في سياق الجدل حول تداعيات تنزيل القانون رقم 14.25 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، وما رافقه من احتجاجات لموظفي الخزينة العامة للمملكة، يوضح د.سعيد بوحاج، باحث ممارس في المالية العمومية، في حوار مع "أنفاس بريس"، أسباب الخلاف بين وزارتي الداخلية والمالية حول جبايات الجماعات، إشكالات التنزيل، وانعكاساته على الموظفين وعلى التحصيل، كما توقف عند مواقف الحكومة وآفاق الحل الممكنة، في ضوء تقارير الرقابة المالية والتجربة التاريخية للخزينة العامة للمملكة.
وأكد محاورنا، أن أي إصلاح لا يضع دور الخزينة في صلب الحكامة المالية، ولا يقوم على تنسيق مؤسسي واضح وتعزيز القدرات بدل تفتيتها، يظل مهددًا بإعادة إنتاج نفس الاختلالات بدل معالجتها.
وأكد محاورنا، أن أي إصلاح لا يضع دور الخزينة في صلب الحكامة المالية، ولا يقوم على تنسيق مؤسسي واضح وتعزيز القدرات بدل تفتيتها، يظل مهددًا بإعادة إنتاج نفس الاختلالات بدل معالجتها.
ما هي أسباب الخلاف بين وزارتي الداخلية والمالية حول جبايات الجماعات؟
يعود أصل هذا الخلاف إلى صدور القانون رقم 14.25 المعدِّل للقانون 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7418 بتاريخ 3 يوليوز 2025. وقد أقرّ هذا النص إحداث منصب “القابض الجماعي”، التابع لوزارة الداخلية عبر السلم الاداري للعمالات، إلى جانب مقتضيات أخرى، وأسند إلى هذا القابض الجماعي تحصيل عدد من الرسوم المحلية لفائدة الجماعات الترابية التي كانت تُمارَس تاريخيًا من طرف قباض الخزينة العامة للمملكة، وهو ما ترتب عنه إحداث 92 قباضة جماعية جديدة تابعة لوزارة الداخلية.
من الزاوية القانونية، يمثل هذا المستجد تحولًا بنيويًا في منظومة تحصيل الموارد المحلية، غير أن تنزيله العملي كشف عن نقل كتلة مالية ووظيفية ذات طابع استراتيجي من وزارة الاقتصاد والمالية إلى وزارة الداخلية دون إعداد مؤسساتي كافٍ، ودون تنسيق مسبق مع الخزينة العامة للمملكة بصفتها المحاسب العمومي للمملكة والفاعل المركزي في منظومة التحصيل. هذا الغياب للتنسيق أفرز وضعية تنازع فعلي في الاختصاصات، وطرح تساؤلات جدية حول انسجام الإصلاح مع الأدوار الدستورية والوظيفية للخزينة العامة، التي ظلت تضطلع تاريخيًا بضمان أمن التحصيل واستمراريته. لذلك، فإن جوهر الخلاف يتجاوز البعد التقني، ليأخذ طابعًا مؤسساتيًا عميقًا يمس توازن الاختصاصات بين وزارتين سياديتين وطبيعة الحكامة المالية المعتمدة.
لماذا تأخر تنفيذ القانون وماهي أبرز الإشكالات الميدانية؟
رغم نشر القانون، فإن تنزيله عرف تأخرًا واضحًا بسبب غياب الجاهزية اللوجستيكية والبشرية لدى وزارة الداخلية. لم يتم توفير مقرات مستقلة للقباضات الجماعية، وتم اللجوء إلى إيواء هذه القباضات قسرا داخل بنايات قبضات الخزينة العامة دون إطار قانوني مضبوط، ودون بدائل حقيقية لموظفي الخزينة. هذا الوضع خلق ارتباكًا إداريًا غير مسبوق، حيث تداخلت الاختصاصات، وظلت بعض عمليات التحصيل معلقة أو تُنجز في ظروف غير واضحة.
إضافة إلى ذلك، أُسنِدت مهام التحصيل أي القباض الجماعيون لموظفين تابعين للجماعات الترابية دون المرور عبر مباريات أو انتقاء مبني على الكفاءة، ودون تكوين مسبق يتناسب مع خطورة المهام. ولم تبدأ الدورات التكوينية إلا في أواخر سنة 2025، وكانت قصيرة ومكثفة، شملت مجالات حساسة كتحصيل الديون والمحاسبة والمنازعات، وهو ما يعكس طابع الاستعجال والارتجال.
كما اضطرت وزارة الداخلية إلى الاعتماد على نظام المعلومات الخاص بالخزينة العامة (GIR) لغياب نظام معلوماتي خاص بها، ما يؤكد أن الانتقال لم يكن مؤسسًا على رؤية متكاملة، بل على حلول مؤقتة زادت من غموض المرحلة.
كيف انعكس هذا الوضع على الأرض، وما موقف موظفي الخزينة؟
ميدانيًا، تُرجم غياب التنسيق إلى توترات حادة. في عدة مدن، فُرض إيواء قباض جماعيين داخل مقرات قبضات الخزينة العامة للممكلة بالقوة، وفي بعض الحالات بحضور أعوان السلطة والقوات المساعدة الى مقرات القبضات الخزينة، دون محاضر قانونية لتسليم السلط. وُضِعت لافتات القباضات الجماعية لوزارة الداخلية على الواجهة الخارجية وداخل مقرات القبضات الخزينة العامة، ما اعتبره موظفو الخزينة العامة للمملكة مسًّا باستقلالية المرفق المالي وفرضًا لسياسة الأمر الواقع.
كما برز تخوف حقيقي لدى موظفي الخزينة من أن يكون “التعايش الإداري” التي تحاول وزارة الداخلية فرضه وسيلة غير معلنة لنقل الخبرة والتكوين إلى موظفي القباضات الجماعية، تمهيدًا لإفراغ الخزينة من دورها. الأخطر من ذلك أن هناك شعورًا واسعًا بالقلق من سيناريو الإدماج القسري لموظفي الخزينة العامة للمملكة داخل وزارة الداخلية، خاصة في ظل غموض النصوص التطبيقية، وعدم وجود ضمانات مكتوبة.
حسب الشعارات التي رافقت الوقفات الاحتجاجية، يتبين أن موظفو الخزينة يرفضون الانتظار ستة أشهر في وضع انتقالي هش، لأن التجربة الإدارية أثبتت أن الفترات المؤقتة غالبًا ما تتحول إلى أوضاع دائمة تُفرض بالأمر الواقع. هذا التخوف هو ما فجّر الاحتجاجات، التي انطلقت من القاعدة بشكل تلقائي عبر لقاءات افتراضية غير رسمية، قبل أن تلتحق بها النقابات لاحقًا التي كانت مترددة في البداية من عملية الدفاع عن موظفي الخزينة. هذه الاحتجاجات عبّرت عن رفض المساس بالكرامة المهنية، وعن التمسك بمبدأ استمرارية المرفق العمومي في إطار قانوني واضح.
ما الذي قامت به الحكومة، وهل توجد بوادر حل؟
في مواجهة التصعيد، أعلنت وزارة الاقتصاد والمالية، على لسان الوزيرة نادية فتاح العلوي، أن الانتقال يجب أن يتم على أساس طوعي، دون أي إلزام بتغيير الانتماء الإداري، مع اقتراح ثلاث صيغ قانونية: الوضع رهن الإشارة، أو الإلحاق، أو الإدماج الكامل لمن يرغب، إلى جانب إقرار فترة انتقالية مدتها ستة أشهر، والتنصيص في قانون مالية 2026 على إحداث صندوق خاص بتدبير المصالح المالية للجماعات الترابية.
غير أن المذكرة التي وجهتها السيدة الوزيرة إلى السيد الخازن العام للمملكة لتفعيل هذه المقترحات اعتبرها عدد من المتابعين والموظفين غير واضحة و«ملغومة»، لغياب ضمانات مكتوبة وصريحة، ولما تحمله، حسب هذا التقدير، من مؤشرات على فتح مسار إدماج تدريجي وغير معلن لموظفي الخزينة العامة داخل وزارة الداخلية، عبر تكريس سياسة «التعايش الإداري»، في ظل تأخر تسليم السلط القانوني واستمرار غياب مقرات بديلة لائقة. الأغلبية الساحقة من موظفي الخزينة عبّرت بوضوح عن رغبتها في البقاء ضمن الخزينة العامة او في إطار وزارة المالية والاقتصاد، فيما طالبت فئات أخرى بإعادة انتشار منظم داخل وزارة المالية، بعيدًا عن أي ضغط أو إكراه.
في الخلاصة، تُبرز تقارير المجالس الجهوية للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية استمرار اختلالات جوهرية في التدبير المالي والجبائي لدى عدد كبير من الجماعات الترابية، ويُعزى ذلك بالأساس إلى محدودية الكفاءات والخبرة في مجال التحصيل العمومي وضعف منظومات المراقبة. وتؤكد هذه المعطيات أن الخزينة العامة للمملكة، بصفتها المحاسب العمومي للمملكة، تظل الحلقة الأكثر تأهيلاً لضمان أمن ونجاعة التحصيل، بالنظر إلى ما راكمته من خبرة مؤسساتية ونظم معلوماتية وآليات رقابة. وعليه، فإن أي إصلاح لا يضع دور الخزينة في صلب الحكامة المالية، ولا يقوم على تنسيق مؤسسي واضح وتعزيز القدرات بدل تفتيتها، يظل مهددًا بإعادة إنتاج نفس الاختلالات بدل معالجتها.
