رغم ضخ الحكومة المغربية مليارات الدراهم في عدد من برامج الدعم خلال السنوات الأخيرة—سواء تعلق الأمر بدعم مربي الماشية، أو دعم استيراد اللحوم الحمراء والحبوب، أو دعم مهنيي النقل الطرقي والمحروقات—فإن الأثر المباشر على القدرة الشرائية للمواطن ظل محدودًا، بل يكاد يكون غير محسوس لدى فئات واسعة من المجتمع. هذا الوضع يطرح بإلحاح سؤال الفعالية: لماذا لم تنعكس هذه الجهود المالية الكبيرة على الواقع المعيشي للمغاربة؟
في الواقع، لا يمكن تفسير هذا التباين بعامل واحد، بل هو نتيجة تداخل عدة اختلالات بنيوية وسياقية. أول هذه العوامل يتمثل في التضخم، الذي التهم جزءًا كبيرًا من أثر الدعم. فخلال السنوات الأخيرة، عرفت أسعار المواد الغذائية والطاقة ارتفاعًا ملحوظًا، مدفوعًا بعوامل دولية كاضطراب سلاسل التوريد وارتفاع أسعار المواد الأولية، إضافة إلى عوامل داخلية مثل توالي سنوات الجفاف. ونتيجة لذلك، فإن أي دعم يتم ضخه غالبًا ما يُمتص بسرعة داخل السوق دون أن يترجم إلى انخفاض ملموس في الأسعار.
إلى جانب ذلك، يطرح إشكال طبيعة الدعم نفسه، حيث إن جزءًا مهمًا منه يُوجه بشكل غير مباشر إلى المهنيين (مستوردين، ناقلين، فاعلين في سلاسل الإنتاج)، على أمل أن ينعكس ذلك إيجابًا على الأسعار النهائية. غير أن هذا الرهان لا يتحقق دائمًا، بسبب تعدد الوسطاء وضعف المنافسة في بعض الأسواق، ما يؤدي إلى احتفاظ بعض الفاعلين بهوامش ربح مرتفعة بدل تمرير الدعم إلى المستهلك. وهنا يظهر بوضوح خلل في آليات الضبط والمراقبة، حيث لا يتم في كثير من الأحيان ربط الاستفادة من الدعم بالتزام فعلي بخفض الأسعار.
كما أن اختلالات الاستهداف تشكل بدورها عائقًا كبيرًا أمام تحقيق العدالة والنجاعة. فبعض الفئات المستحقة لا تصلها الاستفادة، سواء بسبب ضعف التسجيل أو هشاشة أوضاعها في القطاع غير المهيكل، في حين قد تستفيد فئات أخرى أقل استحقاقًا نتيجة غياب قواعد بيانات دقيقة ومحيّنة. ورغم الجهود المبذولة لإطلاق برامج الدعم الاجتماعي المباشر، فإن فعاليتها ما تزال محل نقاش، خصوصًا في ما يتعلق بتحديد الفئات المستهدفة بدقة.
ولا يقل عن ذلك أهمية إشكال الحكامة، حيث يعاني تنزيل برامج الدعم من تعدد المتدخلين وغياب التنسيق الكافي بينهم، فضلًا عن ضعف آليات التتبع والتقييم. ففي كثير من الحالات، يتم التركيز على حجم الاعتمادات المالية المرصودة، دون تقديم تقييم واضح لمدى تحقيق الأهداف، مثل تأثير الدعم على الأسعار أو على دخل الأسر. ويزيد من تعقيد هذا الوضع محدودية الشفافية، إذ لا تتوفر معطيات مفصلة للرأي العام حول المستفيدين الفعليين من بعض أشكال الدعم، خاصة المرتبطة بالاستيراد، ولا حول أثرها الحقيقي في السوق.
في المقابل، يلاحظ أن الحكومة المغربية لم تعتمد حزمة دعم طارئة واسعة النطاق على غرار ما قامت به بعض الدول الأوروبية مثل إسبانيا، وهو ما يثير تساؤلات إضافية. غير أن هذا الاختلاف يمكن تفسيره بعدة اعتبارات، في مقدمتها محدودية الهامش المالي المتاح، حيث لا يملك المغرب نفس القدرة على تعبئة الموارد أو تحمل مستويات مرتفعة من العجز والمديونية. كما أن الاختيارات الحكومية تميل إلى تفضيل الدعم الموجه بدل الدعم الشامل، باعتباره أكثر استدامة على المدى الطويل، حتى وإن كان أقل تأثيرًا في المدى القصير.
إضافة إلى ذلك، تختلف بنية الاقتصاد المغربي عن نظيرتها في الدول الأوروبية، إذ يظل أكثر عرضة للتقلبات المناخية والضغوط الخارجية، خاصة في ظل اعتماده النسبي على القطاع الفلاحي والاستيراد. لذلك، يبدو أن الحكومة تراهن بشكل أكبر على إصلاحات هيكلية، مثل تعميم الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة منظومة الدعم، بدل اللجوء إلى إجراءات ظرفية مكلفة.
خلاصة القول، إن الإشكال لا يكمن فقط في حجم الموارد المرصودة للدعم، بل في مدى نجاعتها وقدرتها على الوصول إلى الفئات المستهدفة وإحداث أثر ملموس في السوق. فبين تضخم مرتفع، وضعف في الاستهداف، واختلالات في الحكامة والشفافية، يظل الدعم، رغم أهميته، عاجزًا عن تحقيق الغاية الأساسية منه، وهي حماية القدرة الشرائية للمواطنين بشكل فعلي ومستدام.
حنان أتركين، نائبة برلمانية بحزب الاصالة والمعاصرة





