كامتداد لمقالي السابق، يتطرق هذا المقال لموقع جديد وغير مسبوق هو الآخر، أصبح المغرب يحتله دون كل الدول العربية والإفريقية والثالثية، ومعها عدد كبير من دول أوروبا وباقي القارات، ويتمثل في انضمام متجدد لبرنامج شديد الخصوصية لحلف الشمال الأطلسي، لا يسمح هذا الحلف وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية بأن ينخرط فيه إلا الشركاء الحقيقيون، المتمتعون بصفة الحليف الإستراتيجي، وبكامل الثقة، وهؤلاء خارج ذلك الحلف يكاد عددهم لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، ويكفي أن نعلم أن جمهورية جنوب إفريقيا بوصفها - سابقاً - أقوى دول القارة ومعها جمهورية مصر، العربية الإفريقية في آن واحد، لا تحلمان بهذا الانخراط، رغم أنهما كانتا سبّاقتين في الارتقاء عبر سلّم القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية إفريقياً وعربياً... قبلنا بعقود !!
الأمر وما فيه، أن الولايات المتحدة الأمريكية اختارت المملكة المغربية، بالذات، للانضمام إلى البرنامج التكنولوجي والسبراني الحربي والمتكامل، المعروف بالرمز "16 link"، والذي يجعل أي دولة منخرطة في فعالياته قادرة على الاستفادة والاستعمال الميداني الآني لشبكة معلوماتية تجعل الاتصال ممكناً ومتاحاً بين مختلف الأسلحة، المتوفرة لدى مختلف جيوشها، بحيث يسعُها رسمَ الخرائط في وقتها الواقعي وتحديد إحداثياتها، وتحديد مواقع الخصم أو العدو أو البؤر المطلوب رصدها أو ضربها، وتدوير كل هذه المعلومات في الوقت ذاته على جميع الأسلحة المشتغلة في الميدان من طائرات، ومسيَّرات، ومروحيات، ودبابات، ومدفعيات، وراجمات صواريخ، وبوارج حربية وفرقاطات وغواصات... بحيث يسهل توجيه ضرباتها في الوقت المناسب بالسرعة والدقة المناسبتَيْن في مختلف الاتجاهات والمواقع المستهدَفة، وكل ذلك، دونما حاجة إلى أي جهاز عسكري وسيط !!
لن أبالغ إذا قلت مثلا إن مملكة إسبانيا، وهي عضو كامل العضوية في حلف الناتو، لم تتمتع إلى غاية يومه بهذه الحظوة، وأن هذا الأمر قد دفعها فعلا إلى الإعلان رسمياً عن تخوفها من هذا الخط التصاعدي، الذي يأخذه جارها الجنوبي، المغرب، في احتلاله لهذا الدور الإستراتيجي في خارطة طريق حلف الشمال الأطلسي، بقيادة الولايات المتحدة بطبيعة الحال، التي يبدو أنها تهيّئ المغرب بالذات، للاضطلاع بدور شديد الحيوية إلى حد بعيد، يشبه نوعياً ما كانت تقوم به فرنسا داخل المحفل الأوروبي بُعَيْدَ الحربين العالميتين، كما سبق القول في مقالي السابق !!
بالمناسبة، فبرنامج "لينك 16" سالف الإشارة يعتبر أرقى وأخطر برنامج عسكري حربي هجومي في العالم، وفي هذا العصر، حتى أنه يشكّل حجر الزاوية في التدبير التكنولوجي لجيوش الحلف الأطلسي، ولعملياتها العسكرية الاستباقية، سواء الجارية أو المحتمَلة، في مختلف جهات المعمور، الشيء الذي يجعل المغرب في هذا البرنامج حجر الزاوية بدوره في التواجد العسكري لذلك الحلف في كل من القارة الإفريقية والوطن العربي، وكيف لا، والمغرب يشكّل بموقعه الجغرافي والجيواستراتيجي بوابة حقيقية بين كل من العالم العربي وإفريقيا من جهة، والقوى العظمى بالشمال والغرب في الجهة المقابلة... وهذا تكليف في غاية الخطورة والحيوية، لمغرب يبدو بكل تأكيد أنه لم يعد يشبه في شيء ما كانت عليه بلادنا قبل عقدين ونصف، بالتحديد !!
الأمر، إذَن، بدأ بتمكينِ المغرب من صفقات عسكرية تخطت بأشواط شاسعة مطلب ترسيخ القدرات "الدفاعية"، وصارت أقرب إلى تحقيق القدرات الميدانية "الهجومية" في أعقد تقنياتها واكثرها تطوراً؛ ثم تلا ذلك تمكينُه، أقصد المغرب دائما، من إمكانيات تصنيع وإنتاج أسلحة أكثر قوةً وأثقل وزناً تصنّف من لدن المختصين بالإستراتيجية؛ ثم تنصيبُه مُنتجاً ومصدّراً لأعتى الأسلحة ومزوِّداً رئيسياً لها على صعيد القارة الإفريقية؛ ثم جَعْلُه طرفاً وشريكاً استراتيجياُ في اتفاق جديد برسم العشرية 2036/2026، وهذا وحده يشكّل تمديداً عاجلاً ومفاجئاً وسابقاً لأوانِه لاتفاقية "الدفاع المغربي الأمريكي المشترك"، التي كانت تشمل العشرية 2030/2020، حتى قبل انقضاء فترتها الزمنية... والآن هاهو هذا المسار المتصاعد، والمتنامي بكل هذه السرعة، يُفضي إلى هذا الانخراط الجديد وغير المسبوق، بالنسبة لكل الدول الشريكة لحلف الناتو والمرتبطة بهذا الحلف من خارجه، فيما سبق وصفه ببرنامج "16 link"، الذي لا ريب أننا سنسمع عنه المزيد من الأخبار والمعطيات، التي تكاد توحي منذ هذه البداية بقرب انضمام المغرب للناتو رسمياً، ومَن يدري، فقد يُيَسِّر ذلك مأموريةَ المملكة المغربية في مشروعها الذي يتم طبخه على نار هادئة، والمتعلق بالانضمام العضوي للاتحاد الأوروبي، وساعتئذٍ، "باي باي ماما إفريقيا"، و"باي باي الخالة جامعة الدول العربية"، اللتان سيصبح المغرب في حظيرتَيْما أشبه ما يكون بممثل الاتحاد الأوروبي وحلف الشمال الأطلسي في كلتيْهما، وبتحصيل الحاصل "باي باي لهذا الاتحاد المغاربي المعوّق"، والذي لم نَرَ منه إلا النَّكَد... هكذا بكل هذا الوضوح وهذه الواقعية !!
"واللي ما عجبو الحال يشرب البحر"... ولجيراننا الشرقيين مرة أخرى... "العزاء في الشيراتون"... وعجبي !!!





