرية، ويجعله أقل عرضة للابتزاز الاقتصادي، وأكثر قدرة على اتخاذ مواقف علمية ومهنية مستقلة، ولو كانت مخالفة لتوجهات الإدارة أو مصالحها.
وهذه الاستقلالية ليست قيمة جامعية فقط، بل هي أيضا قيمة جوهرية في مهنة الدفاع. فالمحامي لا يحتاج إلى المعرفة القانونية وحدها، بل يحتاج كذلك إلى استقلال في التفكير، وجرأة في التحليل، وقدرة على مواجهة السلطة بالحجة القانونية. وهذه الصفات بالذات هي مما يفترض أن تنتجه الوظيفة الجامعية حين تمارس في إطار من الحرية والضمانات.
لذلك، لا يجوز اختزال علاقة الأستاذ الجامعي بالدولة في علاقة تبعية مالية. فهي، في حقيقتها، علاقة قانونية ونظامية مؤطرة بضمانات، لا علاقة ولاء سياسي أو خضوع شخصي. ومن ثم، فإن مصدر الراتب لا يصلح، وحده، أساسا للقول بوجود تناف بين تدريس القانون وممارسة المحاماة.
والسؤال الصحيح، تبعا لذلك، ليس: هل يتقاضى الأستاذ الجامعي راتبه من الدولة؟ بل هو: هل توجد ضوابط كافية لمنع تضارب المصالح وحماية استقلال الدفاع وكرامة الجامعة؟ فإذا كانت هذه الضوابط مضمنة في نصوص واضحة وصارمة، فإن مبرر المنع المطلق ينتفي، ويصبح الاعتراف بالحق في الجمع بين تدريس القانون والمحاماة أقرب إلى منطق التوازن منه إلى منطق الإقصاء.
وفي القانون المقارن، لا ينظر إلى الأجر الذي يتقاضاه أستاذ القانون من الدولة باعتباره، في ذاته، سببا كافيا لنفي استقلاله، وبالتالي، حرمانه من ممارسة المحاماة. فالقوانين المنظمة لهيئات المحامين لا تترك استقلال المحامي بلا حماية، بل تحيطه بضمانات مهنية دقيقة، تتعلق بالسر المهني، وتجنب تضارب المصالح، واحترام كرامة المهنة، والخضوع لرقابة الهيئة والنقيب. ولذلك، فإن هذه القوانين لا ترى في حصول الأستاذ الجامعي على راتب من الدولة ما يخدش استقلاله المهني، ما دام هذا الراتب لا يلزمه بتنفيذ تعليمات تمس حريته في الدفاع أو قراره المهني.
فالتجارب المقارنة لا تبني التنافي على مجرد الحصول على راتب، بل على معيار أدق، هو ما إذا كانت الوظيفة الأخرى تؤدي فعلا إلى المساس باستقلال المحامي، أو بكرامة المهنة، أو إلى خلق تضارب مصالح مباشر. ومن هذه الزاوية، فإن المنع المطلق لا يظهر كوسيلة ضرورية لحماية المهنة، بل قد يتحول إلى نتيجة عكسية: فهو يعزل الجامعة عن الواقع القضائي والمهني، ويفرغ المحاماة من نخبتها الفكرية، ويحرم العدالة من كفاءات قانونية قادرة على الجمع بين عمق البحث العلمي وخبرة الممارسة.
ففي فرنسا، مثلا، لا يعامل تدريس القانون باعتباره نشاطا مشبوها منافيا بطبيعته لمهنة المحاماة. بل إن القواعد المهنية تجعل التعليم القانوني استثناء من مبدأ عدم الجمع مع العمل المأجور. ومعنى ذلك أن المشرع الفرنسي لم يعتبر أن صفة الأستاذ، أو ارتباطه بمؤسسة جامعية، أو تقاضيه راتبا منها، تشكل في ذاتها مسا باستقلال المحامي.
والأكثر دلالة أن القانون الفرنسي نفسه يفتح مسارات خاصة لولوج بعض فئات الأساتذة والباحثين القانونيين إلى مهنة المحاماة، حيث يعفي، ضمن شروط محددة، المدرسين الجامعيين في القانون من التكوين النظري والعملي ومن شهادة الكفاءة لمهنة المحاماة. فلو كان الانتماء إلى الجامعة أو تقاضي راتب منها قرينة على التبعية المنافية للاستقلال، لما جعل القانون هذه الصفة نفسها أساسا لتيسير الولوج إلى المهنة.
بل إن جوابا رسميا منشورا في الموقع الالكتروني لمجلس الشيوخ الفرنسي أكد صراحة أن المشرع الفرنسي لا يمنع، بصفة عامة، الجمع بين نشاط التعليم ومهنة المحاماة، مع إخضاع ذلك للضوابط القانونية والرقابة اللازمة. والأهم أن الجواب نفسه اعتبر أن هذا الجمع مفيد للتعليم القانوني، لأنه يغنيه بالممارسة العملية داخل مكاتب المحامين، كما يكون مفيدا للمحامي، لأنه يمكنه من تعميق معارفه من خلال البحث العلمي.
والقول بأن المحاماة مهنة حرة لا يعني أنها مهنة بلا ضوابط. فهي حرة من حيث استقلال المحامي في أداء رسالة الدفاع، لكنها منظمة من حيث الخضوع لقواعد السر المهني، وتجنب تضارب المصالح، واحترام كرامة المهنة، والخضوع لرقابة الهيئة والنقيب. ومن ثم، فإن السؤال الصحيح لا ينبغي أن يكون: هل نمنع الأستاذ الجامعي من المحاماة؟ بل ينبغي أن يكون: ما هي الضوابط الكفيلة بضمان ممارسة هذا الحق دون مساس باستقلال المهنة أو مصالح الجامعة؟
لذلك، ودرءا لأي شبهة محتملة للتواطؤ أو تضارب المصالح، يمكن إقرار قيد خاص على ممارسة الأستاذ الجامعي لمهنة المحاماة، لا يمس أصل الحق في الجمع بين المهنتين، ولكنه يضمن ممارسته في إطار من النزاهة والشفافية.
ويتمثل هذا القيد في منع الأستاذ الجامعي المحامي منعا صريحا ومطلقا من النيابة أو الترافع أو تقديم الاستشارة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في أي نزاع يكون موجها ضد الجامعة التي ينتمي إليها، أو ضد وزارة التعليم العالي، أو في أي ملف تكون فيه المصالح المالية أو القانونية لإدارته الوصية معنية بصورة مباشرة.
فهذا المنع الخاص يحقق التوازن المطلوب بين أمرين: من جهة، الاعتراف بحق الأستاذ الجامعي في ممارسة المحاماة باعتباره أستاذا للقانون مؤهلا علميا ومهنيا؛ ومن جهة أخرى، حماية المهنة والجامعة والإدارة من كل وضعية قد تثير شبهة استغلال الصفة الجامعية أو المساس بواجب الحياد والاستقلال.
وبذلك، لا يكون الحل هو منع الجمع بصفة مطلقة، وإنما تنظيمه بضوابط دقيقة. فمتى أمكن عزل حالات تضارب المصالح بنص واضح وصارم، انتفى مبرر المنع الكلي، وأصبح الإقرار بالجمع بين تدريس القانون والمحاماة أكثر انسجاما مع مبادئ التناسب، والحرية المهنية، وحسن تدبير الكفاءات القانونية الوطنية.
إن المنع المطلق للجمع بين تدريس القانون والمحاماة ليس حماية للمهنة، بل قد يكون إفقارا لها وللجامعة معا. فالمحاماة تحتاج إلى عمق علمي، والجامعة تحتاج إلى اتصال دائم بالواقع القضائي والمهني. لذلك، فإن الحل المتوازن لا يكمن في إقامة جدار بين الأستاذ والمحكمة، بل في بناء جسر منظم بينهما، يقوم على الاعتراف بالحق في الجمع، مع إخضاعه لضوابط صارمة تمنع تضارب المصالح وتحفظ استقلال الدفاع وكرامة الجامعة.
لا يتضرر استقلال المحامي من كونه أستاذا جامعيا، ما دام لا يترافع ضد إدارته الأصلية ولا يستغل صفته الأكاديمية في مهنته. بل إن الجمع بين تدريس القانون والمحاماة، إذا نظم بضوابط دقيقة، يعزز جودة التكوين القانوني، ويرفع مستوى الممارسة المهنية، ويقرب الجامعة من العدالة.
محمد بيصة، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق عين الشق بالدار البيضاء
