lundi 30 mars 2026
94b236ee-55fe-48e2-a6da-927a71b2e866.jpg
خارج الحدود

بسبب غياب خطط بديلة.. أزمة الطاقة تدخل مصر في ظلمة اقتصادية رهيبة

بسبب غياب خطط بديلة.. أزمة الطاقة تدخل مصر في ظلمة اقتصادية رهيبة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومشهد الظلام وهو يخيم على مفاصل القاهرة

في مصر، لم يعد الليل كما كان. قرار إغلاق المقاهي والمطاعم عند الساعة التاسعة مساءً ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل هو إعلان صريح عن دخول البلاد مرحلة حساسة من إدارة الندرة الطاقية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يُعالج هذا القرار جوهر الأزمة، أم يكتفي بنقل كلفتها إلى جيوب الفاعلين الاقتصاديين؟

الحكومة اختارت طريقًا يبدو، في ظاهره، أقل ضررًا: تقليص استهلاك القطاع التجاري بدل اللجوء إلى قطع الكهرباء عن المنازل. غير أن هذه المقاربة تُخفي مفارقة واضحة؛

فهي تحمي الاستقرار الاجتماعي على المدى القصير، لكنها تُقوّض دينامية الاقتصاد الليلي، وتضغط على قطاع يُعد من أكثر القطاعات هشاشة.

في مصر وبالأخص في القاهرة، المقاهي والمطاعم ليست مجرد فضاءات للترفيه، بل جزء من نسيج اقتصادي واسع يخلق فرص عمل ويحرّك الاستهلاك. وحين تُجبر هذه الأنشطة على الإغلاق المبكر، فإن مصر لا توفر الكهرباء فقط، بل نُقلّص أيضًا الدورة الاقتصادية، ونُعيد تشكيل نمط العيش الحضري بشكل قسري.

الأخطر من ذلك، أن مثل هذه القرارات قد تُرسل إشارات سلبية للمستثمرين، مفادها أن بيئة الأعمال قابلة للتقييد السريع تحت ضغط الأزمات، ما يطرح إشكالية الثقة والاستقرار.

المقارنة هنا ضرورية مع دول أخرى لفهم الخيارات الممكنة. 
في المغرب مثلا، لم يتم اللجوء إلى إغلاق شامل للأنشطة الليلية، رغم التحديات الطاقية. بدل ذلك، تم التركيز على الاستثمار في الطاقات المتجددة (خصوصًا الطاقة الشمسية والريحية)، 
برامج النجاعة الطاقية
وتحفيز الاستهلاك المسؤول دون قرارات تقييدية واسعة.

وفي فرنسا، خلال أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، تم اعتماد إجراءات رمزية وذكية، منها إطفاء الإنارة في المباني العمومية ليلًا، تقليص التدفئة في الإدارات
وحملات توعوية بدل فرض قيود قاسية على القطاع الخاص.

أما في ألمانيا، فقد تم اللجوء إلى مزيج من
الدعم الحكومي للشركات، تسقيف أسعار الطاقة وتسريع الانتقال الطاقي، دون المساس الجذري بساعات عمل الأنشطة التجارية.

الواضح أن  التجربة المصرية تكشف  خيارًا سريعًا وفعّالًا من حيث الأثر المباشر، لكنه يظل محدود الأفق استراتيجيًا. فبدل معالجة جذور الأزمة (الإنتاج، التنويع، البنية التحتية)، يتم التعامل مع أعراضها عبر تقليص الاستهلاك بشكل قسري.

هذا النوع من الحلول قد يكون مبررًا في لحظة طارئة، لكنه يصبح إشكاليًا إذا تحول إلى نمط دائم. لأن الاقتصاد، بطبيعته، لا يزدهر في بيئة تُدار بمنطق الطوارئ.

ويبقى التحدي الحقيقي في أنه لا يكمن في تقليص الاستهلاك فقط، بل في إعادة التفكير في نموذج الإنتاج والتوزيع.
وفي النهاية، يبقى الرهان: هل تتحول الأزمة إلى فرصة لإصلاح عميق، أم تبقى مجرد حلقة جديدة في سلسلة تدبير الأزمات قصيرة المدى؟