في آخر مجلس وزاري ، تم تعيين خمسة مديرين عامين للمجموعات الصحية الترابية. وهي خطوة تعكس تقدما ملموسا في تنزيل أحد أهم أوراش إصلاح المنظومة الصحية. وعند استكمال باقي التعيينات لتغطية مجموع جهات المملكة، تكون بلادنا قد دخلت مرحلة الانتقال من النص إلى التفعيل. غير أن هذا التقدم يطرح سؤالا فاصلا: هل نحن أمام بناء نموذج جهوي حقيقي، أم أمام إعادة ترتيب داخل نفس المنطق المركزي؟
في هذا السياق، نص القانون الإطار 06.22 على إحداث المجموعات الصحية الترابية كمؤسسات عمومية استراتيجية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي. وتهدف هذه المجموعات إلى تجميع المؤسسات الصحية داخل كل جهة تحت قيادة موحدة. حيث يسمح هذا التنظيم بتحسين الحكامة وتجويد الخدمات وتقليص الفوارق المجالية. وتقوم الفكرة على تقريب القرار من المواطن وتمكين الجهة من تدبير شؤونها الصحية وفق خصوصياتها.
غير أن تنزيل هذه الفكرة يصطدم بثقل المركز، وهو معطى بنيوي في التجربة المغربية. فالعلاقة بين الرباط وباقي الجهات لم تكن متوازنة عبر التاريخي الإداري. لقد تشكلت الدولة الحديثة حول مركز قوي يحتكر القرار، بينما ظلت الجهات في موقع التنفيذ أو الانتظار. وهكذا لم يكن التمركز مجرد اختيار تنظيمي، بل ثقافة مؤسساتية راسخة.
ومن هنا، حين جاءت الجهوية، كان الهدف هو كسر هذا التمركز ونقل جزء من الاختصاصات وسلطة القرار إلى الجهات. غير أن ما تحقق على الأرض ظل دون الطموح. فقد واصل المركز حضوره عبر النصوص ومساطر المراقبة، واستمر تأثيره من خلال سلطة غير معلنة تجعل القرار الجهوي معلقا في انتظار موافقة ضمنية.
وبناء على ذلك، تطرح المجموعات الصحية الترابية نفسها كاختبار حقيقي. هل ستشكل قطيعة مع هذا الإرث أم ستعيد إنتاجه؟ يكمن الخطر في أن تتحول هذه المجموعات إلى طبقة إضافية داخل هرم إداري معقد بدل أن تكون بديلا عنه. وقد تجد نفسها تتحمل مسؤوليات واسعة أمام المواطن دون أن تمتلك أدوات القرار.
وليس هذا التخوف نظريا فقط، بل تؤكده تجربة أكاديميات التربية والتكوين. فقد أحدثت هذه الأكاديميات كمؤسسات عمومية ومنحت اختصاصات مهمة. غير أن الممارسة ظلت محكومة بثقل الإدارة المركزية. وكانت النتيجة إصلاحا معلقا بين مستويين لا هو مركزي منسجم ولا هو جهوي مستقل.
وفي مقابل ذلك، يقتضي الإنصاف إعادة ترتيب النقاش. فلا يمكن اتخاذ ضعف الكفاءات أو هشاشة القدرات التدبيرية في بعض الجهات ذريعة لاستمرار هيمنة المركز. لأن هذا الضعف في جزء كبير منه نتاج عقود من التمركز وغياب فرص التمكين. وتعكس هذه الوضعية حدود نموذج لم تتح فيه للجهات فرصة التعلم واختبار نضجها الفعلي، بل ظلت تعمل بمنطق الانتظار بدل المبادرة.
وأمام هذا الوضع، يبرز سؤال مركزي: إذا كانت الرؤية الملكية واضحة والنصوص القانونية موجودة، فأين يكمن الخلل؟
لقد أكدت تجربة بلادنا ان غياب جرأة سياسية وإدارية لتفكيك البنية المركزية والمنظومة المرتبطة بها ينتج جهوية مشلولة .فالإصلاح الحقيقي يمر عبر إعادة تعريف دور المركز، بحيث يتحول إلى واضع للسياسات وضامن للمعايير ومقيم للأداء، بدل أن يبقى فاعلا مباشرا في التدبير.
ومن ثم، يحتاج هذا الورش إلى حسم التردد. لا يمكن بناء جهوية فعلية بنصف إرادة. ولا يمكن إنجاح المجموعات الصحية الترابية في ظل ازدواجية القرار. لذلك يجب تحديد المسؤوليات بشكل واضح: من يقرر، من ينفذ، ومن يحاسب. بدون هذا الوضوح ستظل المسؤوليات موزعة، وستتأخر المحاسبة، وستبقى النتائج دون التطلعات.
كما أن الرهان لا يرتبط بالمؤسسات فقط، بل يرتبط بالثقافة أيضا. فالمركز ليس مجرد هيكل إداري، بل هو ذهنية تميل إلى الاحتفاظ بالسلطة وتخشى التفويض. وتغيير هذه الذهنية يمثل الشرط الأصعب، لكنه أيضا الأكثر حسما.
في النهاية، نحن أمام فرصة تاريخية. يمكن للمجموعات الصحية الترابية أن تعيد بناء الثقة في المرفق العمومي، وأن تقلص الفوارق، وأن تحقق عدالة مجالية حقيقية. كما يمكن أن تتحول إلى تجربة أخرى تضاف إلى سجل الإصلاحات غير المكتملة.
فالمسافة بين الرباط والجهات ليست جغرافية فقط، بل هي مسافة في سلطة القرار .
وبين ما يقال وما لا يقال يكمن جوهر الإصلاح

