vendredi 3 avril 2026
كتاب الرأي

أسامة لمين: من التعدد إلى التضييق: من يحاول تغيير "جينات" الحزب الاشتراكي الموحد؟

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
أسامة لمين: من التعدد إلى التضييق: من يحاول تغيير "جينات" الحزب الاشتراكي الموحد؟ أسامة لمين

يعيش الحزب الاشتراكي الموحد منذ المؤتمر الأخير على إيقاع مفارقة سياسية عميقة تتمثل في اتساع رمزيته التاريخية مقابل تقلص فعاليته التنظيمية وتأثيره السياسي، وهي مفارقة تكشف أزمة بنيوية تتجاوز مجرد خلافات ظرفية أو صراعات أشخاص لتلامس سؤال الديمقراطية الداخلية وشرعية القيادة والقدرة على تجديد الفكر والممارسة السياسية داخل حزب نشأ أصلا من رحم تجربة يسارية راديكالية قاومت الاستبداد وساهمت في دعم الحراكات الشعبية والدفاع عن العدالة الاجتماعية والحريات العامة. فتاريخ الحزب نفسه يضعه أمام مسؤولية مضاعفة، إذ تشكل من اندماج تيارات يسارية متعددة ما جعله يقدم نفسه كفضاء للتعددية الفكرية والاختلاف، والإنزلاق الحاصل نحو التضييق على الرأي الديمقراطي المخالف أو مركزة تعسفية للقرار هو مفارقة صادمة مع فلسفته التأسيسية التي قامت على توحيد اليسار واحترام التعدد داخل الإطار التنظيمي.

 

أما الأزمة الحالية فتتجلى في انتقال الخلافات من مستوى النقاش الداخلي إلى الفضاء العمومي، وصل حد استنجاد الأمين العام والمكتب السياسي بوزارة الداخلية في شأن تنظيمي محض مثل حل أعرق فرع وأقدمه يتعلق الأمر بفرع إنشادن وطرد كاتبه والطعن لدى نفس السلطات في الجمع العام الناجح لإقليم اشتوكة أيت باها رغم اشراف عضو المكتب السياسي المنتدب من طرف المكتب الجهوي لسوس ماسة على أشغاله، وهي لحظة كاشفة لخلل عميق في آليات التدبير الديمقراطي، وقفزا على مؤسسات الحزب. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل وزاد حدة بعد إصدار المكتب السياسي لبلاغات للرأي العام حول أمور داخلية، وهو أمر لا يعكس قوة تنظيمية بقدر ما يكشف هشاشة الثقة الداخلية، وغياب قنوات الحوار الحزبية او بالأحرى إغلاقها تماما وقمع الحوار الداخلي، واتخاذ قرارات مصيرية خارج المؤسسات التقريرية أو في لقاءات لا تستوفي النصاب القانوني.


لا يكتفي المكتب السياسي بممارساته المسيئة لحزب الفقيد المرجعي لليسار الرفيق محمد بنسعيد أيت إيدر في معقله باشتوكة أيت باها بسوس ماسة بالطرد والحل وعرقلة تجديد هياكله الجهوية وذلك بسب انتقاد السياسة التي ينتهجها هذا المكتب السياسي فحسب، وإنما تجاوز كل الحدود والقوانين من محاولة تغيير جينات الحزب، والتعامل بسلطوية وازدواجية مع كافة فروع الجنوب، والاستقواء بالمركزية والكيل بمكيالين فيما يخص الشكايات والتظلمات المرفوعة من فروع اشتوكة ايت باها، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول العدل والمساواة واحترام المساطر القانونية التي تشكل أساس الشرعية التنظيمية  لأي حزب يساري يدعي الدفاع عن الديمقراطية.


وما يزيد الأزمة تعقيدا هو محاولة العقلية التحكمية داخل المكتب السياسي، وبعض العناصر داخل اللجنة الوطنية للتنظيم وسكرتارية المجلس الوطني، الطعن في شرعية تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب، والذي استوفى كافة الشروط القانونية المدرجة في القانونين الأساسي والداخلي للحزب، على علاتهما.


إذ فتح التيار باب نقاش فكري داخلي جاد ومسؤول داخل الحزب لمدة أزيد من سنتين، ونظم أكثر من أربعين اجتماعا لمناقشة وإعداد أرضيته ومواضيعها المتعددة والمستجدة، قبل المصادقة عليها.


وحيث إن هذه الدينامية خطفت الأضواء من المكتب السياسي وقياداته، فقد قررت العقلية التحكمية وأد الفكرة وكل اجتهاد فكري وسياسي، وقمع التيار، أو بالأحرى قتله في المهد. غير أن التيار ظل صامدا أمام المد الهائل من العثرات والعراقيل والمتاريس التي  وضِعت في طريقه.


وبعد أن قررت التنسيقية الوطنية عقد ندوة صحافية يوم 23 مارس 2026 بدار المحامي بالرباط، الإعلان عن تيار اليسار الجديد المتجدد كتيار شرعي وقانوني داخل الحزب الاشتراكي الموحد، لجأ المكتب السياسي، بشكل غير مسبوق، إلى إصدار بلاغين متتاليين موجهين للرأي العام، يحملان خطابا متسرعا وحادا ومشخصِنا، يختزل خلافا فكريا وتنظيميا في صراع أشخاص. وهو ما من شأنه أن يعمق الانقسام ويضعف صورة الحزب لدى الرأي العام. فحين يتحول النقاش السياسي إلى لغة الوعيد والتهديد بالطرد، تنتقل الأزمة من كونها خلافا داخل مجموعة سياسية إلى صورة حزب يعيش صراعا داخليا مفتوحا هذا ما تتحمل فيه القيادة مسؤوليتها الكاملة.


هذه المظاهر تكشف عن نزعة سلطوية تحكمية غريبة عن حزبنا تسللت تدريجيا إلى آليات القرار، حيث يتم أحيانا الالتفاف على المؤسسات التقريرية أو تأجيل الحسم في أمور مهمة، بحجة (كم من حاجة قضيناها بتركها) ما خلق شعورا متناميا لدى أغلبية المناضلين بأن القرار الحزبي أصبح أكثر مركزية وأقل انفتاحا على النقاش. وهنا تتضح المفارقة الكبرى، حزب يرفع شعار الديمقراطية خارجيا يجد نفسه مطالبا بإعادة بنائها داخليا قبل كل شيء.

 

وأعتبر شخصيا أن تيار اليسار الجديد المتجدّد استجاب للركود والتكلس التنظيمي والتصحر الفكري الحاصل، مقدما نفسه كدينامية داخلية لا كتيار انشقاقي كما رُوج له، وظهور هذا التيار الذي أفتخر بالانتماء إليه والمشاركة في صياغة أرضيته، هو ما يعكس في جوهره الآن حيوية داخلية لا ينبغي قراءتها كتهديد بل كعلامة على وجود حاجة موضوعية قوية مستعجلة للتجديد داخل الحزب، خطابا وممارسة، فهذا الاختلاف الحاصل في وجهات النظر ليس البتة خطرا، بل القيادة الغير الناضجة هي من تشكل الخطر الحقيقي على الحزب، بمواجتها لتيار اليسار الجديد المتجدد وقيادته بالتعنت والرفض أو التخوين بدل النقاش.


إن تيار اليسار الجديد المتجدّد طرح سؤال الفعالية التنظيمية والانفتاح السياسي، خصوصا في ما يتعلق بالقضايا التي ظل الحزب يتعامل معها بحذر مفرط أو صمت غير مفهوم، وعلى رأسها القضية الأمازيغية التي أصبحت اليوم محمية بالدستور وبالقانون التنظيمي وكذا بمناضليها النزهاء الذين ضحووا من أجلها بالغالي والنفيس، وتجاهل هذه القضية الوطنية أو تأجيل النقاش حولها ووضعها خارج أجندته السياسية والفكرية يضع الحزب في موقع متأخر عن التحولات المجتمعية، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة تيار "السيادة الشعبية" الذي يقود الحزب اليوم على مواكبة التحولات الثقافية والسياسية في البلاد، والتغييب المقصود للقضية الأمازيغية في أرضيته ولو بذكر مجرد كلمة "الأمازيغية" عن أي فصل من فصولها وهذا يطرح علامة استفهام حقيقية.

 

كما أن تجربة التواصل التنظيمي الضعيف مع الفروع، وغياب التفاعل مع مراسلاتها وتظلماتها وقضاياها السياسية والتنظيمية، يعكس خللا في مركزية القرار وتدبير العلاقة بين القيادة والقواعد. فعندما يشعر المناضلون/ات بأن المبادرة الوحيدة التي أعادت النقاش والحركية داخل الحزب جاءت من خارج المكتب السياسي الحالي، فإن ذلك يطرح سؤال الشرعية السياسية داخل التنظيم لا خارجه. فتراكم هذه المؤشرات يجعل الأزمة الحالية أزمة "قيادة" قبل أن تكون أزمة تيارات، فالصراع الحقيقي ليس حول وجود تيار من عدمه، بل حول كيفية إدارة الاختلاف داخل حزب يفترض أنه يقوم على التعددية، فرفض التصديق القانوني على وجود تيار داخلي أو تأجيل الحسم فيه بمبررات واهية قد أدى إلى الاعلان عنه عموميا بعد استيفائه لكافة الشروط التي يقرها القانون الاساسي والنظام الداخلي للحزب كما سلف ذكره. واستمرار تعنت المكتب السياسي وتضييع الزمن السياسي والمناورة من اجل عدم البث وحل عدة مشاكل تنظيمية أدى إلى تعميق الأزمة بدل حلها، ودفع الى نقل الخلاف من فضاء النقاش التنظيمي إلى فضاءات أخرى ستكون أكثر كلفة سياسيا وتنظيميا.

 

إن ما يعيشه الحزب اليوم هو لحظة مفصلية بين خيارين: إما استيعاب الاختلاف باعتباره مصدر قوة وتجديد، أو الانزلاق نحو تضييق داخلي يعمق الانقسام ويضعف الرصيد التاريخي للنضال اليساري الذي راكمه الحزب لعقود، وفي هذه اللحظة بالذات يصبح السؤال الحقيقي ليس من يملك الشرعية التنظيمية، بل من يملك القدرة على إعادة الروح لحزب ولد أصلا من فكرة التعدد والوحدة في آن واحد.

 

أسامة لمين/ عضو التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدّد وكاتب فرع ايت باها للحزب الاشتراكي الموحد

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg