الأحد 11 يناير 2026
كتاب الرأي

محمد عزيز الوكيلي: الأزمة الفرنسية وبداية العد العكسي لانهيار الجمهورية الخامسة !!

محمد عزيز الوكيلي: الأزمة الفرنسية وبداية العد العكسي لانهيار الجمهورية الخامسة !! محمد عزيز الوكيلي
قبل فترة من الطَّيِّ الكُلّيّ لصفحة العام المنصرم، 2025، وصلت الوضعية السياسية في "الجمهورية الفرنسية الخامسة" حدّاً من السقوط لم يعُد يُطيقه أحد من رعاياها، يميناً ووسطاً ويساراً على السواء، لأن القاسم المشترك الذي صار يجمع مواقف هؤلاء جميعاً، سواء المعبَّر عنها علناً، أو التي تَسيح روائحُها وتتسرّب من داخل معاقل مختلِف الأطراف والفرقاء، على اختلاف مشاربهم، هو اشمئزازهم جميعاً من سلوكات الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يبدو منذ أواسط السنة الماضية مجرّداً من أي دعم فرنسي أو أوروبي، أو حتى أمريكي، رغم انضمامه الكُلّيّ وغيرِ المشروط للموقف والخندق الأمريكيَّيْن حُيالَ الحرب الروسية الأكرانية، بحيث خسر ماكرون كل رهاناته وبالجملة، إفريقياً، وعربياً، وفرنسياً، وأوروبياً، وكذلك على الصعيد الدولي والعالمي، لأنه اختار بوعي أو بلا وعي التمسكَ بالحلقات الأضعف في مختلف الصراعات والتدافعات التي تشهدها الساحتان الأوروبية والعالمية !!
المصيبة الأعظم في هذا المسير الكالح، الذي تسير إليه الجمهورية الخامسة معصوبة العينين، تتجلى في الانهيار الفظبع الذي يشهده الاقتصاد الفرنسي، بعد أن انسدَّتْ في وجه الخزينة الفرنسية مغاراتُ الكنوز الإفريقية، التي كان "علي بابا الباريسي والأربعون حرامياً" يأخذونها سرقةً موصوفةً، ونهباً ممنهًجاَ، من الموارد المالية السنوية لثلاثَ عشرةَ دولةً إفريقيةً، من مستعمرات "فرنسا أيام زمان"، وهي المقدّرات التي كانت تُناهز في قيمتها المالية الإجمالية أربعمائة مليار يورو سنوياً، والعُهدةُ على الرُّواة، بحيث صرنا منذ أواخر السنة المنصرمة وبدايات السنة الحالية نسمع ونشاهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الفرنسية قبل غيرها، عن تحذيرات تُنذِر زبناء البنوك في فرنسا باحتمال تعرض ودائعهم المالية للضياع بشكل أو بآخر، لا لشيء سوى لأن الخزينة العامة، في بلد "الحرية والعدالة والإخاء"، توشك أن تُعلن إفلاسَها، ولذلك فهي في بحث محموم عن أي حل كيفما كان نوعه، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولو أدى الأمر، كما تدعي الوصلات التحذيرية سالفة الإشارة، إلى الاعتداء على المدّخرات الخصوصية للفرنسيين والفرنسيات بالواضح والملموس، وبكل الطرق، المشروعُ منها أو الفاقدُ للمشروعية !!
الرئيس ماكرون، في مستهل هذه السنة الجديدة، لم يعد يواجه مُعارضيه المتنامية أعدادُهم يوماً بعد يوم، ولا عاد يَتٌوه في مواجهة التحالفات التي صارت تَنْشَأُ أمامَه وخلف ظهره، من أجل الإطاحة به قبل انتهاء عُهدته؛ ولم يعد يشكو من مشاكل المأجورين والمتقاعدين؛ ومن متاعب الطاقة؛ ومن مَصاعب التوازن الاقتصادي المتردّي بسرعةٍ جنونيةٍ نحو الأسفل، بل الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من السديم، أو "الكاو"... بل صار الآن على وشك دق آخر المسامير في نعش "الجمهورية الفرنسية الخامسة"، التي نظّر وأسّس لها الجنرال شارل ديغول، عقب الحرب الكونية الثانية، وها هي الآن بعد ثلة من رؤساءٍ للجمهورية لا أحد منهم أفضل حالاً من سابقيه ولا لاحقيه، تجثو على الرُّكَب وتصارع نزعها الأخير في انتظار لحظة الوداع!!
 ويبقى السؤال، الآن، ليس مطروحاً حول: هل ستستمر هذه الجمهورية فتراتٍ أخرى أشبَهَ بالوقت الإضافيّ في مباريات الكرة، أمْ أنها سَتُوَدِّع؟ وإنما سيبقى السؤال مطروحاً حول الإطار الجديد الذي سيحل محل الجمهورية الآيلة إلى السقوط، فيما سيسمّى "جمهوريةً سادسةً"، يبدو جلياً أنها إن كُتِبَ لها أن تولَد الآن، وفي هذه الظرفية بالذات، فإنها ستأتي بدون تنظير مسبق، وبلا أدنى نمط فكري أو فلسفي يمكن أن يميّزها عن غيرها من الأنماط الخمسة السابقة!!
إن هذه السقطةَ لو حدثت فستكون سقطةً عُظمى ومدوّية، ولا أحد يعلم أو يتوقع كم ستأخذ معها من
 الضحايا، وكم ستترك وراءَها من الأطلال والخسائر والفَواجع... عجبي !!!
 
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي متقاعد