samedi 11 avril 2026
منبر أنفاس

حَبيل رشيد: الحكامة البيئية.. من سؤال الحماية إلى رهانات التمكين وضمان الحقوق الصحية

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
حَبيل رشيد: الحكامة البيئية.. من سؤال الحماية إلى رهانات التمكين وضمان الحقوق الصحية حَبيل رشيد

لا شك أن التحولات البيئية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم تفرض نفسها كأحد أكثر القضايا إلحاحًا وإثارة للانشغال الجماعي، حيث لم تعد البيئة مجرد إطار طبيعي يحتضن النشاط الإنساني، وإنما أضحت محددًا حاسمًا في صياغة مسارات التنمية، وضابطًا جوهريًا لمستوى تمتع الإنسان بحقوقه الأساسية… وبالتالي، فإن الحديث عن الحكامة البيئية لم يعد ترفًا فكريًا أو مقاربة نظرية معزولة، وإنما صار ضرورة حيوية تقتضيها تعقيدات الواقع وتشابكات المصالح وتزايد المخاطر.

ومن ثم، فإن المقاربة المعاصرة لقضية البيئة لا يمكن أن تنفصل عن بعدها الحقوقي، حيث إن التدهور البيئي المتفاقم، بما يحمله من مظاهر التلوث والاستنزاف والاختلال، ينعكس بشكل مباشر وغير مباشر على منظومة حقوق الإنسان في كليتها… إذ إن الحق في الحياة، والحق في الصحة، والحق في الغذاء، والحق في الماء، جميعها ترتبط ارتباطًا عضويًا بمدى سلامة الوسط البيئي واستقراره. ومن المؤكد أن أي إخلال بهذا التوازن البيئي إنما يفضي بالضرورة إلى تقويض أسس الكرامة الإنسانية وإضعاف شروط العيش الكريم.

وعلاوة على ذلك، فإن التطور التاريخي لفكرة الحقوق البيئية يكشف بوضوح أن هذا الحق لم يولد دفعة واحدة، وإنما تبلور تدريجيًا بفعل التحولات الصناعية والتكنولوجية التي عرفها العالم… حيث إن الثورة الصناعية، بما أفرزته من تقدم تقني هائل، حملت في طياتها آثارًا جانبية عميقة تمثلت في تلوث الهواء والماء والتربة، واستنزاف الموارد الطبيعية، وتزايد النفايات الخطرة، وهو ما فرض إعادة النظر في العلاقة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي.

وبالتالي، فإن الحكامة البيئية تبرز هنا باعتبارها آلية تنظيمية وتدبيرية تهدف إلى تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وضرورات حماية البيئة… حيث إن هذه الحكامة لا تقتصر على سن القوانين ووضع السياسات، وإنما تمتد لتشمل بناء منظومة متكاملة تقوم على الشفافية، والمساءلة، والمشاركة، والنجاعة، والتنسيق بين مختلف الفاعلين، سواء كانوا مؤسسات رسمية أو هيئات مدنية أو فاعلين اقتصاديين.

ومن جهة أخرى، فإن إدماج البعد البيئي في السياسات العمومية لم يعد خيارًا مؤجلًا، وإنما صار التزامًا دوليًا وأخلاقيًا، خاصة في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية والاختلالات الإيكولوجية… إذ إن الاتفاقيات الدولية، من قبيل إعلان ستوكهولم وإعلان ريو، أسست لوعي عالمي جديد يقوم على اعتبار البيئة عنصرًا مركزيًا في تحقيق التنمية المستدامة وضمان الحقوق الأساسية للأفراد.

كما أن هذا التحول المفاهيمي أفرز توجهًا متناميًا نحو مأسسة الحقوق البيئية، بحيث لم تعد مجرد مبادئ عامة أو توجهات سياسية، وإنما أضحت حقوقًا معترفًا بها ضمن المنظومة القانونية الدولية والوطنية… ومن الثابت أن هذا الاعتراف، رغم أهميته، يظل غير كافٍ ما لم يُترجم إلى آليات عملية تضمن التفعيل والتنزيل، وتحقق الانتقال من مستوى التضمين النظري إلى مستوى التمكين الفعلي.

وفي هذا السياق، تتجلى أهمية الحكامة البيئية في قدرتها على تحويل النصوص القانونية إلى ممارسات واقعية، وعلى نقل الحقوق من دائرة الإقرار إلى مجال التطبيق… حيث إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان الحقوق، وإنما في ضمان احترامها وصيانتها، وهو ما يستدعي بناء مؤسسات قوية، وتعزيز آليات الرقابة، وتفعيل دور القضاء البيئي، وتمكين المواطنين من الولوج إلى المعلومة البيئية والمشاركة في اتخاذ القرار.

إضافة إلى ذلك، فإن العلاقة بين البيئة وحقوق الإنسان تتسم بطابع تفاعلي معقد، حيث إن البيئة السليمة تمثل شرطًا مسبقًا للتمتع بالحقوق، وفي الوقت ذاته تشكل حقوق الإنسان أداة لحماية البيئة… وبالتالي، فإن أي مقاربة ناجعة للحكامة البيئية يجب أن تقوم على هذا التكامل، وأن تسعى إلى تحقيق انسجام بين البعدين البيئي والحقوقي.

ومن ناحية أخرى، فإن التفاوتات بين الدول، خاصة بين الدول الصناعية والدول النامية، تطرح إشكالات عميقة تتعلق بالعدالة البيئية… حيث إن الدول الأكثر إسهامًا في التلوث هي في الغالب الأقل تأثرًا بآثاره، في حين تتحمل الدول الفقيرة العبء الأكبر من تداعياته، رغم محدودية مسؤوليتها… وهو ما يطرح بإلحاح مسألة الإنصاف والتضامن الدولي، ويستدعي إعادة النظر في أنماط الإنتاج والاستهلاك على الصعيد العالمي.

كما أن التحديات البيئية الراهنة، بما فيها التغير المناخي وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور الموارد الطبيعية، تفرض تبني مقاربات استشرافية بعيدة المدى… حيث إن الحكامة البيئية لا ينبغي أن تنحصر في معالجة الأزمات الآنية، وإنما يجب أن تستشرف المخاطر المستقبلية، وأن تؤسس لسياسات وقائية قادرة على حماية حقوق الأجيال القادمة.

ومن ثم، فإن مفهوم الاستدامة يبرز هنا كأحد المرتكزات الأساسية للحكامة البيئية، حيث يقوم على تحقيق التوازن بين الحاجيات الحالية ومتطلبات المستقبل… إذ إن ضمان الحق في بيئة سليمة للأجيال القادمة يقتضي ترشيد استغلال الموارد، والحد من التلوث، وتعزيز الابتكار في مجالات الطاقة النظيفة والتقنيات الصديقة للبيئة.

وفي السياق ذاته، فإن دور المجتمع المدني يظل عنصرًا حاسمًا في إنجاح سياسات الحكامة البيئية… حيث إن هذه الهيئات تساهم في رفع الوعي البيئي، ومراقبة أداء المؤسسات، والدفاع عن الحقوق البيئية، مما يعزز من دينامية المشاركة ويكرس مبادئ الديمقراطية البيئية.

كما أن الإعلام بدوره يشكل رافعة أساسية في هذا المجال، من خلال تسليط الضوء على القضايا البيئية، وكشف الاختلالات، وتوجيه الرأي العام نحو تبني سلوكيات مسؤولة… إذ إن بناء ثقافة بيئية مجتمعية يظل شرطًا ضروريًا لتحقيق أي تحول حقيقي في هذا المجال.

ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي للحكامة البيئية، حيث إن تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة يمثل أحد أعقد التحديات… إذ إن النمو غير المنضبط قد يؤدي إلى استنزاف الموارد وتفاقم التلوث، في حين أن السياسات البيئية الصارمة قد تثير مخاوف مرتبطة بتباطؤ التنمية… وبالتالي، فإن الحل يكمن في تبني نماذج تنموية جديدة تقوم على الاقتصاد الأخضر والابتكار المستدام.

وفي هذا الإطار، فإن الحكامة البيئية تقتضي إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، بما يضمن تحقيق التوازن بين المصالح المختلفة… حيث إن الدولة مطالبة بوضع الإطار القانوني والتنظيمي، والقطاع الخاص مدعو إلى تبني ممارسات مسؤولة، والمجتمع المدني معني بالمراقبة والمساءلة.

ومن المؤكد أن الانتقال نحو حكامة بيئية فعالة يتطلب إرادة سياسية قوية، واستثمارات مالية معتبرة، وتعاونًا دوليًا متينًا… حيث إن التحديات البيئية تتجاوز الحدود الجغرافية، ولا يمكن مواجهتها إلا من خلال تنسيق الجهود وتوحيد الرؤى.

وفي الختام، يمكن القول إن الحكامة البيئية تمثل اليوم أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة وضمان حقوق الإنسان الصحية… حيث إن الرهان لم يعد مقتصرًا على حماية البيئة في بعدها الطبيعي، وإنما يتجاوز ذلك ليشمل صون الكرامة الإنسانية وتعزيز العدالة الاجتماعية وضمان مستقبل الأجيال القادمة.

لذلك، فإن الانتقال من منطق التضمين إلى منطق التمكين يظل التحدي الأكبر… انتقال يتطلب تفعيل النصوص، وتقوية المؤسسات، وترسيخ ثقافة المسؤولية، وبناء وعي جماعي يدرك أن حماية البيئة ليست خيارًا ثانويًا، وإنما هي شرط وجودي لاستمرار الحياة في توازنها وانسجامها… دون ريب، إن مستقبل الإنسان مرهون بقدرته على إعادة بناء علاقته بالطبيعة على أسس من الحكامة الرشيدة والتدبير المستدام.

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg