samedi 4 avril 2026
اقتصاد

حنان أتركين: ثلاثة عوامل أجهضت فلسفة الدعم وعجزت عن حماية القدرة الشرائية

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
حنان أتركين: ثلاثة عوامل أجهضت فلسفة الدعم وعجزت عن حماية القدرة الشرائية حنان أتركين

رغم‭ ‬ضخ‭ ‬الحكومة‭ ‬المغربية‭ ‬مليارات‭ ‬الدراهم‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬الدعم‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة—سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بدعم‭ ‬مربي‭ ‬الماشية،‭ ‬أو‭ ‬دعم‭ ‬استيراد‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬والحبوب،‭ ‬أو‭ ‬دعم‭ ‬مهنيي‭ ‬النقل‭ ‬الطرقي‭ ‬والمحروقات—فإن‭ ‬الأثر‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطن‭ ‬ظل‭ ‬محدودًا،‭ ‬بل‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬غير‭ ‬محسوس‭ ‬لدى‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭. ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يطرح‭ ‬بإلحاح‭ ‬سؤال‭ ‬الفعالية:‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تنعكس‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬المالية‭ ‬الكبيرة‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬المعيشي‭ ‬للمغاربة؟

في‭ ‬الواقع،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬هذا‭ ‬التباين‭ ‬بعامل‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬تداخل‭ ‬عدة‭ ‬اختلالات‭ ‬بنيوية‭ ‬وسياقية‭. ‬أول‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬التضخم،‭ ‬الذي‭ ‬التهم‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬الدعم‭. ‬فخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬عرفت‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬والطاقة‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬ملحوظًا،‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بعوامل‭ ‬دولية‭ ‬كاضطراب‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الأولية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬داخلية‭ ‬مثل‭ ‬توالي‭ ‬سنوات‭ ‬الجفاف‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬دعم‭ ‬يتم‭ ‬ضخه‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يُمتص‭ ‬بسرعة‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يترجم‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬يطرح‭ ‬إشكال‭ ‬طبيعة‭ ‬الدعم‭ ‬نفسه،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًا‭ ‬منه‭ ‬يُوجه‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬إلى‭ ‬المهنيين‭ ‬(مستوردين،‭ ‬ناقلين،‭ ‬فاعلين‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإنتاج)،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬ينعكس‭ ‬ذلك‭ ‬إيجابًا‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬النهائية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرهان‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬دائمًا،‭ ‬بسبب‭ ‬تعدد‭ ‬الوسطاء‭ ‬وضعف‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأسواق،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬احتفاظ‭ ‬بعض‭ ‬الفاعلين‭ ‬بهوامش‭ ‬ربح‭ ‬مرتفعة‭ ‬بدل‭ ‬تمرير‭ ‬الدعم‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭. ‬وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬الضبط‭ ‬والمراقبة،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬ربط‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬بالتزام‭ ‬فعلي‭ ‬بخفض‭ ‬الأسعار‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬اختلالات‭ ‬الاستهداف‭ ‬تشكل‭ ‬بدورها‭ ‬عائقًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬أمام‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬والنجاعة‭. ‬فبعض‭ ‬الفئات‭ ‬المستحقة‭ ‬لا‭ ‬تصلها‭ ‬الاستفادة،‭ ‬سواء‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬التسجيل‭ ‬أو‭ ‬هشاشة‭ ‬أوضاعها‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬غير‭ ‬المهيكل،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬قد‭ ‬تستفيد‭ ‬فئات‭ ‬أخرى‭ ‬أقل‭ ‬استحقاقًا‭ ‬نتيجة‭ ‬غياب‭ ‬قواعد‭ ‬بيانات‭ ‬دقيقة‭ ‬ومحيّنة‭. ‬ورغم‭ ‬الجهود‭ ‬المبذولة‭ ‬لإطلاق‭ ‬برامج‭ ‬الدعم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المباشر،‭ ‬فإن‭ ‬فعاليتها‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬محل‭ ‬نقاش،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتحديد‭ ‬الفئات‭ ‬المستهدفة‭ ‬بدقة‭.‬

ولا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬أهمية‭ ‬إشكال‭ ‬الحكامة،‭ ‬حيث‭ ‬يعاني‭ ‬تنزيل‭ ‬برامج‭ ‬الدعم‭ ‬من‭ ‬تعدد‭ ‬المتدخلين‭ ‬وغياب‭ ‬التنسيق‭ ‬الكافي‭ ‬بينهم،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬آليات‭ ‬التتبع‭ ‬والتقييم‭. ‬ففي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬يتم‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الاعتمادات‭ ‬المالية‭ ‬المرصودة،‭ ‬دون‭ ‬تقديم‭ ‬تقييم‭ ‬واضح‭ ‬لمدى‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف،‭ ‬مثل‭ ‬تأثير‭ ‬الدعم‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬دخل‭ ‬الأسر‭. ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬محدودية‭ ‬الشفافية،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تتوفر‭ ‬معطيات‭ ‬مفصلة‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬حول‭ ‬المستفيدين‭ ‬الفعليين‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬أشكال‭ ‬الدعم،‭ ‬خاصة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالاستيراد،‭ ‬ولا‭ ‬حول‭ ‬أثرها‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬المغربية‭ ‬لم‭ ‬تعتمد‭ ‬حزمة‭ ‬دعم‭ ‬طارئة‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬مثل‭ ‬إسبانيا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬إضافية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيره‭ ‬بعدة‭ ‬اعتبارات،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬محدودية‭ ‬الهامش‭ ‬المالي‭ ‬المتاح،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬المغرب‭ ‬نفس‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تعبئة‭ ‬الموارد‭ ‬أو‭ ‬تحمل‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬العجز‭ ‬والمديونية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاختيارات‭ ‬الحكومية‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬تفضيل‭ ‬الدعم‭ ‬الموجه‭ ‬بدل‭ ‬الدعم‭ ‬الشامل،‭ ‬باعتباره‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬أقل‭ ‬تأثيرًا‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭.‬

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تختلف‭ ‬بنية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المغربي‭ ‬عن‭ ‬نظيرتها‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬إذ‭ ‬يظل‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للتقلبات‭ ‬المناخية‭ ‬والضغوط‭ ‬الخارجية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اعتماده‭ ‬النسبي‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬والاستيراد‭. ‬لذلك،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬تراهن‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬إصلاحات‭ ‬هيكلية،‭ ‬مثل‭ ‬تعميم‭ ‬الحماية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬منظومة‭ ‬الدعم،‭ ‬بدل‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬ظرفية‭ ‬مكلفة‭.‬

خلاصة‭ ‬القول،‭ ‬إن‭ ‬الإشكال‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الموارد‭ ‬المرصودة‭ ‬للدعم،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬نجاعتها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الفئات‭ ‬المستهدفة‭ ‬وإحداث‭ ‬أثر‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬السوق‭. ‬فبين‭ ‬تضخم‭ ‬مرتفع،‭ ‬وضعف‭ ‬في‭ ‬الاستهداف،‭ ‬واختلالات‭ ‬في‭ ‬الحكامة‭ ‬والشفافية،‭ ‬يظل‭ ‬الدعم،‭ ‬رغم‭ ‬أهميته،‭ ‬عاجزًا‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬الغاية‭ ‬الأساسية‭ ‬منه،‭ ‬وهي‭ ‬حماية‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطنين‭ ‬بشكل‭ ‬فعلي‭ ‬ومستدام‭.‬

 

حنان أتركين، نائبة برلمانية بحزب الاصالة والمعاصرة
 

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg