يوضح العلمي الحروني، المنسق الوطني لتيار اليسار الجديد المتجدد داخل الحزب الاشتراكي الموحد، السياق التاريخي والاستراتيجي للتيار، مؤكدا أنه من داخل الحزب ويهدف إلى تجديده دون انشقاق.
ويبرز الجدوى الاستراتيجية للتيار في مواجهة الشعبوية والمحافظة، مشددًا على أرضيته الفكرية (275 صفحة) التي تستحضر قيم المواطنة والأممية والعلمية، مع نقد للقيادة الحالية بـ»النزعة التحكمية» ودعوة لتحالفات يسارية واسعة مبنية على أسس صلبة.
ما هو السياق التاريخي والسياسي الدقيق الذي أدى إلى تأسيس تيار اليسار الجديد المتجدد، وهل نحن مع تيار من داخل الحزب الاشتراكي الموحد أم أرضية لتأسيس حزب يساري جديد؟
لقد أكدت التنسيقية الوطنية للتيار في كلمتها خلال الندوة الصحافية ليوم الاثنين 23 مارس 2026 بدار المحامين بالرباط، على أن تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد، ونؤكد ذلك من جديد من خلال منبركم. غير أن الأرضية نتوجه بها أيضا لعموم مكونات اليسار الجديد المناضلة في إطار الشرعية القانونية (الدستور) وللتيار الذي لم يعلن عن نفسه بعد لكنها تنشط علنا في الإطارات الجماهيرية ووسط مكونات الحراك الشعبي المغربي وفي إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، كما تتوجه أرضية اليسار الجديد المتجدد كذلك إلى الحركة الثقافية الأمازيغية الديمقراطية وعموم التنظيمات الديمقراطية المستقلة والفعاليات الثقافية والفنية والسياسية التي لها مصلحة في التغيير الديمقراطي الفعلي ببلدنا. بالتالي فمشروعنا كبير يهدف إلى بناء تيار يساري اشتراكي كبير بالتنسيق والحوار مع كافة المكونات السالفة الذكر.
أما فيما يخص سياق تأسيس تيار اليسار الجديد المتجدد، فبعد ما وصلنا إليه من ضعف بعد محاولات تذويب حزبنا كمكون أصيل من مكونات اليسار الجديد وسط الحركة الاتحادية المنشقة عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية التي التأمت بحزب الفيدرالية، قرر المناضلات والمناضلين قبل المؤتمر وخلال نقاشات اللجنة التحضيرية للمؤتمر الخامس إعادة بناء الحزب على أسس منطلقات اليسار الجديد مع تجديدها فكريا وسياسيا وتنظيميا. غير أن القيادة الحالية انحرفت يمينا عن هذا التوجه، ما دفع المناضلين إلى فتح نقاش رفاقي عميق مباشرة بعد المؤتمر دام أزيد من سنتين نظمت خلال هذه الفترة ما يزيد عن أربعين جمعا عاما من التفكير والعصف الذهني إلى أن تبلورت أرضية اليسار الجديد المتجدد التي ساهم فيها الجميع. وخلال كل هذه المدة عرفت الفروع التي ينتسب مناضلوها إلى التيار دينامية لافتة في الوقت الذي كانت القيادة الحالية للحزب شاردة وتائهة وكانت حصيلتها صفرية.
في ظل التحديات السياسية الحالية بالمغرب، ما هي الجدوى الاستراتيجية لهذا التيار في الساحة السياسية عموما، خاصة مع انتشار الاتجاهات الشعبوية والمحافظة؟
تنبع الجدوى الاستراتيجية لتيار اليسار الجديد المتجدد من كونه محاولة واعية لإعادة بناء الفعل اليساري على أسس المنطلقات الفكرية والسياسية والتنظيمية لليسار الجديد وتجديدها، قادرة على التفاعل مع التحولات العميقة التي يعرفها المغرب والعالم. ففي سياق يتسم بانتشار الشعبوية وصعود التيارات المحافظة، وتراجع الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي، يطرح هذا التيار أفكارًا نقدية بناءة بهدف استعادة اليسار الجديد للمبادرة الفكرية والسياسية داخل المجتمع.
لقد رصدت أرضية اليسار الجديد المتجدد اختلالات الحقل السياسي، ودعت إلى خوض صراع الأفكار ضد الهيمنة النيوليبرالية العالمية ووكلائها المحليين ببلدنا وصراع مع المفاهيم السائدة، عبر إعادة تأويلها وإعطائها مضامين تقدمية تخدم العدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقيقية. لقد نشأ اليسار الجديد من رحم الحراك الشعبي خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي ومنه يستمد قوته وممارسته السياسية، غير أنه وبعد ستة عقود بات مشتت القوى وانقسم وأصابه الوهن خاصة لأسباب ذاتية تتعلق بالانغلاق والاختراق والزعاماتية.. وغادر بيئته وحاضنته الاجتماعية وانجر وراء سراب وأوهام استحقاقات لا تنتج أي تقدم في دمقرطة الدولة والمجتمع المغربيين، ولذلك ندعو إلى تجديد انخراطه في الديناميات المجتمعية المواطناتية والحراكات الشعبية والنقابية والطلابية، باعتبارها مدرسة للنضال الديمقراطي المنتج.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يهدف التيار إلى بلورة مشروع يساري متجدد يستند إلى قيم المواطنة، والعلمية، والأخلاقية، والأممية، ويواكب التحولات في بنية المجتمع، خاصة مع بروز أشكال جديدة من العمل والإنتاج، مما يفرض الانتقال من التصورات الطبقية التقليدية إلى فهم أكثر تركيبًا للمجتمع، كما تعكسه أطروحة «الحشد».
كما يشكل هذا التيار محاولة لإعادة وصل اليسار بعمقه الثقافي والحضاري، من خلال قراءة يسارية نقدية للمسألة الدينية، وتثمين الهوية الأمازيغية لبلدنا دون مركب نقص، واعتبار الحقل الثقافي حقلا للصراع مع الاستبداد، بما يساهم في تجاوز غربته داخل المجتمع المغربي حيث الشعب المغربي مسلم وبهوية أمازيغية أصلية منفتحة ومتلاقحة مع الثقافات الأخرى الوافدة. وبالتالي فإن "اليسار الجديد المتجدد" يتجاوز الذات التنظيمية الحزبية ليفتح أفقًا استراتيجيًا لإعادة بناء الثقة في المشروع اليساري كقوة اقتراحية وتغييرية.
لكن المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد لايرى في هذا التيار، غير مهمة توجيه الاتهامات وليس هناك أي أرضية فكرية أو سياسية، كيف ترد على ذلك؟
تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد. قدمت أرضيته الفكرية والسياسية والتنظيمية خلال الندوة الصحافية ليوم 23 مارس 2026 بدار المحامين بالرباط تحت شعار: «رؤية استراتيجية يسارية لحزب المستقبل ولمغرب الغد».
الأرضية نتيجة لمجهود أدبي فكري دام أزيد من سنتين: أزيد من 40 جمعا عامًا ولقاءات عصف ذهني، وقعها أربعون رفيقا ورفيقة، كاملي العضوية في المجلس الوطني لم تتخذ في حق أي منهم أي إجراء تنظيمي وهم من خيرة الأطر الحزبية، 20% شباب و20% نساء كما تحدده قوانين حزبنا، «ولائحة الانتظار متوفرة». أرضية اليسار الجديد المتجدد أُرسلت رسميا للحزب وللجنة التحكيم يوم 08 أكتوبر 2025 ولم يُجب عليها في الأجل القانوني المحدد في 10 أيام، كما تم تقديمها ومناقشتها بالمجلس الوطني في دورته الرابعة بتاريخ 12 أكتوبر 2025 وهذا يعلمه الرفاق والرفيقات. كما نظم تيار اليسار الجديد المتجدد ندوة وطنية بالرباط حول النزاع في الصحراء الغربية المغربية في ظل التحولات الجيوسياسية الدولية بمناسبة الذكرى 33 لاستشهاد الرفيق عبد السلام المودن «الصحراء المغربية» بتاريخ 9 نونبر 2025 بقاعة عمومية بالرباط، وأعد التيار مذكرة حول الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية وأرسلت للحزب رسميا بتاريخ 30 نونبر 2025 ولم يتفاعل معها، بل الأنكى أنه تبرأ منها بما يسمى ببلاغ توضيحي «موجه» اعتبرناه فضيحة تنضاف لسابقاتها: وبالتالي فنحن لا نشتغل في السرية لكننا نؤسس لممارسة سياسية يسارية حقيقية.
أرضيتنا تستحضر الذاكرة النضالية لتجديد الممارسة السياسية، ومن الدروس المستخلصة من الحراك الشعبي المغربي، تبدو الحاجة لتجديد اليسار باعتباره تيارًا فكريًا ديناميكيًا. وأي حديث عن تجديد اليسار، فكرا وممارسة، بمعنى البراكسيس، يستلزم التذكير بقيمه الأصيلة وخصائصه الأساسية ومبادئه المؤسسة التي تميزه، وأساسًا منها المواطنة، والعلمية، والثورية، ونهج الأممية، والأخلاقية، والشفافية، واعتبار الرأسمالية والأصولية نقيضين رئيسيين لمشروعه، والتجديد والإبداع في الأشكال النضالية، والتكاملية والتفاعلية بين/مع كافة الديناميات المجتمعية، النقابية والحقوقية والمواطناتية، محليا وإقليميا وأمميا. كلها ميزات يتمثلها ويمارسها اليساري الحقيقي ويناضل ويضحي من أجلها. . سياسي، عن حراك ديمقراطي حي بالحزب الاشتراكي الموحد وداخل عموم اليسار الجديد، وعن إرادة جماعية لإعادة بناء الفعل اليساري على أسس فكرية صلبة، ومرجعية علمية، ورؤية استراتيجية واضحة.
ما هي المعالم الكبرى لهذا اليسار الجديد المتجدد؟
تتكون أرضية اليسار الجديد المتجدد من 275 صفحة. وتشمل، طبقا لقوانين الحزب، خمس محاور أساسية تتعلق بالتوجهات الدولية الاستراتيجية الكبرى، والوضع السياسي القائم بالمغرب، والبرنامج الحزبي المطلوب والتحالفات والتنظيم والأداة التنظيمية، وبالإضافة إلى المحاور الخمس، كما تشمل الأرضية محورين مركزيين آخرين «خفيفين على اللسان وثقيلين في الميزان الفكري السياسي» يتعلق الأمر بـ «الهوية المغربية (نقصد بها القضية الأمازيغية) وكذلك قضية الثقافة الوطنية» من جهة و«المسألة الدينية والعلمانية». جميع هذه المحاور، تم تأطيرها تاريخيًا وفلسفيًا.
على المستوى الحزبي، انطلقت الأرضية من تقييم تجربة التحالفات السياسية انطلاقًا من جبهة اليسار الجديد السبعيني، مرورا بالكتلة الديمقراطية، فتجمع اليسار الديمقراطي، وأخيرًا تحالف اليسار وفيدرالية اليسار كتجربة مريرة دامت 14 سنة مرت بفترتين كل منهما سبع سنوات عجاف من الضياع والتيه السياسي (فترة 2007 – 2014 وفترة 2014 – 2021). وللأسف فشلت التحالفات الأخيرة بما فيها الاندماجيتان 2002 و2005 لأسباب ذاتية وموضوعية ولأنهما أتيتا عشية الانتخابات. فما أشبه اليوم بالبارحة...
هل يرى تياركم أن اليسار المغربي يعاني من تراكمات تاريخية تحول دون فعاليته، وكيف يساهم "اليسار الجديد المتجدد" في تجاوز هذه العوائق داخل المشهد اليساري؟
نعم، يعاني اليسار المغربي من تراكمات تاريخية عميقة أثرت سلبا على فعاليته السياسية والتنظيمية. فمنذ أحداث 1965، وما تلاها من قمع ومحاكمات، إلى فشل تجارب التحالفات السياسية، ظل اليسار يعاني من أزمات بنيوية تمثلت في ضعف التجديد الفكري، والانفصال النسبي عن الديناميات المجتمعية، والتردد في حسم قضايا مركزية مثل المسألة الدينية والثقافية.
كما ساهمت بعض الاختيارات السياسية، كالدخول في تحالفات ظرفية غير مؤسسة استراتيجيًا أو التي تفتقد للمنطق الفكري والإيديولوجي، في إضعاف مصداقية اليسار، إلى جانب عجزه عن استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة، مما أدى إلى ترك فراغات استغلتها قوى أخرى، سواء محافظة أو انتهازية.
في هذا السياق، يأتي «اليسار الجديد المتجدد» كمحاولة نقدية لتجاوز هذه التراكمات، عبر القيام بعملية تقييم شاملة للتجربة اليسارية، واستخلاص الدروس منها. فهو يدعو إلى تجديد الفكر اليساري بالانفتاح على اجتهادات معاصرة، وتطوير الماركسية كأداة تحليلية، بدل التعامل معها كمرجعية جامدة.
كما يسعى إلى إعادة بناء التنظيم الحزبي على أسس ديمقراطية وفعالة، وتعزيز التأهيل الإيديولوجي والسياسي للمناضلين، بما يمكنهم من التفاعل الخلاق مع قضايا المجتمع. ويؤكد أيضًا على ضرورة الحسم في قضايا ظلت مؤجلة، مثل العلاقة بين الدين والسياسة، والاعتراف بالمكون الأمازيغي كجزء أساسي من الهوية الوطنية السالفة الذكر.
إضافة إلى ذلك، يعمل التيار على ربط اليسار بالحراكات الشعبية، واعتبارها فضاءً لإنتاج الممارسة السياسية الحقيقية، بدل الاكتفاء بالعمل المؤسساتي التقليدي. وبهذا، يسعى «اليسار الجديد المتجدد» إلى تجاوز حالة الوهن، وإعادة بناء يسار قادر على الفعل والتأثير، ومواكبة تطلعات المجتمع نحو الحرية والعدالة والديمقراطية.
وصفتم قيادة الحزب الاشتراكي الموحد بالتحكمية وكنتم جزءًا من هذه القيادة، هل من السهل التنصل من كل التجاوزات المنسوبة لهذه القيادة؟
بلغت النزعة التحكمية أوجها منذ المؤتمر الخامس، واستمرت إلى اليوم بشكل أكثر وضوحا وحدة. ويتجلى ذلك في إقصاء عشرات الأطر الحزبية لمجرد حملهم آراء مخالفة، إلى جانب تهميش قيادات محلية بارزة، مقابل إغراق المجلس الوطني بعناصر موالية. وهكذا انقلبت الأدوار، فلم تعد القواعد هي التي تصنع القيادة، بل أصبحت القيادة هي التي تفصل القواعد على مقاسها.
وتتأكد هذه الصورة من خلال ما طال شبيبة الحزب، حيث تم التفريط فيها والدفع بمكتبها الوطني إلى المغادرة في صمت، وكذا القطاع الطلابي الذي تم وأده بإبعاد كاتبه الوطني، في مشهد يعكس إفراغ التنظيمات الموازية من روحها النضالية.
أما تمثيليتنا داخل المكتب السياسي السابق، كتيار اليسار المواطن والمناصفة، فلم تتجاوز ثلاثة رفاق، في حين ظلت مفاصل التنظيم والمالية بيد منطق التحكم. كنا، في الواقع، أغلبية من حيث الحضور الفعلي والتأثير الميداني، لكننا أقلية داخل المساطر والآليات. ورغم ذلك، ساهمنا بقوة في إطلاق ودعم العديد من المبادرات الجماهيرية، خاصة تلك المرتبطة بالحراك الشعبي في الريف وغيره من الديناميات، من بينها تنسيقية الوديان الثلاثة: واد نون، الساقية الحمراء، ووادي الذهب بالأقاليم الجنوبية.
غير أن ما يعرف داخل الحزب بـ «الطاحونة التنظيمية» ظل يمسك بكل الخيوط، محتكرا المعطيات والمفاتيح، وممارسًا سياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع المناضلات والمناضلين، ومعرقلًا تأسيس وتجديد الفروع التي لا تخضع لسيطرته. تجدر الإشارة إلى أن الآلة التحكمية هي من وراء طرد عديد من الرفاق الشباب بالمهجر والصحراء، لتبلغ قمة العبث بمراسلة مصالح وزارة الداخلية لطرد الرفاق وحل فرع إنشادن الذي يعتبر أول فرع أسسه الرفيق الفقيد محمد بنسعيد أيت إيدة بإنشادن والطعن لدى السلطات في جمع عام لتجديد المكتب الإقليمي لاشتوكة آيت باها بالرغم من إشراف عضو بالمكتب السياسي معروف بنزاهته وصرامته التنظيمية على الجمع العام.
ورغم كل ذلك، كانت مساندتنا للأمينة العامة السابقة قوية ومبدئية، انطلاقا من موقعها القيادي، وأيضًا دفاعًا عن حق امرأة في القيادة في وجه حملات ممنهجة، غذتها تصورات أصولية متخلفة تراهن على فشلها، استنادًا إلى أوهام تدعي أن المجتمعات لا تفلح إذا أُسندت قيادتها لامرأة. هي الآن تتعرض لحصار ممنهج صبياني، وبالمناسبة، والمناسبة شرط، نعلن التضامن المبدئي معها بالرغم من أخطائها في التقدير والحساب.
بينما تسعى معظم القوى اليسارية إلى التوحيد والاندماج لتعزيز قوتها، كيف يبرر تياركم كسر هذا التوجه، وما هي المخاطر والفرص الناتجة عن هذا النهج المستقل؟
وحدة اليسار حلم راود جميع المناضلين والمناضلات، لكنها لا يمكن أن تبنى إلا على أسس فكرية وسياسية صلبة ناضجة. ينطلق موقف التيار من تشخيص يعتبر أن الوحدة الشكلية، في ظل اختلالات بنيوية «بيروقراطية، تحكم، تغييب النقاش الرفاقي»، لا تعزز القوة بل تعمق العجز. لذلك، لا ننظر إلى ما سميتموه بـ «النهج المستقل» ككسر لمبدأ التوحيد، بل كشرط لإعادة بنائه على أسس سليمة.
تؤكد أرضية اليسار الجديد المتجدد أن التجارب الوحدوية السابقة أُفرغت من مضمونها بفعل هيمنة منطق تحكمي وبيروقراطي، ونزعة انتخابوية، إضافة إلى الزعاماتية والنرجسية المفرطتين، وغياب الحركية النضالية كعنصر حاسم في إنجاح أي مشروع وحدوي. فغاب الفعل الميداني، وحل محله جدل عقيم.
كما تشدد الأرضية على ضرورة تجديد فكري وتنظيمي عميق يسبق أي اندماج، حتى لا يتحول إلى «دكان انتخابي» فاقد للفعالية والأفق السياسي. ومن هذا المنطلق، نراهن مرحليًا على بناء الذات كمدخل لبناء وحدة نوعية، قائمة على الوضوح والديمقراطية والارتباط الفعلي بالمجتمع.
إن أولويتنا الراهنة هي إعادة بناء الأداة التنظيمية، وصياغة مشروع يساري واضح ومتماسك فكريًا وسياسيًا وتنظيميًا، بعيدًا عن مخاطر الذوبان في توافقات مفرغة من المضمون.
أما الاندماج، فله شروطه وسياقاته الخاصة. والتجربة الوحيدة في هذا الباب، المتعلقة بالحزب الاشتراكي الموحد سنتي 2002 و2005، جاءت في سياق انتخابي، وانتهت إلى الفشل قبيل انتخابات 2021، وهي تجربة تستدعي تقييمًا نقديًا عميقًا لاستخلاص الدروس.
ما هي الرؤية المستقبلية لتيار اليسار الجديد المتجدد في بناء التحالفات اليسارية الأوسع، وكيف يمكن أن يؤثر على إعادة تشكيل اليسار المغربي ككل؟
تناولت أرضية اليسار الجديد المتجدد قضية التحالفات السياسية المطلوبة في محورها الرابع بإسهاب، ولقد انطلقت من تقييم التحالفات السابقة للحزب من جبهة منظمتي 23 مارس وإلى الأمام إلى الكتلة الديمقراطية، ومن تجمع اليسار الديمقراطي وتحالف اليسار الديمقراطي وشكله المتقدم التمثيل في فيدرالية اليسار الديمقراطي وأيضًا من عملية تقييم التجربة الاندماجية لسنة 2002 و2005، خلص التقييم إلى خلاصة عامة مفادها فشل تلك التحالفات والاندماجات لكونها تحمل في أحشائها تناقضات وضعفًا ويغيب عنها الحزب-القاطرة، وبالتالي لم تعطِ نتائج حقيقية ليعود كل مكون إلى تنظيمه وأنتج الأمر خيبة أمل لدى المناضلين/ات.
نعتبر في تيار اليسار الجديد المتجدد أن التحالفات لا بد أن تتسم بالمنطقية وبنفحة إيديولوجية ولو في حد أدنى. كما نرى أن «التحالفات الظرفية» مع «التنظيمات الديمقراطية المتدبدبة» ضرورة حيوية لاستمرارية النضال من أجل الأهداف الاستراتيجية المسطرة.
هناك من يطرح سؤال توقيت إعلان التيار وتأثير ذلك على الحزب انتخابيا؟
لا يرتبط «تيار اليسار الجديد المتجدد» بالسياق الانتخابي إطلاقًا، فمشروعه التجديدي أعمق وأوسع، إذ يحمل بعدًا إنقاذيًا يهدف إلى وقف تآكل التنظيم وإنقاذه من حالة الاحتضار. واختزاله، من طرف بعض الجهات المغرضة في بعد انتخابي ضيق أو في البحث عن مقاعد وهمية بالأجهزة غير ذات موضوع، كما أن محاولات التشويش على التيار من طرف قيادة الحزب الاشتراكي الموحد تعد إخلالًا بطبيعة المبادرة ودلالتها الفكرية والسياسية.
أولًا، يشكل هذا التيار مبادرة وتعبيرًا عن نقاش فكري وسياسي وتنظيمي تراكَم داخل الحزب منذ حوالي عقدين ونصف، منذ بداية القرن الحالي، ليبلغ النقاش ذروته خلال الولاية الحزبية السابقة قبل المؤتمر الوطني لأكتوبر 2023، واستمر بعده إلى اليوم، وبلغ درجة لم يعد معها ممكنًا تأجيل التعبير العلني عنه، خاصة في ظل الانحراف الخطير للقيادة الحالية وقرصنتها للحزب، وما يتعرض له المناضلون والمناضلات من مضايقات، من بينها عمليات الطرد وحل فرع إنشادن وإبعاد العشرات منهم والدفع بالمئات للركون للصمت والتأمل.
وعليه، فإن توقيت الإعلان لم يكن قرارًا تكتيكيًا مرتبطًا بالاستحقاقات الانتخابية، بقدر ما كان استجابة لحاجة داخلية ملحة، ولظروف موضوعية مرتبطة بطبيعة الحقل السياسي المغربي.
ثانيًا، إن التأثير الحقيقي على الأداء الانتخابي للحزب لا ينتج عن وجود تيارات فكرية داخله، بل عن غياب فضاءات ديمقراطية لتدبير الاختلاف. فالأحزاب الحية تقوى بتعدد الآراء وحرية المبادرات الديمقراطية، وتضعف حين يتم كبتها أو تحويلها إلى صراعات تنظيمية مغلقة.
ثالثًا، نعتبر أن وضوح المواقف وتجديد الخطاب السياسي هو ما يعزز مصداقية الحزب لدى المواطنات والمواطنين، لا العكس. وبالتالي، فإن طرح نقاش عمومي مسؤول حول اختيارات الحزب عنصر قوة وليس عامل إضعاف.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا الآن؟ بل: لماذا يتم الخوف من النقاش الديمقراطي في هذا التوقيت؟ وهل مصلحة الحزب والتيار عمومًا تقتضي تأجيل التفكير والنقد، أم الانخراط فيهما بشكل ديمقراطي ومسؤول؟
إننا في تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد، ونسطر على هذا ليطمئن من يوزعون الاتهامات الباطلة بالانشقاق والذين لا ينتجون فكرة ولا يثقون غير التخوين الأرعن، نؤمن أن تجديد اليسار الجديد وبناء حزب قوي يمر عبر الوضوح والشجاعة في طرح الأسئلة، لا عبر تأجيلها أو إسكاتها.





