الإتاحة: حق لا خيار
في كرة القدم لا يعيش الناس الهدف وحده، بل يعيشون الطريق إليه: تمريرات تتسارع، وجمهور يحبس أنفاسه، ثم صرخة تهز المدرجات. لكن هذه الحكاية كانت، لسنوات طويلة، ناقصة عند كثير من المكفوفين وضعاف البصر، لأن جزءا كبيرا من المتعة يعتمد على تفاصيل بصرية دقيقة. لذلك أصبح “حق الوصول إلى التجربة” معيارا من معايير جودة البطولات، لا مجرد فكرة جانبية. وفي كأس الأمم الإفريقية بالمغرب ظهر هذا المعنى عبر مبادرتين متكاملتين: الوصف السمعي داخل الملعب، والمتابعة باللمس عبر جهاز يحول حركة اللعب إلى إحساس ملموس.
الوصف السمعي
الوصف السمعي ويسمى أيضا التعليق الوصفي الصوتي هو تعليق يقدمه شخص مدرب، مهمته أن يترجم الصورة إلى كلمات. فهو لا يكتفي بقول “هجمة خطيرة”، بل يحدد: أين الكرة؟ من استلمها؟ هل اللعب على الطرف أم في العمق؟ كيف يتمركز الدفاع؟ وماذا يفعل الحارس؟ دليل برنامج CAFE يشرح أن الهدف هو أن يحصل المستمع على فهم كامل للمباراة وهو حاضر في الملعب، وأن يستمتع بالتجربة إلى جانب بقية الجمهور.
أبعد من تعليق
الفرق بين الوصف السمعي والتعليق العادي يشبه الفرق بين “خبر” و“مشهد”. التعليق التقليدي يفترض أن الجمهور يرى، لذا يختصر كثيرا. أما الوصف السمعي فيبني “صورة ذهنية” خطوة بخطوة، ويعطي الأولوية للأحداث المرئية التي لا يمكن للمستمع أن يخمنها. لهذا تشدد الإرشادات على الدقة والسرعة واللغة البسيطة، وعلى تجنب الإطالة في التحليلات عندما تكون الكرة في حركة سريعة.
كيف يصل الصوت؟
تطبيق الخدمة داخل الملعب له أكثر من شكل، لكن الفكرة واحدة: قناة صوتية مباشرة تصل للمستفيد بسهولة. تذكر إرشادات CAFE أن البث قد يكون عبر تردد إذاعي محلي داخل الملعب تلتقطه سماعات أو جهاز صغير، أو عبر الهاتف من خلال تطبيق/قناة. والأهم أن تكون الخدمة متاحة من أي مكان في المدرجات، حتى يجلس المشجع حيث يريد مع عائلته وأصدقائه، لا في منطقة معزولة.
لقطة من البطولة
في 10 يناير 2026 نشرت تقارير صحفية أن مشجعين مكفوفين حضروا مباراة السنغال ومالي في كأس الأمم بالمغرب، واستخدموا سماعات تبث وصفا مباشرا للحركة على أرضية الملعب: تحركات اللاعبين، اللقطات الحاسمة، وتفاصيل اللعب لحظة بلحظة. هذه اللقطة تشرح لماذا يقول من جربها إنها ليست “راديو”؛ لأن المستمع لا يبحث عن نتيجة فقط، بل عن سياق كامل يجعله يضحك ويغضب ويحتفل في اللحظة نفسها مع من حوله.
المتابعة باللمس
إلى جانب الصوت ظهرت خطوة أخرى تكمل التجربة: جهاز لوحي لمسي يمكن المشجع من “قراءة” مسار اللعب بأصابعه. وقد أعلن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم مبادرة لجعل كأس الأمم أكثر إتاحة لذوي الإعاقة البصرية، عبر أجهزة لمسية طورت بالتعاون مع جهات تقنية متخصصة، لتقديم تجربة أقرب إلى جو المباراة.
كيف تعمل الفكرة؟
بحسب الاتحاد الإفريقي، يعتمد النظام على تتبع بصري لحركة الكرة واللعب، ثم ترجمة هذه الحركة إلى إشارات لمسية (مثل اهتزازات ومسار محسوس) على سطح يمثل ملعبا مصغرا، بحيث يشعر المستخدم باتجاه اللعب وتغير المسار. ويضاف إلى ذلك وصف صوتي مولد تلقائيا يقدم معلومات منظمة مثل الزمن والنتيجة وبعض الأحداث كالأخطاء. بهذه الطريقة لا يصبح اللمس مجرد “إحساس”، بل يتحول إلى معلومات يمكن فهمها وربطها بسياق المباراة.
تكامل السمع واللمس
الميزة هنا أن الحلين لا يتنافسان. الوصف السمعي يجيب عن “من فعل ماذا؟ وكيف؟” بلغة بشرية تنقل الانفعال وتلتقط التفاصيل. أما المتابعة باللمس فتساعد على فهم “أين يحدث كل شيء؟” وكيف يتشكل الضغط والهجمة وتتبدل المسارات. وفي الحديث عن هذه الأجهزة يظهر أنها مصممة لتعمل مع التعليق أو إلى جانبه، لأن بناء الصورة الكاملة يحتاج إلى السمع واللمس معًا.
مفاتيح النجاح
نجاح التجربة داخل الملعب يحتاج تفاصيل دقيقة: تقليل أي تأخير بين الحدث والوصف، لأن تأخر الصوت يفسد الإحساس حين يسبق هتاف الجمهور ما يسمعه المستفيد. كما تحتاج الخدمة إلى تدريب للمعلقين وفق معايير واضحة، وإلى تنظيم بسيط يسهل الحصول على السماعات أو الجهاز وشرح طريقة الاستخدام.
المباراة للجميع
قد توصف هذه المبادرات بأنها “تقنية”، لكنها في جوهرها إنسانية. عندما يستطيع المشجع الكفيف أن يتابع الهجمة ويشعر بمسار الكرة، فهو لا يحصل على خدمة إضافية، بل يستعيد حقا طبيعيا: أن يكون حاضرا في قلب اللعبة. في كأس الأمم بالمغرب، التقت كلمة تصف المشهد بوضوح، مع لمسة ترسم المسار تحت الأصابع… فصار الملعب أوسع، وصارت الفرحة أقرب للجميع.