samedi 2 mai 2026
كتاب الرأي

سعاد بنور: الجمع بين التعليم الجامعي والمحاماة.. بين انفتاح الوظيفة العمومية وانغلاق قانون المحاماة

سعاد بنور: الجمع بين التعليم الجامعي والمحاماة.. بين انفتاح الوظيفة العمومية وانغلاق قانون المحاماة سعاد بنور

يثير النقاش الدائر حول إمكانية الجمع بين التعليم الجامعي ومهنة المحاماة سؤالا قانونيا مركزيا، كثيرا ما يتم استحضاره للاعتراض على رفع حالة التنافي بين المهنتين، ومفاد هذا السؤال: هل يمنع النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وكذا النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، الأستاذ الجامعي من ممارسة المحاماة؟ وهل سيؤدي التنصيص في قانون المحاماة على إمكانية الجمع إلى تعارض مع قانون الوظيفة العمومية أو مع مرسوم 2 غشت 2023 المتعلق بهيئة الأساتذة الباحثين؟
هذا السؤال مشروع من حيث المبدأ، لكنه لا ينبغي أن يبنى على الانطباع العام، بل على قراءة دقيقة للنصوص القانونية المؤطرة للموضوع، فالقول إن قانون الوظيفة العمومية يمنع، بصورة مطلقة، أي إمكانية للجمع بين التعليم الجامعي والمحاماة، قول يحتاج إلى مراجعة، ذلك أن التطور التشريعي والتنظيمي الذي عرفه هذا المجال يكشف عن انتقال واضح من منطق المنع الإداري الصارم إلى منطق الانفتاح المنظم بواسطة نصوص تشريعية خاصة.
فبالرجوع إلى مرسوم 2 غشت 2023 المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، لا نجد فيه مقتضى صريحا يمنع الأستاذ الباحث من ممارسة نشاط مهني آخر، بل إن المادة 4 من هذا المرسوم، وهي تحدد مهام الأساتذة الباحثين، تنص على أنه يعهد إليهم، من بين مهام أخرى، القيام بـ:
“أعمال الخبرة والاستشارة وفق التشريع الجاري به العمل.”
وهذا المقتضى له دلالة مهمة، فالأستاذ الباحث لم يعد ينظر إليه باعتباره فاعلا أكاديميا منحصرا في التدريس النظري وإنتاج المعرفة داخل أسوار الجامعة، بل أصبح معترفا له بدور يتجاوز المدرج وقاعة الدرس، ليمتد إلى الخبرة والاستشارة والمساهمة في معالجة القضايا التي يطرحها الواقع الاقتصادي والاجتماعي والقانوني.
وتتضح أهمية هذا التحول أكثر عند مقارنة مرسوم 2023 بالمرسوم السابق الصادر في 19 فبراير 1997 في شأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، والذي تم إلغاؤه، فقد كانت الفقرة الأخيرة من المادة 3 من مرسوم 1997 تنص على ما يلي:
“ولا يجوز لهم أن يمارسوا بصفة مهنية نشاطا خاصا بغرض الربح كيفما كانت طبيعته إلا تطبيقا لأحكام الفصل 15 من الظهير الشريف المشار إليه أعلاه رقم 1.58.008 بتاريخ 4 شعبان 1377، الموافق لـ24 فبراير 1958".
إن حذف هذه الصيغة من مرسوم 2023 لا يمكن التعامل معه كأمر عرضي أو مجرد تغيير في الصياغة، فالمرسوم الجديد لم يعد يكرر المنع السابق، بل أدرج، بالمقابل، أعمال الخبرة والاستشارة ضمن مهام الأستاذ الباحث، وهذا يعكس تحولا في تصور وظيفة الأستاذ الجامعي: من وظيفة مغلقة على التعليم والتأطير، إلى وظيفة منفتحة على الخبرة والمساهمة المهنية المؤطرة قانونا.
أما بخصوص النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، فإن الفصل 15 منه، في صيغته الحالية، ينص على ما يلي:
"مع مراعاة الأحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات، يمنع على الموظف أن يزاول بصفة مهنية أي نشاط حر أو تابع للقطاع الخاص يدر عليه دخلا كيفما كانت طبيعته، تحت طائلة المتابعة التأديبية...”
والقراءة السليمة لهذا النص تقتضي الانتباه إلى عبارته الافتتاحية قبل الوقوف عند المنع الذي يقرره، فالفصل 15 لا يبدأ بعبارة منع مطلق، وإنما يبدأ بعبارة ذات أثر قانوني حاسم:
“مع مراعاة الأحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات”.
ومعنى ذلك أن المشرع نفسه جعل المنع قاعدة عامة قابلة للاستثناء بمقتضى نصوص تشريعية خاصة، فإذا صدر قانون خاص ينظم مهنة معينة، وقرر لفئة معينة نظاما مخالفا للقاعدة العامة، فإن هذا الاستثناء لا يكون مخالفا للفصل 15، بل يكون مندرجا ضمنه، لأن الفصل المذكور يعترف صراحة بإمكانية وجود أحكام تشريعية منافية خاصة ببعض الهيئات.
ومن ثم، فإن قانون المحاماة، باعتباره قانونا تشريعيا خاصا منظما لمهنة قانونية، يمكنه أن ينص على استثناء يسمح لأساتذة القانون بالجمع بين التعليم الجامعي وممارسة المحاماة، وفق شروط وضوابط محددة، وفي هذه الحالة، لا نكون أمام مخالفة لقانون الوظيفة العمومية، بل أمام تفعيل للآلية التي يتيحها قانون الوظيفة العمومية نفسه.
وتزداد هذه القراءة وضوحا إذا استحضرنا التطور الذي عرفه الفصل 15 نفسه، فقد تم تغيير هذا الفصل بموجب المادة الأولى من القانون رقم 50.05، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.10 بتاريخ 14 ربيع الأول 1432، الموافق لـ18 فبراير 2011، حيث كان الفصل 15، في صيغته السابقة، ينص على ما يلي:
“ممنوع على كل موظف أن يمارس بصفة مهنية أي نشاط يدر عليه مدخولا، ولا يمكن مخالفة هذا المنع إلا بموجب استثنائي وبموجب مقرر يتخذه لكل حالة على حدة، الوزير الذي ينتمي إليه الموظف المعني بالأمر، بعد موافقة رئيس الوزارة. ويبقى هذا المقرر المتخذ بصفة مؤقتة قابلا للإلغاء لصالح الإدارة.”
وتكشف المقارنة بين الصيغتين عن تحول جوهري في فلسفة المشرع، فالصيغة القديمة كانت تجعل الخروج عن المنع رهينا بترخيص إداري فردي، مؤقت، وقابل للإلغاء، يصدر عن الوزير المختص بعد موافقة رئيس الحكومة، بمعنى أن الاستثناء كان امتيازا إداريا يمنح لكل حالة على حدة، ويمكن للإدارة أن تتراجع عنه متى شاءت.
أما الصيغة الحالية، فقد انتقلت من منطق الترخيص الإداري الفردي إلى منطق الاستثناء التشريعي الخاص.، فهي لا تجعل الاستثناء متوقفا على مقرر إداري مؤقت، بل تعترف ابتداء بإمكانية وجود أحكام تشريعية خاصة تخالف القاعدة العامة.
وهذا التطور ليس مجرد تعديل لغوي. إنه انتقال من تصور يجعل الموظف رهينا بترخيص إداري هش وقابل للسحب، إلى تصور يجعل المسألة قابلة للتنظيم بنص تشريعي واضح ومستقر، ومن هنا، فإن السماح لأساتذة القانون بممارسة المحاماة، إذا ورد في قانون المحاماة، لا يكون خروجا على الفصل 15، وإنما يكون تطبيقا للصيغة الجديدة لهذا الفصل، التي قبلت صراحة بوجود أحكام تشريعية خاصة منافية للقاعدة العامة.
وبذلك يمكن للمحامي الحاصل على الدكتوراه أن يزاول التعليم الجامعي الرسمي متى استوفى شروطه، كما يمكن للأستاذ الجامعي المتخصص في القانون أن يلج مهنة المحاماة، متى سمح قانون المحاماة بذلك، ولا يكون أي منهما في وضعية مخالفة تستوجب العزل أو المتابعة التأديبية، ما دام الجمع مؤسسا على نص تشريعي خاص.
ومن ثم، فإن الإشكال الحقيقي لا يوجد في قانون الوظيفة العمومية، بل في الاختيار الذي سيتبناه قانون المحاماة، فإما أن ينسجم هذا القانون مع منطق الانفتاح المنظم الذي أقره تطور الوظيفة العمومية والنظام الأساسي للأساتذة الباحثين، وإما أن يظل متشبثا بمنطق الانغلاق، فيجعل من مهنة المحاماة استثناء معزولا عن التحولات التي عرفتها باقي المنظومة القانونية؟.

سعاد بنور، أستاذة التعليم العالي، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق