لا شك أن ملف النقل في الوسط القروي يشهد اليوم لحظة مفصلية، حيث تتقاطع فيه رهانات التنمية الترابية مع مقتضيات الحكامة الجيدة، ويتحول من مجرد خدمة مرفقية إلى رافعة استراتيجية تعكس مدى نجاعة السياسات العمومية في بلوغ عمق المجال الوطني… ومن ثم، يكتسي ما خلص إليه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أهمية خاصة، باعتباره تأطيراً مؤسساتياً يعيد ترتيب أولويات هذا الورش في أفق تحقيق نقل قروي دامج، مستدام وقادر على الصمود.
فقد نظم المجلس، يوم الأربعاء 25 مارس 2026، لقاءً تواصلياً لتقديم مخرجات رأيه حول موضوع: “نحو نقلٍ قرويٍ دامجٍ، مستدامٍ وقادرٍ على الصمود في خدمة الساكنة والمجالات الترابية”، وذلك بحضور ممثلي القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والهيئات الوطنية والدولية، إلى جانب فعاليات المجتمع المدني وخبراء ومتخصصين ووسائل الإعلام… وهي صيغة تؤكد، من زاوية تحليلية، أن المقاربة التشاركية لم تعد خياراً ثانوياً، وإنما أضحت مدخلاً أساسياً لإنتاج سياسات عمومية ذات أثر ملموس.
ويأتي هذا الرأي، الذي تم إعداده في إطار إحالة ذاتية، تأكيداً للاهتمام المتواصل بقضايا العالم القروي، حيث إن هذا المجال، الممتد على أكثر من تسعين في المائة من التراب الوطني، والذي يضم أزيد من 13.7 مليون نسمة، يمثل ثقلاً ديمغرافياً ومجالياً لا يمكن تجاوزه ضمن معادلة التنمية… وبالتالي، فإن إدراجه في صلب ورش الجهوية المتقدمة يعكس وعياً متزايداً بضرورة تحقيق التوازن بين مختلف المجالات الترابية، وفق منطق حكامة منصفة ومندمجة.
وفي هذا السياق، أكد عبد القادر أعمارة أن الولوج إلى وسائل نقل آمنة ومستدامة يشكل تجسيداً فعلياً لحرية التنقل المكفولة دستورياً، كما يمثل مدخلاً داعماً لفعلية حقوق أساسية أخرى، في مقدمتها التعليم والصحة والشغل والسكن… وهي مقاربة تؤسس لفهم مترابط للحقوق، حيث إن النقل لا يُختزل في بعده التقني، وإنما يتجاوز ذلك ليغدو أداة لتمكين المواطن من ممارسة حقوقه كاملة.
ومن المؤكد أن البرامج المنجزة لفك العزلة عن العالم القروي أسهمت في تحقيق تقدم ملموس، حيث ارتفع معدل الولوج إلى الطرق الصالحة للمرور طوال السنة من 54 في المائة سنة 2005 إلى 81 في المائة سنة 2022… غير أن هذه المكتسبات، رغم أهميتها، ما تزال تعاني من اختلالات في التوزيع المجالي، إذ تستمر مظاهر العزلة في المناطق الجبلية والنائية، كما أن تدهور الطرق غير المصنفة والمسالك القروية، في غياب صيانة مستدامة، يؤثر بشكل مباشر على استمرارية خدمات النقل ويرفع من مخاطر السلامة الطرقية.
وعلاوة على ذلك، سلط عبد الحي بسة الضوء على جملة من الإكراهات البنيوية التي تعيق تطوير النقل القروي، من بينها غياب إطار معياري منظم، وتقادم أسطول النقل المزدوج، وضعف تغطية وسائل النقل العمومي للمناطق المعزولة… إضافة إلى محدودية العرض في النقل المدرسي والصحي والمهني، فضلاً عن الطابع غير المنظم والهش لبعض هذه الأنماط، وهو ما يعكس، في عمقه، خللاً في منظومة الحكامة القطاعية.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، برزت توصية محورية تتمثل في وضع مخطط مندمج ومستدام للنقل في الوسط القروي، باعتباره ركيزة أساسية ضمن الميثاق الوطني للتنقل المستدام والشامل في أفق 2035… حيث إن هذا المخطط يقوم على مراعاة الخصوصيات المجالية لكل فضاء قروي، مع اعتماد أنماط تنقل متكيفة مع طبيعة المجال، بما يضمن الفعالية والاستدامة.
ومن الثابت أن هذا التوجه يتجاوز منطق التدخلات الظرفية نحو بناء رؤية استراتيجية قوامها إعادة تموقع “الدوار” كوحدة ترابية مرجعية، بما يسمح بتقريب الخدمات من الساكنة وتعزيز الاندماج المجالي… كما أن التركيز على تحديث البنيات التحتية وضمان استدامتها، وتأمين سلامة الأشخاص والممتلكات، يعكس إدراكاً عميقاً بضرورة الانتقال من منطق الإنجاز إلى منطق التدبير المستدام.
وفي هذا الإطار، دعا المجلس إلى تحديث وتعزيز الشبكة الطرقية القروية، عبر التصنيف التدريجي للطرق غير المصنفة وربطها بالمحاور الإقليمية والجهوية، بما يضمن ولوجاً منصفاً إلى الخدمات الاقتصادية والاجتماعية… كما أوصى بإدراج مقتضيات خاصة ضمن مدونة السير لتأطير حركة التنقل في الوسط القروي، وهو ما من شأنه تعزيز السلامة الطرقية وتقليص المخاطر.
كما تبرز أهمية مراجعة دفتر التحملات الخاص بالنقل المزدوج، من خلال إدماج معايير الجودة والسلامة، وإرساء آليات دعم كفيلة بضمان فعاليته… إضافة إلى تسريع إصدار النصوص التنظيمية المرتبطة باختصاصات الجهات في مجال النقل، بما يمكنها من الاضطلاع بدورها الكامل في التخطيط والتنظيم، انسجاماً مع مبادئ الجهوية المتقدمة.
ومن جهة أخرى، أكد المجلس على ضرورة تأمين نقل مدرسي وصحي ومهني آمن وفعال، عبر تعزيز آليات التدبير وتوفير وسائل ملائمة للتدخل الاستعجالي… حيث إن هذه الأنماط من النقل تمثل شرياناً حيوياً يربط الساكنة بالخدمات الأساسية، وأي اختلال فيها ينعكس مباشرة على جودة الحياة في الوسط القروي.
إضافة إلى ذلك، يكتسي بعد التمويل أهمية حاسمة، إذ أوصى المجلس بإرساء آلية مستدامة لتمويل البنيات التحتية والنقل القروي، بما يضمن الصيانة الدورية واستمرارية الخدمات… كما دعا إلى تطوير حلول تكنولوجية مبتكرة تستثمر الطاقات المتجددة والشبكات الذكية، بما يعزز الاستدامة ويواكب التحولات العالمية في مجال التنقل.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، حيث يشمل التوجه أيضاً تشجيع تصنيع مركبات ملائمة لخصوصيات المجال القروي، وتسريع رقمنة خدمات النقل، وإعداد مخططات للسلامة الطرقية تأخذ بعين الاعتبار الإكراهات الجغرافية والاجتماعية… وهي عناصر تؤكد أن الإصلاح المنشود يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين البنية، والتدبير، والابتكار.
وبالتالي، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في صياغة التوصيات، وإنما في قدرتها على التحول إلى سياسات عمومية مندمجة وفعالة، قادرة على إحداث أثر ملموس في حياة الساكنة القروية… حيث إن حكامة النقل القروي، في نهاية المطاف، تشكل مرآة تعكس مدى التزام الدولة بتحقيق العدالة المجالية، وضمان كرامة المواطن، وتكافؤ الفرص بين مختلف ربوع الوطن… وهي غاية تستوجب استمرارية الإصلاح، وتكامل الجهود، ورؤية بعيدة المدى قادرة على تحويل التحديات إلى فرص تنموية حقيقية.
