في لحظة تتزايد فيها انتظارات الشباب ويشتد فيها الضغط على سوق الشغل، يعود حزب الاستقلال ليطرح تصورًا مُحدَّثًا لمعالجة البطالة، ليس كملف تقني معزول، بل كاختبار حقيقي لقدرة النموذج التنموي على الإدماج والإنصاف. الجديد في هذا الطرح أنه ينتقل من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق “صناعة الفرص”، عبر مقاربة أكثر جرأة وواقعية في آن واحد.
أول ملامح هذا التحديث هو الانتقال إلى اقتصاد الفرص بدل اقتصاد الريع. فالحزب يراهن اليوم بشكل أوضح على تحفيز الاستثمار المنتج، خاصة في سلاسل القيمة الصناعية والخدمات الرقمية، مع دعم قوي لعلامة “صُنع في المغرب”. الهدف لم يعد فقط خلق مناصب شغل، بل خلق وظائف قابلة للتطور تواكب تحولات الاقتصاد العالمي، وتمنح الشباب أفقًا مهنيًا حقيقيًا، لا مجرد إدماج هش.
في العمق، يعزز الحزب توجهه نحو ريادة الأعمال كخيار استراتيجي للشباب. ليس عبر الشعارات، بل عبر الدعوة إلى تبسيط المساطر، توسيع الولوج إلى التمويل، ومواكبة حقيقية لحاملي المشاريع. هذا التحول يعكس إدراكًا متقدمًا بأن الجيل الجديد لا يبحث فقط عن وظيفة، بل عن الاستقلالية والابتكار. وهنا تكمن إحدى نقاط قوة المقترح: مخاطبة طموح الشباب بلغة المستقبل، لا بلغة الماضي.
في موازاة ذلك، يضع التصور المُحدَّث الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا في صلب معادلة التشغيل. دعم الشركات الناشئة، الاستثمار في المهارات الرقمية، وتحفيز الابتكار لم تعد خيارات ثانوية، بل أصبحت ركيزة أساسية لخلق فرص شغل ذات قيمة مضافة عالية. إنها قراءة واقعية لعالم يتغير بسرعة، حيث الوظائف التقليدية تتراجع لصالح وظائف جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.
لكن ما يمنح هذا التصور تماسكه هو ربطه الذكي بين التشغيل والعدالة الاجتماعية. فرفع القدرة الشرائية، ودعم الطبقة المتوسطة، وتحفيز الطلب الداخلي ليست مجرد إجراءات اجتماعية، بل أدوات اقتصادية لإعادة تشغيل عجلة الإنتاج. ببساطة: عندما يستهلك المواطن، تنتعش المقاولة، وعندما تنتعش المقاولة، تُخلق فرص العمل.
ومن بين أهم نقاط القوة أيضًا، إصرار الحزب على إصلاح جذري لمنظومة التعليم والتكوين. لم يعد مقبولًا تخريج آلاف الشباب دون مهارات مطلوبة في السوق. لذلك، يراهن التصور على ملاءمة التكوين مع حاجيات الاقتصاد، مع تعزيز التكوين المهني والمهارات التطبيقية. إنها محاولة لإعادة الاعتبار لقيمة “المهارة” في مواجهة تضخم الشهادات غير القابلة للتشغيل.
كما لا يغفل الطرح دور الجهات والمجالات الترابية في خلق فرص الشغل. فبدل تركيز الفرص في المدن الكبرى، يدعو الحزب إلى توزيع عادل للاستثمار، وربط المشاريع الكبرى بالتشغيل المحلي، بما يحد من الهجرة الداخلية ويخلق ديناميات اقتصادية جديدة في مختلف مناطق المغرب.
إن قوة هذا التصور لا تكمن فقط في تنوع إجراءاته، بل في روحه العامة:
روح تعتبر أن الشغل ليس امتيازًا، بل حقًا؛
وأن الشباب ليس مشكلة، بل الحل.
إنه مشروع يحاول أن يقول بوضوح: المستقبل لا يُنتظر… بل يُصنع.





