“من أجل تملك حقوقي للتكنولوجيات وتملك تكنولوجي للحقوق”
دون الاستثمار في التكنولوجيات الرقمية والفضاء الرقمي، تغامر ولايات حقوق الإنسان والنهوض بها براهنيتها وقدرتها على مواصلة النهوض بثقافة حقوق الإنسان والحريات، في عالم مرقمن.
هذه واحدة من الخلاصات الرئيسية التي دافع عنها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في جنيف هذا الأسبوع بمناسبة انعقاد مؤتمر التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، ب "عاصمة" الحقوق جنيف، أو على الأقل المقر الأممي للحقوق.
من خلال تدخلات رئيسته، السيدة آمنة بوعياش، التي قادت هذه السنة نقاشات التحالف المرتبطة بالتكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والفضاءات الرقمية، في أول جمع عام ومؤتمر سنوي تترأسه بتحالف "گانري" بعد انتخابها رئيسة له السنة الماضية، ومن خلال ترافعات متفرقة، في لقاءات ونقاشات متعددة، سلط المجلس الوطني لحقوق الإنسان فيها الضوء على تحديات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات والفضاءات الرقمية ومخاطرها على الحقوق والحريات، وأيضاً على فرصها وراهنية الاستثمار فيها، سواء بالنسبة للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان أو بالنسبة للفعل الحقوقي بشكل عام.
الأرقام لا تكذب!
أكثر من 57 مليون اشتراك نقال بالمغرب إلى حدود نونبر 2025 (1)، حوالي 41 مليون ونصف مستخدم إنترنيت، بمعدل اختراق يتجاوز 112 في المائة (2)، إلى حدود دجنبر الماضي، حوالي 23 مليون حساب "فايسبوكي"، أكثر من 21 مليون ونصف "يوتوبي"، ما بين 15 و16 مليون "تيكتوكي" و"انسغرامي" (3) دون إغفال الفضاءات الرقمية الأخرى سناب شات، لينكيند ان، اكس، تريدز، ديسكور…، ودون الحديث عن ما يمكن أن يكون أخطر، تطبيقات المحادثات المغلقة!
أذكر بالأرقام بالمغرب لراهنيتها بالنسبة لنا في سياقنا الوطني… واقع الحال وهيمنة المنصات الرقمية لا تختلف عن ذلك، في غالبية دول المعمور… هذا واقع عالم اليوم!
حقوق الإنسان تتواجد أينما يتواجد الناس، ليس فقط لنشر ثقافة حقوق الإنسان، بل للوقاية والرصد وحماية الحقوق… خاصة في ظل استمرار "التحلل" من مسؤوليات النشر في منصات مجانية الاستخدام، قيمتها السوقية تتجاوز الناتج الداخلي الخام لدول مجتمعة… لا ضرر من إعادة التذكير هنا أن السلعة هي نحن وانتباهنا والوقت الذي نقضيه بهذه المنصات!
من التضليل، إلى انتهاك الخصوصية؛
من الاستهداف لغايات تجارية وسياسية وإيديولوجية إلى انتشار خطاب الكراهية والاستقطاب؛
من المس بالحق في المعلومة إلى التأثير في المسارات الانتخابية؛
من الإدمان إلى أثار التأثير على سلوك الأطفال (أنظر الحكم الأخير على ميتا ويوتيوب(4)، فضلا عن إعطاء منصات الأولوية لرفع تفاعل المستخدمين ونمو المنصات، رغم وجود أبحاث داخلية وتقارير تفيد أن تصميم المنصة يسبب ضررًا للمراهقين، خصوصًا فيما يتعلق بالصحة النفسية، وصورة الجسد، والتعرض لمحتوى ضار)؛
ومن الديب فايك والديب نود والديب بورن إلى العنف الذي تيسره التكنولوجيا - أنظر موقع حملة مانسكتوش على العنف 2025 (5) إلى إعادة تشكيل الوعي الجماعي على نطاق غير مسبوق…؛
من المس بالحق المطلق في الرأي إلى باقي التأثيرات غير المرئية، من توجيه السلوك دون وعي، وخلق واقع موازٍ من “الحقائق” وإعادة تشكيل القناعات الفردية والجماعية، والانغلاق جراء الانحباس في "فوقعات" رقمية…؛
وصولا إلى المس بالحق المطلق في الحياة.
لسنا هنا أمام مخاطر "تقنية"، بل أمام تحول عميق في طبيعة السلطة نفسها: سلطة لا تُمارس بالقانون أو العنف، بل بالخوارزميات، بالترتيب، بالإخفاء، وبإدارة الانتباه.
جزء يسير هذا من التأثيرات المحتملة لخوارزميات وتكنولوجيات رقمية غير مصممة ولا مدربة، في الأصل، وفقا لمقاربة تقوم بالأساس على حقوق الإنسان والحريات الأساسية… بل لتعظيم الربح، ولو على حساب الحقيقة والكرامة والحقوق ولا حتى الاستقرار الديمقراطي.
هي ليست محايدة، دون شك، لكنها تبقى رغم ذلك كله فضاءات تفرض نفسها، "حاضنة للحقوق والحريات" (6)، ليست امتداداً للواقع… بل لها القدرة على إعادة تشكيله… سلبا أو إيجابا.
صحيح أن تواجد الفاعل الحقوقي واستثماره في الفضاءات والتكنولوجيات الرقمية، يطرح سؤالاً أخلاقياً شديد التعقيد، بالنظر للأثار السلبية للمنصات على حقوق الإنسان… ليصبح الاستثمار في هذه المنصات دعما لها، وأحيانا يكون ذلك على حساب مشهد صحفي تداعى "نصيبه" من الإشهار، يبقى (هذا النصيب) مهددا بالإنهيار بشكل كامل، إذا لم يكن قد انهار فعلا في حالات عديدة.
هي معادلة ليست باليسيرة، دفعت عددا من المؤسسات والهيئات الحقوقية إلى التخلي أو على الأقل تقليص حضورها في هاته المنصة أو تلك، لأسباب مشروعة، ترتبط أساسا بعدم القدرة أو بالأحرى عدم الرغبة في الحد من انتشار الخطاب الذي يطرح إشكالات حقوقية جسيمة، بل والتشجيع عليه بحجة حرية التعبير، وهذا نقاش حقوقي آخر يستحق تحليلا معمقا لاحقا.
لكن الكرسي الفارغ لا يجدي أبدا… خاصة في ظل استفحال الادمان على المنصات، وفي التأثير على الحقوق والحريات!
الفاعل الحقوقي يحتاج إلى تعزيز تموقع الفعل الحقوقي الجماعي داخل هذا التحول العميق. لذلك، فإن ولايات حقوق الإنسان مدعوة اليوم إلى الانتقال إلى منطق استباقي، ترصد فيه الخوارزميات والانتهاكات وتتعزز فيه بشكل كبير التوعية الحقوقية والتحسيس داخل المنصات والتأثير فيها.
الأمر لا يتعلق فقط باعتماد أدوات جديدة، بل بإعادة تعريف الوظيفة الحقوقية ذاتها، بشكل يسمح بفهم عميق لاقتصاد البيانات وإدراك مطلق لآليات الإشراف على المحتوى وأدوات التحليل الرقمي القادرة على مواكبة سرعة الانتشار في فضاءات تتشكل فيها القناعات، وتُصنع فيه السرديات، وتنتهك فيها الحقوق… أحياناً كثيرة جراء نماذج اقتصادية قائمة على جذب الانتباه، حتى وإن كان ذلك على حساب كل شيء آخر، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
السعي كل السعي أن نتمكن من إعادة هندسة هذا الفضاء وهذه التكنولوجيات وفق مبادئ حقوق الإنسان ومسائلة الفضاءات الرقمية ونظم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية … وهذا ما أكدت عليه رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في مداخلتها الإفتتاحية للمؤتمر السنوي للتحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (7)، الذي شارك في افتتاحه، رفقة بوعياش، المفوض السامي لحقوق الإنسان ورئيس مجلس حقوق الإنسان، ومدير (administrator) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بحضور كبير ومتميز لرؤساء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان عبر العالم وشركاء ومنظمات حقوقية كثيرة.
هو ترافع رباعي، قاده المجلس الوطني لحقوق الإنسان، هذا الأسبوع بجنيف، من أجل حكامة الفضاءات الرقمية والذكاء الاصطناعى ومواجهة مخاطرها… من أجل أن تكون حقوق الإنسان بوصلة النظم والخوارزميات ولكن أيضا من أجل ولوج منصف واستفادة الجميع من التكنولوجيا، وإدماج التكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في ولايات الفاعل الحقوقي، ومن بينهم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
حقوق الإنسان تنتهك بصمت وبسرعة في كل هذه الفضاءات الرقمية. لكن الحقيقة الأخرى، وهي بنفس القدر من الأهمية، أن هذه التكنولوجيات والفضاءات عندما يحسن استخدامها وتوجيهها، يمكن أن تتحول إلى رافعة قوية لحماية الحقوق والنهوض بها.
الرهان إذن، ليس في الاختيار بين الرفض أو القبول، بل في القدرة على التملك الحقوقي للتكنولوجيات والتملك التكنولوجي للحقوق.
1- Digital 2026: Morocco (Nov. 2025)
2- ANRT, OBSERVATOIRE1 DES ABONNEMENTS A INTERNET AU MAROC, Situation à fin Décembre 2025
3- معطيات مستخرجةمن بيانات المنصات
4- Jury finds Meta and Google negligent in social media harms trial, NPR, March 25, 2026
5- https://16days.cndh.ma
6- التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان بالمغرب 2019
7- Le rôle des Institutions nationales des droits de l’Homme dans la protection et la promotion des droits de l’Homme dans l’espace numérique, Allocution de Madame Amina Bouayach, Présidente de l’Alliance globale des Institutions nationales des droits de l’Homme - GANHRI 2026
https://cndh.ma/sites/default/files/2026-04/GANHRI conference annuelle 2026.pdf





