dimanche 5 avril 2026
كتاب الرأي

عثمان باقة: حين تعلق الحريات النقابية في المغرب وتفرغ من مضمونها القانوني

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
عثمان باقة: حين تعلق الحريات النقابية في المغرب وتفرغ من مضمونها القانوني عثمان باقة

لم يعد التراجع عن الحقوق والحريات النقابية في المغرب مجرد انطباع أو خطاباحتجاجي، بل أضحى واقعا ماديا ملموسا يتجلى في الممارسة اليومية، داخل المعامل والإدارات، وفي علاقة الدولة بمواطنيها من الأجراء. إننا أمام انزياح خطير عن المكتسبات التاريخية التي راكمتها الحركة النقابية المغربية عبر عقود من النضال، وانقلاب صامت على روح الدستور ومقتضيات القانون الدولي للشغل.
لقد تحول الحق في الإضراب، الذي يفترض أن يكون أداة مشروعة للدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية للطبقة العاملة، إلى مجال للتضييق والتجريم المقنع. فبدل تأطيره بقانون يضمن ممارسته بشكل ديمقراطي، تم الدفع من طرف الباطرونا و وزارة الداخلية نحو تقنينه بمنطق الردع والضبط، بما يفرغه من جوهره النضالي ويخضعه لاعتبارات أمنية وإدارية ضيقة. وهنا تتجلى المفارقة: دولة تعلن التزامها بالمعايير الدولية، لكنها في الواقع تخضع أحد أهم الحقوق النقابية لمنطق التحكم.
أما على مستوى الحق في التنظيم النقابي، فإن الصورة أكثر قتامة. فواحدة من أخطر الممارسات التي أصبحت شبه ممنهجة، هي رفض تسلم ملفات تأسيس المكاتب النقابية، كما فرض تسليمها عبر المفوض القضائي الذي بدأ هو الاخر يعاني من صلف وتلكؤ الإدارة الترابية، أو الامتناع عن تسليم وصولات الإيداع القانونية. هذه الممارسات، سواء في القطاع العام أو الخاص، لا يمكن قراءتها إلا باعتبارها خرقا صريحا للقانون، وتواطؤا ضمنيا بين بعض مكونات الإدارة الترابية وأرباب العمل.
لقد بات المشهد عبثيا إلى حد السخرية السوداء: الإدارة ترفض تسليم الوصول، والباطرونا ترفض الاعتراف بالمكتب النقابي دون هذا الوصول وبالتالي ترفض استقباله، وكأننا أمام "اتفاق غير مكتوب" بين الطرفين مفاده: "أنت لا تمنحهم الشرعية، وأنا لا أعترف بهم". 
في هذا السياق، لا يقصى فقط العمل النقابي، بل يفرغ من معناه قبل أن يولد أصلا.
إن هذا الوضع لا يعكس فقط خللا إداريا، بل يكشف عن تصور سياسي يرى في النقابة إزعاجا يجب احتواؤه، بدل اعتبارها شريكا اجتماعيا أساسيا في بناء التوازنات. وهو ما يؤدي إلى توتير العلاقات داخل المقاولات، وتكريس مناخ من الاحتقان واللااستقرار الاجتماعي، يضر في النهاية بالاقتصاد الوطني نفسه.
وفي خلفية هذا المشهد، تقف حكومة تبدو، في أحسن الأحوال، عاجزة عن فرض احترام القانون، وفي أسوئها، متواطئة بالصمت. حكومة تتصرف وكأنها لا تحكم فعليا، وهي بالفعل لم ولن تحكم في اي زمن دستوري، لا قبل تشكيلها ولا أثناء ولا حتى بعد انتهاء ولايتها الدستورية. حكومة معلقة الإرادة، ما دامت "أم الوزارات" – تلك المجسدة  للبنية غير المرئية التي تتحكم في مفاصل القرار – تعلو فوق كل سلطة رسمية، فتجعل من المؤسسات المنتخبة مجرد واجهات شكلية.
إن تعليق الزمن الدستوري، وتعطيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ينعكسان مباشرة على واقع الحقوق والحريات. فحين تفرغ المؤسسات من مضمونها، يصبح القانون مجرد نص بلا قوة إلزام، وتتحول الحقوق إلى امتيازات تمنح أو تسحب حسب المزاج الإداري والسياسي.
من منظورنا النقابي التقدمي، لا يمكن القبول بهذا الانحدار. فالحريات النقابية ليست ترفا، بل شرطا أساسيا لتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان التوازن بين العمل ورأس المال. وهي أيضا معيار حقيقي لمدى ديمقراطية أي نظام سياسي.
إن المطلوب اليوم ليس فقط التنديد، بل إعادة الاعتبار للفعل النقابي كقوة اقتراحية ونضالية، والضغط من أجل:
1-  احترام الحق في تأسيس النقابات دون قيود إدارية تعسفية؛
2- تسليم وصولات الإيداع بشكل فوري وقانوني؛
3- وقف كل أشكال التضييق على حق الإضراب؛
4- فتح حوار اجتماعي حقيقي قائم على التوازن والاعتراف المتبادل.
إن المعركة من أجل الحريات النقابية في المغرب، هي في جوهرها معركة من أجل الديمقراطية ذاتها. فإما أن تكون النقابة فاعلا حرا ومستقلا، أو لا تكون. وفي غياب ذلك، لن يكون هناك حديث جدي عن دولة الحق والقانون، بل مجرد خطاب بلا سند في الواقع.


عثمان باقة 
الكاتب الإقليمي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل CDT بالرباط

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg