إن توظيف بعض الفاعلين السياسيين لخطاب “النسب الشريف” كوسيلة لاستمالة الناخبين، يشكل تعارضا واضح مع مبادئ الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والمساواة، ويأتي ذلك في سياق اجتماعي متوتر، تفاقم خلاله تفقير المغاربة نتيجة السياسات العمومية المعتمدة خلال العقود الأخيرة.
فتوظيف "النسب الشريف" انزلاق نحو الشرعنة التقليدية باستدعاء “الشرف” و”النسب” في التنافس الانتخابي، وهو ما يشكل ارتدادا إلى منطق ما قبل الدولة الحديثة، ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين بتحويل السياسة من تدبير للشأن العام إلى مجال للرمزية الدينية، كما أن هذا الخطاب لا يستند إلى معايير قابلة للتحقق ويُستعمل كوسيلة للتأثير العاطفي بدل الإقناع البرنامجي، فالأكيد أن الشرعية الديمقراطية لا تُوَرَّثُ، وهي شرعية تُكتسب عبر الإرادة الشعبية وليس عبر ادعاءات الانتماء العائلي أو القبلي المزيف، فالكفاءة والنزاهة والبرنامج هي أساس الاختيار السياسي، لأن المواطنات والمواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، كما أن المرجعية الدينية نفسها تؤكد أن التفاضل لا يقوم على النسب، بل على القيم والعمل.
عودة للسياسات الحكومية السابقة للعدالة والتنمية في العُشرية السوداء، التي يتصدر قادتها السابقين ادعاءات "النسب الشريف" مؤخرا، في محاولة لرتق بكارة شرف بائدٍ، فقد انهارت كل وعودهم الانتخابية حين تحولوا إلى آلة لتفقير المغاربة، حيث عرفت فترات الحكومات التي قادها كل من عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني مجموعة من الاختيارات التي كان لها أثر وخيم على القدرة الشرائية للمغاربة:
أ) رفع الأسعار وتحريرها لتفقير المغاربة:
تحرير أسعار المحروقات بتقويض كل آليات المراقبة، وبتغطية ملفات محاسبة من نهب المليارات عن طريق مؤامرة التحكم في أسعار المحروقات، وهو ما انعكس على أسعار النقل والمواد الأساسية وتحميل المواطن لوحده كلفة تقلبات السوق الدولية، وهي اختيارات لحكومتهم بقية تبعاتها إلى الآن.
ب) اختيارات مجحفة تمس الجانب الاجتماعي:
قيادة حملة هدم نظام التقاعد على حساب الأجراء وتقليص الاستثمار الاجتماعي في بعض القطاعات الحساسة لقوت وصحة وتعليم المغاربة، مع تجميد وضعف نمو الأجور مقابل ارتفاع كلفة المعيشة.
ج) ضرب القدرة الشرائية:
ارتفاع غير متحكم فيه للأسعار، مع انهيار الطبقة الكادحة وتآكل الطبقة المتوسطة مع اتساع دائرة الهشاشة والفقر.
تتضح بجلاء إذن العلاقة بين الشعبوية والرمزية الدينية في توظيف الدين أو النسب لتغطية المآسي التي تسببت فيها العدالة والتنمية في فترة حكومتيها، والتي لازال المغاربة يكتوون بنارها لحدود الآن، لهذا يحاول بنكيران استبدال النقاش حول العدالة الاجتماعية بخطاب أخلاقي/رمزي، لإيهام المغاربة بنسب زائف وهو خطاب لتبرير الفشل ولتخفيف الغضب الاجتماعي، الذي كانت سياسة اللامبا من أججته بانتهاك جيوب الأسر المغربية.
إن المغاربة يطمحون لبديل ديمقراطي حقيقي يقطع مع كل أشكال الاستغلال السياسي للدين أو النسب، و المطلوب هو بناء مشروعية سياسية على أساس العدالة الاجتماعية والكرامة والمساواة، وإعادة الاعتبار للسياسة كفضاء للبرامج لا للرموز، إن مواجهة خطاب “النسب الشريف” في السياسة ليست مجرد معركة فكرية، بل هي جزء من معركة أوسع ضد التفقير والتهميش والسياسات اللاعادلة، فالديمقراطية الحقيقية لا تقوم على الامتيازات الموروثة، بل على إرادة شعبية واعية وسياسات عمومية منصفة، فالمغاربة يئسوا من الوجوه القديمة شكلا وتفكيرا، ويأملون في التغيير ببروفيلات حديثة تتطلع للمستقبل والتنمية والتقدم، بدل الوجوه الماضوية التي تبني رؤيتها على مستحثات مزيفة للكذب، فالتحليل الجيني لخلايا اللامبا سيثبت أنها من قبيلة تفقير المغاربة، فالمغاربة أذكى من أن تنطلي عليهم ألاعيبكم، فلنتطلع للأمام والأمل بالتغيير الديمقراطي الحديث، وهي رسالة للمستقبل.
ملحوظة لها علاقة بما سبق:
ذكرتني الخرجة الأخير لبنكيران استجداء لنسب بائد، ببعض أصحاب السيارات الذين يعلقون عليها يافطة تدعي أن صاحبها من أسرة شريفة لتغطية مخالفات السير، أو البعض الآخر الذي يحمل بطاقة تدعي أنه من نسب شريف يجب توقيره..، بِئْسَ الأساليب المنحطة تلك التي تدعي شرفا لا يتجسد في شرف الفعل والأعمال.

