"نحن لا نعطل العدالة، بل نحميها من أن تتحول إلى قضاء يفتقر إلى ضمانات حقيقية للمحاكمة العادلة."
لم يكن وصف وزير العدل السيد عبد اللطيف وهبي لإضراب المحامين بـ "التواطؤ" مجرد زلة لسان عابرة، بل هو موقف خطير يحمل في طياته إفراغًا للحق في الإضراب من مضمونه. حينما يتهم وزير العدل هيئات المحامين بـ "التواطؤ" لمجرد لجوئهم إلى حق أساسي هو الإضراب للدفاع عن قضية جوهرية تمس صميم مهنتهم واستقلاليتهم، فإنه لا يخطئ فقط في التوصيف القانوني، بل يخلق منزلقًا خطيرًا في علاقة السلطة القضائية بركيزة أساسية من ركائز العدالة: مهنة المحاماة. ففي الوقت الذي تشهد فيه فرنسا نقاشًا حول إضراب المحامين، يُعتبر هذا الحق في المغرب ممارسة طبيعية ودستورية.
أولاً: الحق في الإضراب في المغرب: مضمون دستوري وليس "امتيازًا"
إن الحق في الإضراب ليس مجرد "امتياز" تمنحه الدولة للمحامين، بل هو حق أساسي مكفول في صلب الدستور المغربي لسنة 2011. فالفصل 29 من الدستور ينص صراحة على أن "حق الإضراب مضمون، ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته". هذا النص لا يحتمل التأويل: إنه إقرار دستوري صريح بهذا الحق، وهو ما يعكس إرادة المشرع الدستوري في جعله أداة للموازنة بين السلطات وحقًا للمواطنين والمهنيين في التعبير عن احتجاجهم. وقد صدر قانون تنظيمي رقم 97.15 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، الذي نص في مادته الأولى على أنه " الإضراب حق يضمنه الدستور، وتحميه مبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وتنطبق عليه اتفاقيات حقوق الإنسان واتفاقيات منظمة العمل الدولية التي صادقت عليها المملكة أو انضمت إليها، في نطاق أحكام الدستور. وكل تنازل عنه يعد باطل". وحدد في مادته الثانية مجال تطبيقه بأن " الإضراب هو توقف مؤقت عن أداء العمل كليا أو جزئيا، يتخذ بقرار من قبل الجهة الداعية إلى الإضراب، ويمارس من قبل مجموعة من العمال في علاقتهم المباشرة أو غير المباشرة بالمقاولة أو بالمؤسسة أو بالمرفق العمومي أو من قبل مجموعة من المهنيين، من أجل الدفاع عن حق من الحقوق أو مصلحة من المصالح الاجتماعية أو الاقتصادية أو المهنية أو المعنوية والمرتبطة بظروف العمل أو بممارسة المهنة".
كما أن المادة 39 من القانون 28-08 المنظم لمهنة المحاماة، التي يستند إليها الوزير لاتهام المحامين بـ "التواطؤ"، لا يمكن أن تُفسر بشكل متطرف يتعارض مع مبدأ سمو الدستور. فالقانون 28-08 يأتي في مرتبة أدنى من الدستور، وبالتالي لا يمكنه أن يُقيّد أو يُلغي حقًا دستوريًا.
ثانيًا: تجربة فرنسا: نموذج في التوازن والاعتراف بالحق في الإضراب
عند النظر إلى النموذج الفرنسي، نجد أن المحامين يتمتعون بحق الإضراب المعترف به دستوريًا. فقد أقر الدستور الفرنسي لعام 1946، الذي لا يزال ساري المفعول في الجمهورية الخامسة، في الفقرة السابعة من ديباجته أن "حق الإضراب يمارس في إطار القوانين التي تنظمه". وهذا الحق ليس نظريًا فحسب، بل هو واقع عملي وممارسة شائعة في الحياة القضائية الفرنسية.
في الأسابيع الأخيرة، خاض المحامون في فرنسا إضرابًا واسعًا احتجاجًا على مشروع قانون "العدالة الجنائية واحترام الضحايا" (المعروف بقانون دارمانان)[1]، الذي يهدف إلى تعميم المسطرة الجنائية الرقابية "الاعتراف بالذنب" (plaider-coupable) في المواد الجنحية. وقد قوبل هذا المشروع بغضب عارم من المحامين الذين اعتبروه "قضاءً موجزًا" يهدد الحق في محاكمة عادلة. وقد قاد باريس، الذي يضم 35 ألف محامٍ، حركة احتجاجية واسعة، حيث صوّت مجلس نقابة المحامين في باريس على "إضراب الحماسة" (grève du zèle) في 31 مارس 2026، والذي بدأ في الأول من أبريل، ويشمل جميع الإجراءات الجنائية العاجلة وغير العاجلة. كما أعلن باريس في بوبينيي (Bobigny) إضرابًا شاملاً في القضايا المدنية والجنائية. وفي الوقت نفسه، صوّت أكثر من خمسين نقابة محامين في جميع أنحاء فرنسا على الإضراب، وتبنّى مؤتمر رؤساء النقابات (Conférence des bâtonniers) الذي يمثل 45 ألف محامٍ غير محامي باريس مبدأ الإضراب، بهدف الضغط من أجل سحب المشروع أو تعديله بما يضمن احترام حقوق الدفاع ومبادئ المحاكمة العادلة.
حيث اعتبر المحامون في فرنسا أن مشروع قانون “العدالة الجنائية واحترام الضحايا” يمسّ بشكل مباشر بحقوق الدفاع ويؤدي إلى إضعاف دور المحامي داخل المنظومة القضائية، كما رأوا فيه تكريسًا لمنطق العدالة السريعة على حساب العدالة العادلة، من خلال الحدّ من ضمانات المحاكمة المنصفة، خاصة في إطار الإجراءات المختصرة، فضلًا عن تعزيزه لسلطة النيابة العامة على حساب التوازن الإجرائي بين أطراف الدعوى.
هذه التحركات الاحتجاجية الواسعة لم تُوصف من قبل وزير العدل الفرنسي أو أي مسؤول حكومي بأنها "تواطؤ". بل على العكس تمامًا، أعلن وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان عن استعداده لمناقشة التعديلات على مشروع القانون، معترفًا بأن الاحتجاج هو جزء من الحوار الديمقراطي. وقد صرّح نقيب محامي باريس، لويس ديغوس، قائلاً: "نحن لا نعطل العدالة، بل نحميها من أن تصبح قضاءً موجزًا". إن هذا الاختلاف في النهج يعكس رؤية مختلفة لدور المحامي في المجتمع: ففي فرنسا، المحامي شريك في بناء العدالة، وليس مجرد أداة لتنفيذها. وفي المغرب، يبدو أن بعض التصريحات الرسمية تتجه نحو تجريم الاحتجاج المشروع.
ثالثًا: "التواطؤ" مقابل الإضراب: خلط خطير بين المفاهيم
إن وصف الإضراب بـ "التواطؤ" ليس مجرد خطأ قانوني، بل هو تجاوز خطير في التوصيف السياسي والقانوني. فالتواطؤ، وفقًا للقانون الجنائي، يفترض اتفاقًا غير مشروع وخفيًا يهدف إلى الإضرار بالقانون أو بمصالح الغير، أو عرقلة سير العدالة. أما الإضراب، فهو فعل علني ومشروع، يمارس في وضح النهار، ويعلن عنه مسبقًا، وله أهداف واضحة ومعلنة (الدفاع عن مطالب مهنية أو رفض مشروع قانون). إن إلباس الإضراب ثوب "التواطؤ" هو محاولة لتحويل عمل جماعي مشروع إلى جريمة، وهذا أمر خطير لأنه يُجرّم الممارسة الديمقراطية الأساسية.
كما أن الإضراب بطبيعته عمل جماعي، بل إن الطابع الجماعي هو جوهره وأساسه. فإذا أصبح كل عمل جماعي للمحامين محل شبهة، فإن الحق في الإضراب يفقد معناه تمامًا، ولن يبقى أمام المحامين سوى الخيارات الفردية العاجزة عن التأثير في السياسات العامة. إن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أن الإضراب هو أداة للتفاوض الجماعي، وهو معترف به في جميع الأنظمة الديمقراطية.
رابعًا: استقلالية مهنة المحاماة في خطر
إن ما يثير القلق حقًا هو ما تخفيه هذه التصريحات من رؤية معينة لدور المحامي في المجتمع. فاستقلالية مهنة المحاماة ليست مجرد شعار، بل هي شرط أساسي لتحقيق العدالة. المحامي الذي يُمنع من الاحتجاج أو يُوصم بـ "التواطؤ" لمجرد ممارسة حقه في الإضراب، هو محامٍ يُطلب منه أن يكون حاضرًا دائمًا في المحاكم، ولكن صامتًا في مواجهة التشريعات التي قد تمس بكرامته المهنية أو حقوق موكليه. هذا التناقض هو جوهر المشكلة.
إن دولة القانون لا تُبنى بإسكات المعارضين، بل بالحوار والاحترام المتبادل بين السلطات والفاعلين. وإصلاح العدالة لا يمكن أن يتم ضد المحامين، بل بالشراكة معهم. إن إضعاف صوت الدفاع هو إضعاف للعدالة نفسها. وإذا كان وزير العدل يرغب حقًا في تطوير منظومة العدالة، فعليه أن يفتح حوارًا جادًا مع المحامين، بدلاً من مهاجمة حقوقهم الأساسية.
خامسًا: الموقف الدولي والالتزامات المغربية
على الصعيد الدولي، المغرب ملتزم باحترام المعايير الدولية للعمل، وأهمها معايير منظمة العمل الدولية (ILO). فقد أكدت المنظمة مرارًا وتكرارًا أن الحق في الإضراب هو جزء لا يتجزأ من حرية تكوين النقابات، كما هو منصوص عليه في الاتفاقيتين رقم 87 و98. وقد شددت لجنة الخبراء التابعة للمنظمة على أن الحق في الإضراب لا يقتصر على العمال في القطاع الخاص فحسب، بل يمتد ليشمل الموظفين العموميين والمهن الحرة، بما في ذلك المحامون. وتستثني المعايير الدولية فقط الخدمات الأساسية بالمعنى الضيق للكلمة (مثل الجيش والشرطة والخدمات الطبية الطارئة)، وهي خدمات لا تنطبق على مهنة المحاماة.
إذا كان المغرب يسعى إلى تعزيز صورته كدولة حديثة تحترم حقوق الإنسان، فعليه أن يلتزم بهذه المعايير الدولية، وأن يتوقف عن ممارسة ازدواجية المعايير: التوقيع على الاتفاقيات الدولية من جهة، وتصرفات تتناقض مع روحها من جهة أخرى.
إن وصف إضراب المحامين بـ "التواطؤ" ليس مجرد خطأ قانوني، بل هو مؤشر مقلق على وجود رؤية تضيق الخناق على الحريات العامة وتهمش دور الفاعلين الأساسيين في بناء العدالة. إن إصلاح العدالة الحقيقي يبدأ من الاعتراف بحق المحامين في الاحتفاظ بكرامتهم واستقلاليتهم، بما في ذلك حقهم في الإضراب كوسيلة احتجاج مشروعة. فبدلاً من تصعيد الخطاب وإطلاق الاتهامات، حان الوقت لفتح حوار جاد ومسؤول، يحترم فيه الجميع الدستور والقوانين، ويتفقون فيه على أن العدالة لا تبنى على إسكات الأصوات، بل على سماعها جميعًا.
الدكتور سعيد ناوي /محام
[1] الإضرابات المهنية للمحامين في فرنسا جاءت خصوصًا خلال 2024 مع مناقشة المشروع وصياغته.





