ليس من السهل على الضمير الإنساني السليم أن يتقبل قولًا يُنسب إلى الفقه الإسلامي القديم مفاده أن الزوج غير مُلزَم بعلاج زوجته المريضة، وكأن العلاقة الزوجية عقدُ انتفاعٍ لا ميثاقُ رحمة، وكأن المرأة كائن وظيفيّ تُقاس قيمته بقدر ما يُنتج ويخدم، لا بكونه إنسانًا مكرّمًا في ذاته. إن هذا الفهم، مهما قيل عن استناده إلى بعض الأقوال الفقهية التراثية، يصطدم اصطدامًا مباشرًا بروح الشريعة الإسلامية ومقاصدها الكبرى، بل ويتعارض مع النصوص القرآنية والسنّة النبوية الشريفة التي أسست لمنظومة أخلاقية قائمة على الرحمة والعدل والإحسان .
وإذا ما انتقلنا إلى هذه الأقوال الفقهية، نجد أن اتجاهًا غالبًا لدى جمهور الفقهاء قد استقر على أنه -للأسف- لا يجب على الزوج علاج زوجته المريضة سواء كان مرضها بجنون أوغيره، ولا يدخل ثمن علاجها ضمن النفقة الواجبة، حيث اعتُبر التداوي من الحاجات الطارئة التي لا تدخل في دائرة الالتزام الأصلي.. ولهذا قرر فقهاء المذهب الحنفي، كما عند الحصكفي الحنفي وشارحه ابن عابدين، أن الزوج لا يُلزم بتوفير الدواء ولا بتحمل أجرة الطبيب ولا الفصد ولا الحجامة، وفي هذا الاتجاه ذهب فقهاء الشافعية، ومنهم الخطيب الشربيني، أن العلاج وأجرة الطبيب والحجام ونحو ذلك لا تدخل في الواجب، ولم يخرج فقهاء الحنابلة عن هذا الإطار، حيث نصّ البهوتي على أن الزوج غير مُلزَم بالأدوية ولا بأجرة الأطباء..غير أن هذا البناء الفقهي، على ما فيه من اتساق داخلي ضمن منطق المذهب، يثير إشكالًا عميقًا عند مقارنته بالكليات المقاصدية للشريعة الإسلامية، إذ يبدو أنه يفصل بين مقتضيات العقد الزوجي بوصفه إطارًا قانونيًا، وبين أبعاده الأخلاقية والإنسانية التي أكدتها النصوص الشرعية المؤسسة .
إن دين الإسلام جاء ليحرر الإنسان، رجلًا كان أو امرأة، من كل أشكال الاستعباد المادي والمعنوي، وليؤكد أن الكرامة الإنسانية أصلٌ ثابت لا يتجزأ. يقول الله تعالى: "ولقد كرّمنا بني آدم"، وهذا التكريم لم يُقيّد بجنس أو حال، بل هو شامل لكل إنسان. فكيف يُتصور بعد ذلك أن تُترك المرأة، وهي زوجة وشريكة حياة، تصارع المرض وحدها بحجة أن علاجها ليس واجبًا شرعيًا على زوجها؟
إن هذا القول المنسوب إلى بعض الفقهاء، وإن وُجد في كتب التراث، لا يمكن فهمه خارج سياقه التاريخي والاجتماعي، ولا يجوز تحويله إلى حكم مطلق يُقدّم على مقاصد الشريعة وروحها. فالفقه ليس نصًا مقدسًا، بل هو اجتهاد بشري يتأثر بزمانه وبيئته، ويصيب ويخطئ. ومن هنا فإن إعادة النظر في مثل هذه الأقوال ليست خروجًا عن الدين، بل هي عودة إلى جوهره الحقيقي .
إن القرآن الكريم حين وصف العلاقة الزوجية قال: "وجعل بينكم مودة ورحمة"، وهذه الآية ليست مجرد وصف شاعري، بل هي قاعدة تأسيسية للعلاقة بين الزوجين. والمودة والرحمة ليستا مشاعر عابرة، بل التزام عملي يترجم في مواقف الحياة المختلفة، خاصة في أوقات الضعف والمرض. فكيف تتحقق الرحمة إذا تُركت الزوجة بلا علاج؟ وأي مودة تبقى إذا تخلى الزوج عن مسؤوليته الإنسانية تجاه شريكة حياته وهي على فراش المرض؟.
ولم تكتفِ الشريعة بالدعوة العامة إلى الرحمة، بل جسد النبي ﷺ هذا المعنى في سلوكه اليومي. فقد ثبت في الصحيح أنه كان إذا مرض أحد من أهله قام على خدمته، وكان يُظهر من العطف والرعاية ما يعكس أسمى معاني الإنسانية. بل إن النبي ﷺ قال: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"، وهذا الحديث يضع معيار الخيرية في حسن المعاملة داخل الأسرة، لا في التشدد في الأحكام أو التمسك الحرفي بالنصوص دون فهم مقاصدها .
ومن اللافت أن بعض الفقهاء الذين لم يروا وجوب علاج الزوجة، استدلوا بعدم وجود نص صريح يُلزم بذلك، وكأن الأصل في العلاقات الإنسانية هو الإباحة لا الوجوب، حتى يرد نص خاص. وهذا منهج قاصر في فهم الشريعة، لأن الإسلام لم يأتِ ليُفصّل كل جزئية بنص مستقل، بل وضع قواعد عامة ومقاصد كلية يُرجع إليها في استنباط الأحكام. ومن هذه القواعد: قاعدة رفع الضرر، وقاعدة جلب المصلحة، وقاعدة الإحسان، وكلها تدل بوضوح على أن ترك الزوجة بلا علاج مع القدرة على ذلك يُعدّ ضررًا بيّنًا، ومخالفة صريحة لمقاصد الشريعة الإسلامية.
إن القول بأن المرض "حالة عارضة" لا يُلزم الزوج بعلاج زوجته، هو قول يتجاهل طبيعة الحياة الإنسانية، حيث المرض جزء لا يتجزأ من التجربة البشرية. وإذا كانت النفقة واجبة لتأمين الغذاء والكساء والسكن، فكيف يُستثنى العلاج، وهو في كثير من الأحيان شرط أساسي لبقاء الحياة نفسها؟ أليس حفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة؟.
لقد اتفق العلماء على أن من مقاصد الشريعة الخمسة هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. ولا شك أن ترك المريض بلا علاج يُهدد مقصد حفظ النفس، وهو مقصد أعلى من كثير من الأحكام الجزئية. فكيف يُقدّم اجتهاد فقهي على مقصد كليّ متفق عليه؟.
إن من المؤلم حقًا أن يُقارن بعض الفقهاء بين المرأة والبهيمة في باب الرعاية، فيُشددون على وجوب الإحسان إلى الحيوان وعلاجه، بينما يتساهلون في حق الزوجة. وقد ورد في الحديث أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض. فإذا كان هذا الوعيد في حق حيوان، فكيف بمن يُهمل إنسانًا شريكًا في الحياة؟.
إن هذا التناقض لا يمكن تفسيره إلا بوجود خلل في المنهج، حيث طغت القراءة الحرفية للنصوص على الفهم المقاصدي، وغابت الرؤية الشمولية التي تربط بين الأحكام الجزئية والمبادئ الكلية. كما لا يمكن إنكار أن بعض التصورات الاجتماعية القديمة قد أثرت في الفقه، فتم النظر إلى المرأة من زاوية وظيفية، لا إنسانية، وهو ما يتعارض مع روح الإسلام.
غير أن الواقع اليوم يفرض إعادة قراءة هذه المسائل في ضوء مقاصد الشريعة وتغير الأحوال. فالمرأة اليوم شريك فاعل في المجتمع، تسهم في العمل والإنتاج، وتتحمل مسؤوليات متعددة داخل الأسرة وخارجها. ومن غير المقبول شرعًا ولا عقلًا أن تُعامل بمنطق الانتفاع المؤقت، أو أن يُتخلى عنها عند المرض.
إن الفقه المقاصدي لا يكتفي بالنظر إلى ظاهر النص، بل يسعى إلى فهم الغاية منه، وتحقيق المصلحة التي جاء من أجلها. ومن هذا المنطلق، فإن القول بوجوب علاج الزوجة ليس فقط قولًا إنسانيًا، بل هو أقرب الى روح الشريعة وأهدافها. بل يمكن القول إن عدم علاجها مع القدرة على ذلك يُعدّ نوعًا من الإهمال المحرّم، لأنه يؤدي إلى الضرر، ويتنافى مع الإحسان الذي أمر الله به.
إن الإسلام الذي أمر بالإحسان إلى الحيوان، ونهى عن تعذيبه، لا يمكن أن يرضى بإهمال الإنسان، خاصة إذا كان هذا الإنسان زوجةً لها حق الصحبة والمودة. وإن النبي ﷺ الذي كان يخدم أهله، ويواسيهم، ويقف إلى جانبهم في المرض، هو القدوة التي يجب أن يُحتذى بها، لا بعض الاجتهادات التي نشأت في سياقات مختلفة.
وفي الختام، فإن نقد هذا النوع من الأقوال الفقهية ليس طعنًا في العلماء، بل هو دعوة إلى تجديد الفقه، وإعادته إلى أصوله الحقيقية القائمة على الرحمة والعدل. فالشريعة الإسلامية لم تُبنَ على القسوة، بل على التيسير، ولم تُشرّع لإهانة الإنسان، بل لتكريمه. وكل فهم يُخالف هذه المبادئ، مهما كان مصدره، يحتاج إلى مراجعة وتصحيح.
إن المرأة ليست متاعًا، ولا آلة، ولا كائنًا وظيفيًا، بل هي إنسان كامل الكرامة، لها من الحقوق ما للرجل، وعليها من الواجبات ما عليه، ضمن إطار العدل والتكامل. وأي فقه لا يعترف بهذه الحقيقة، فهو فقه بحاجة إلى إعادة نظر، حتى ينسجم مع جوهر الإسلام، ويُحقق مقاصده في بناء مجتمع يقوم على الرحمة والإنسانية.
الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية





