vendredi 10 avril 2026
كتاب الرأي

الهزيتي محمد أنوار: نحو حكامة ترابية مندمجة بالمغرب.. من المركزية إلى التخطيط الصاعد متعدد المستويات

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
الهزيتي محمد أنوار: نحو حكامة ترابية مندمجة بالمغرب.. من المركزية إلى التخطيط الصاعد متعدد المستويات الهزيتي محمد أنوار

إعادة بناء نموذج حكامته الترابية، حيث لم يعد الإطار التقليدي القائم على المركزية قادراً على استيعاب التعقيد المتزايد الذي يطبع المجالات الترابية، ولا على معالجة التفاوتات المجالية التي ظلت تتراكم عبر عقود. فالتنمية لم تعد مجرد مسألة توزيع للاستثمارات، بل أصبحت رهينة بمدى القدرة على فهم الخصوصيات المحلية، واستثمار الإمكانات الذاتية لكل مجال ترابي، وبناء سياسات عمومية دقيقة ومتمايزة.

في هذا الإطار، يشكل اعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة تحوّلاً بنيوياً في فلسفة التدبير العمومي، حيث يتم الانتقال من منطق قطاعي عمودي، تُصاغ فيه السياسات على مستوى مركزي وتُنفذ محلياً، إلى منطق أفقي تكاملي يربط بين مختلف القطاعات داخل المجال الترابي نفسه، ويجعل من الالتقائية ركيزة أساسية للفعل العمومي . ويعكس هذا التحول وعياً متقدماً بأن الإشكالات التنموية – كالتشغيل، والتعليم، والصحة، والبنيات التحتية – هي بطبيعتها إشكالات مركبة لا يمكن معالجتها عبر تدخلات معزولة.

غير أن ما يمنح هذا التحول طابعه العميق هو اعتماده على مقاربة “صاعدة” (bottom-up)، حيث تنطلق عملية التخطيط من المستوى المحلي، عبر تشخيصات دقيقة تستند إلى معطيات ميدانية ومؤشرات سوسيو-اقتصادية، وتُبنى على مشاورات واسعة مع الساكنة والفاعلين المحليين. هذه المقاربة لا تعني فقط توسيع دائرة المشاركة، بل تعكس إعادة تعريف جوهر العلاقة بين الدولة والمجال، حيث يصبح التراب منتجاً للسياسات لا مجرد فضاء لتطبيقها.

ولضمان تفعيل هذه الرؤية، تم إرساء هندسة مؤسساتية متعددة المستويات، تقوم على توزيع دقيق للأدوار. فعلى المستوى المحلي، تتولى لجان يرأسها عمال العمالات والأقاليم إعداد البرامج وتتبع تنفيذها، مع إشراك المنتخبين والمصالح اللاممركزة، بما يضمن القرب من المواطن والقدرة على التقاط الحاجيات الفعلية. وعلى المستوى الجهوي، تضطلع لجان بقيادة ولاة الجهات بمهمة تجميع هذه البرامج وضمان انسجامها، بما يحول دون التشتت أو التداخل بين المشاريع. أما على المستوى الوطني، فتتولى لجنة برئاسة رئيس الحكومة مهمة التحكيم الاستراتيجي والمصادقة، بما يضمن وحدة التوجهات وتعبئة الموارد .

هذا التنظيم يعكس محاولة دقيقة لتحقيق توازن بين اللامركزية والقيادة المركزية، أو ما يمكن تسميته بـ“اللامركزية المؤطرة”، حيث لا تنسحب الدولة من دورها، بل تعيد تموقعها كفاعل استراتيجي ضابط يضمن العدالة المجالية والتماسك الوطني. وهو توجه يتجاوز ثنائية المركز/المحيط نحو نموذج شبكي قائم على التفاعل المستمر بين مختلف مستويات القرار.

ومن بين أبرز ملامح هذا التحول أيضاً، إعادة هيكلة أدوات التنفيذ عبر إحداث شركات مساهمة جهوية، تحل محل الوكالات التقليدية. ويعكس هذا الاختيار انتقالاً من نموذج “الإدارة المنفذة” إلى نموذج “الفاعل المدبر”، الذي يستلهم آليات القطاع الخاص من حيث المرونة وسرعة اتخاذ القرار وثقافة الأداء . غير أن هذا التوجه، رغم ما يحمله من إمكانات لتحسين النجاعة، يطرح تحديات مؤسساتية دقيقة، تتعلق بضبط حكامة هذه الكيانات، وتحديد علاقتها بالسلطات المنتخبة، وضمان عدم انحرافها عن أهداف المرفق العمومي.

وفي موازاة ذلك، تم تعزيز آليات المراقبة والتقييم، من خلال إخضاع البرامج لتدقيق سنوي مشترك بين أجهزة الرقابة، في إطار تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن فعالية هذه الآلية تظل رهينة بمدى توفر مؤشرات دقيقة لقياس الأداء، وبقدرة صناع القرار على إدماج نتائج التقييم في إعادة توجيه السياسات، بدل الاكتفاء بوظيفة وصفية للتقارير.

أما التحول الرقمي، فيمثل رافعة أساسية لهذا النموذج الجديد، حيث يتيح إحداث منصة رقمية وطنية لتتبع البرامج الانتقال نحو حكامة قائمة على المعطيات، تقوم على الشفافية، وإتاحة المعلومات، والتتبع اللحظي لتنفيذ المشاريع. لكن هذا التوجه يستدعي بدوره تطوير بنية تحتية رقمية متكاملة، وتعزيز قابلية الأنظمة للتشغيل البيني (interoperability)، وتوحيد قواعد البيانات، بما يسمح باستغلال فعلي للمعطيات في اتخاذ القرار.

وعلى المستوى القانوني، يشكل تعديل القانون التنظيمي للجهات دعامة مركزية لهذا التحول، إذ يسعى إلى إعادة توزيع الاختصاصات بين ما هو ذاتي ومشترك، ومعالجة إشكالية التداخل التي طالما أعاقت الفعالية الترابية، فضلاً عن تعزيز الموارد المالية للجهات بما يمكنها من ممارسة اختصاصاتها بشكل مستقل. غير أن الاستقلال المالي يظل مشروطاً بقدرة الجهات على تعبئة مواردها الذاتية، وتحسين حكامة نفقاتها.

ورغم الطابع الطموح لهذا النموذج، فإن نجاحه يظل رهيناً بتجاوز مجموعة من الإكراهات البنيوية. في مقدمتها، التفاوت الكبير في القدرات بين الجماعات الترابية، سواء من حيث الموارد البشرية أو الخبرات التقنية، مما قد يؤدي إلى فجوات في جودة التخطيط والتنفيذ. كما تطرح مسألة الالتقائية تحدياً معقداً، بالنظر إلى تعدد الفاعلين وتباين مصالحهم، وهو ما يتطلب آليات تنسيق فعالة وثقافة مؤسساتية قائمة على التعاون.

إلى جانب ذلك، يظل الرهان الحقيقي للمقاربة التشاركية مرتبطاً بمدى قدرتها على التأثير الفعلي في القرار العمومي، إذ أن توسيع دائرة المشاورات لا يضمن بالضرورة إدماج مخرجاتها في السياسات النهائية، ما لم يتم تأطيرها بآليات مؤسساتية واضحة تضمن فعاليتها.

في المحصلة، يعكس هذا الورش الإصلاحي انتقال المغرب نحو نموذج متقدم في الحكامة الترابية، يجمع بين التخطيط الصاعد، والتدبير المرن، والرقمنة، والمساءلة متعددة المستويات. وهو تحول لا يقتصر على الأدوات والمؤسسات، بل يمس جوهر الفعل العمومي، من خلال إعادة تعريف دور الدولة وعلاقتها بالمجال والمجتمع، بما يفتح المجال أمام تنمية أكثر إنصافاً ونجاعة واستدامة، قادرة على الاستجابة لتحديات الحاضر واستشراف رهانات المستقبل.

 

الهزيتي محمد أنوار: خبير في التنمية الترابية وعضو المعهد الدولي للعلوم الإدارية

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg