Wednesday 10 December 2025
كتاب الرأي

رضا الفلاح: الحكم الذاتي وشروط نجاحه في الأقاليم الجنوبية

رضا الفلاح: الحكم الذاتي وشروط نجاحه في الأقاليم الجنوبية رضا الفلاح
بعد مرور أسبوع على صدور القرار الأخير لمجلس الأمن رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025، بدأت تطفو على سطح النقاش العمومي تلك الأسئلة الحارقة التي لا مناص من طرحها بكل وضوح وصراحة ونحن في غمرة الإنتشاء بالنصر. وسنلخص هذه الأسئلة في ما يلي:
مع من سيتفاوض المغرب؟ القرار يعني بالطرفين المغرب وجبهة البوليساريو لكن هذه الأخيرة لا تملك لا الشجاعة ولا سيادة القرار، كما لا تملك ثقافة التفاوض الدبلوماسي وهو كيان متشبع منذ نشأته بأبشع صور الدكتاتورية . لقد كان رد فعلها بعد صدور القرار الأممي الأخير شبيها بردودها السابقة التي لم تتغير وكأن الزمن توقف منذ سنة 1973 عندما وُلدت لعبة في يد الجزائر وأداة من أدوات المعسكر الشرقي ضد المغرب، إلى أن تحولت إلى كيان انفصالي ضالع في كل الأعمال الخارجة عن القانون.
لماذا تتمسك البروباغندا المعادية بالإشارة إلى مبدأ تقرير المصير في القرار الأخير وعلى أساس ذلك تعتبر أن لاشيء تغير في قاموس ولغة مجلس الأمن؟ إنها فقط محاولة يائسة لتغطية الشمس بالغربال، لأنه عندما يجمع القرار الأممي في جملة واحدة بين مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ومبدأ تقرير المصير، فهذا ليس تناقضا أو صيغة لترضية للجميع، بل هو احترام كلي للشرعية الدولية واستناد لما توصل إليه القانون الدولي وما أقرته الأمم المتحدة وما أكدته التجارب الدستورية المقارنة و القرارات القضائية والفقه الدولي بشأن تقرير المصير الداخلي في مرحلة ما بعد الكولونيالية. فالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يتطابق مع تقرير المصير الداخلي في إطار نموذج دولة مستقرة تخوض تجربة ديمقراطية ناشئة، متبنية للجهوية المتقدمة وماضية في تنزيل نموذجها التنموي.
من هم ساكنة تندوف مع العلم أن النظام الجزائري يعاملهم كمحتجزين ويرفض إحصاءهم ولا أحد يعرف من هم وكم هم المغاربة أبناء القبائل الصحراوية ضمنهم؟ إن التفاوض يفقد جوهره وغايته إذا لم تتحدد بشكل مسبق ودقيق الخريطة البشرية في مخيمات تندوف. فالتسوية السياسية الدائمة مرهونة بطبيعة وتفاصيل العودة إلى الوطن الأم، لأن الحكم الذاتي هو تقسيم للسلطة في ظل السيادة المغربية والنخب المعنية به والتي ستعود للأقاليم الجنوبية يجب أن تقطع بشكل جذري مع كل ما استبطنته من عداء للمغرب لُقِن لها من أجهزة النظام الجزائري. إن التحديات التي يفرضها القرار 2797 ليست أقل جسامة وأهمية من تلك التي خاضها المغرب منذ قيام أقدم نزاع في القارة الإفريقية، إذ يعد أفق التسوية السياسية بداية لمرحلة جديدة من البناء الداخلي الذي سيصطدم لا محالة مع إشكالات حرجة من الداخل ومن الخارج تستوجب مقاربتها من منظور حرصنا على وحدتنا الترابية والوطنية، وعلى ضوء مفهوم الحكم الذاتي بكل نقاط قوته ونقاط ضعفه، وأيضا الوعي بشروط نجاحه و بالمحاذير من فشله. وهذا العمل البيداغوجي الذي يشرح ويحلل ما نحن مقبلون عليه ليس ترفا فكريا أو نقاشا في الدائرة الضيقة للمتخصصين في القانون الدولي والقانون الدستوري وعلم السياسة والعلاقات الدولية، بل هو أمر تفرضه ضرورة الفهم الحقيقي للرهانات المقبلة بعيدا عن لغة الانتصار أو منطق التفاؤل الطوباوي.
نقاط قوة الحكم الذاتي كأساس للتسوية السياسية
سننطلق أولا من نقاط القوة التي برهن عليها نموذج الحكم الذاتي في العديد من التجارب الدولية عبر العالم باعتباره سياسة تتضمن قدرا كبيرا من المرونة في اختيار المقاس المناسب وفقا لخصوصيات كل دولة وللسياق التاريخي والأسباب التي استدعت اختياره كحل دستوري يغير من هيكلة الاختصاصات داخل الدول ومن بنيتها في بعض الأحيان. يهدف الحكم الذاتي في نهاية الأمر إلى التوفيق بين مبدأ تقرير المصير ومبدأ السيادة والحفاظ على الوحدة الترابية، وهو بالتحديد ما ترسخ اليوم في تجارب دستورية متعددة كرستها الشرعية الدولية، وقد تم تجنب عدة نزاعات داخلية ودولية، وتم إيجاد الطريق نحو حلها بفضل تطبيق الحكم الذاتي.
أما بالنسبة لعوامل قوة مقترح الحكم الذاتي الذي طرحه المغرب سنة 2007 هو نبعه من قرار سيادي ولم تفرضه قوى أجنبية، إذ صدر عن إرادة مستقلة ولم يتراجع عنه المغرب بالرغم من رفضه المستمر من الجزائر والبوليساريو. وكذلك هو الشأن اليوم عندما أعلن ملك المغرب محمد السادس في خطابه يوم 31 أكتوبر 2025 عن العمل على تحيين وتفصيل هذا المقترح قبل تقديمه إلى الأمم المتحدة، لأن من المهم أن يبقى ورقة بين يدي المغرب يتحكم في مدخلاتها ومخرجاتها.
يحسم مقترح الحكم الذاتي بشكل نهائي خيار الحل الواقعي في إطار السيادة المغربية، وفي نفس الوقت يمنح مخرجا للأطراف الأخرى في ظل عدم واقعية الانفصال، كما لا يدع لها مجالا للاختباء وراء شعارات ومصطلحات بائدة، وهو ما عبر عنه القرار 2797 عندما دعا إلى التفاوض على أساس المقترح المغربي، وحثهم على تقديم أفكار استجابة لنفس المقترح وليس خارجه. وفي هذا الصدد، يمكن أن نستشف من خلال الخرجة الأخيرة للمبعوث الأممي دي ميستورا وتصريحات المسؤول الأمريكي مسعد بولس أن هناك محاولة لتطويع القرار الأممي بشكل يُقَربُه خطوة أو خطوتين نحو الطرح الجزائري، لكن الخطير في هذه المقاربة هو إمكانية جعل القرار الأممي موضوع مناورة بدل أن يكون دافعا جديا نحو الحل كما يُفهم من منطوقه وروحه وتفسيره الغائي. إن آخر ورقة بقيت اليوم لمعاكسة الوحدة الترابية لدى الجزائر هي الفصل بين السيادة والحكم الذاتي كأساس للتفاوض، وهو ما يُفهم من تصريحات وزير الخارجية الجزائري في لقاءه الأخير مع قناة تلفزية جزائرية. فالمناورة التي ينبغي استباقها تتمثل في احتمال دخول الأطراف الأخرى من باب التفاوض على أساس الحكم الذاتي، ثم الانقلاب عليه بتصورات تتعارض مع ما يحدده منطق السيادة.
يشكل اختيار نموذج مغربي للحكم الذاتي وتنزيله اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الدولة المغربية أن تعزز من موقعها التفاوضي عبر تحويل النزاع من صيغته الترابية إلى صيغة تعرض وتناقش الديمقراطية المحلية وتوزيع السلط والاختصاصات بين المركز والأقاليم الجنوبية، لكن دون المساس ببنية الدولة نظرا لما يمكن أن يترتب عن ذلك من توليد نزاعات جديدة، خاصة وأن أي تغيير في بنية الدولة قد يلقى مقاومات حتى من داخل الجهة المستفيدة من الحكم الذاتي.
نقاط ضعف الحكم الذاتي كأساس للتسوية السياسية
والأن فيما يتعلق بنقاط الضعف التي قد تجعل من الحكم الذاتي خيارا محفوفا بالمخاطر هو إمكانية خضوعه لأجندات خارجية أو ضغوط أجنبية، وأن يدخل الطرف الآخر في التفاوض بخلفية ترى في الحكم الذاتي مرحلة مؤقتة وانتقالية نحو مشروع انفصالي في المستقبل.
في بعض الحالات، قد يمس الحكم الذاتي مفهوم الهوية ويعيد تشكيلها في قوالب ضيقة ومتشددة تهدد اللحمة الوطنية وتضرب جوهر الهوية الوطنية الجامعة. فبالرغم من استبعاد حدوث انحراف من هذا الشكل في حالة المغرب، غير أن مفهوم الخصوصية يجب أن يؤطره المشترك وطنيا من أجل تجنب تسييسه في سياق صراع سياسي أو صراع حول الموارد. وفي بعض السياقات، يجب أن نضع في الحسبان بأن منح إقليم معين الحكم الذاتي قد يؤدي إلى فتح "علبة الباندورة" التي تعني هنا فرضية مطالبة أقاليم أخرى بالحكم الذاتي وهو ما من شأنه أن يشكل مصدر تهديد للوحدة الوطنية .
شروط نجاح مخطط الحكم الذاتي
وفي الختام، وأخذا بعين الاعتبار خصوصيات الحالة المغربية، سنعرض شروط نجاح مخطط الحكم الذاتي، وسنوجزها في النقاط الرئيسية التالية:
المطابقة بين مقترح الحكم الذاتي كأساس ونتيجة للتفاوض، واستباق أية مناورة قد تتبنى تأويلا للقرار يقوم على الفصل بين الأساس والنتيجة.
الحكم الذاتي ليس لحظة أو قرارا جامدا، بل يجب أن ينضج في مرحلة تفاوض تدرجي يشرك جميع الأطراف المعنية بالنزاع، وهو مسلسل يمتد تنزيله لسنوات ولا يمكن الحكم عليه إلا من خلال معايير مساهمته في تعزيز البناء الديمقراطي وانسجامه مع الوحدة الوطنية، وتأثيره على نجاح النموذج التنموي
لا يمكن تنزيل الحكم الذاتي إلا ضمن سياسة صارمة للقطع مع اقتصاد الريع، وتشجيع الاستثمارات المنتجة والخالقة للثروة ولفرص الشغل من أجل أن تتموقع الأقاليم الجنوبية كجسر يربط المغرب بعمقه الإفريقي ومنفتح على القارتين الأمريكيتين عبر ميناء الداخلة الأطلسي.
نجاح الحكم الذاتي رهين بقبول نهائي للأطراف الأخرى بالسيادة المغربية، واستبعاد أية صيغة لا تحترم ولو ذرة واحدة من مقومات السيادة، وأي تنازلات رمزية من قبل المغرب يمكن أن تعصف ليس بالحكم الذاتي فقط بل بالوحدة الوطنية ككل. ولهذا الغرض، من الضروري تحصين النموذج المغربي للحكم الذاتي دستوريا مع التأكيد في الباب المخصص للحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية على الدولة الموحدة ورموز السيادة والثوابت الوطنية.
لا يمكن توقع مسار المفاوضات ومسار التنزيل وهل ستتخللهما أية عراقيل أو أزمات، وعليه فإن من المنطقي عدم إزاحة سيناريو التراجع عن الحكم الذاتي إذا ما تبين أن شروط نجاحه غير محققة، أو في حالة قيام الخصوم بمناورات قد تزيغه عن سكته الصحيحة وتدفعه نحو مشروع انفصالي أو نحو آليات تصويتية يمكن أن تستغلها أطراف خارجية ضد المغرب.
 
رضا الفلاح، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة ابن زهر بأكادير