الأحد 11 يناير 2026
كتاب الرأي

أنور الشرقاوي: المطر وعيٌ سياسي.. انتخابات 2026 ستُحسم في عمق البادية المغربية

أنور الشرقاوي: المطر وعيٌ سياسي.. انتخابات 2026 ستُحسم في عمق البادية المغربية أنور الشرقاوي
أحياناً، يكفي مطرٌ غزيرٌ ليغيّر مصير أرضٍ ووطن ودولة.
فهو لا يبدّل لون التربة فحسب، بل يغيّر عمق نظرة الإنسان الذي يفلحها.
في البادية المغربية، يتجاوز الماء دوره الفلاحي البسيط.
إنه يصبح قوةً للتحرر الداخلي.
وحين يرى الفلاح الصغير حقوله تخضرّ، لا يستعيد محصولاً فقط، بل يستعيد كرامة.
يتحرر عندئذٍ من ضغط اليومي، ومن قلق الغد، ومن خوف الحاجة.
يتنفس أكثر، ويفكر على نحوٍ آخر.
بالأمس القريب، كان هذا الرجل يتلقى صور العالم كما يتلقى قدراً لا يُردّ.
كانت الشاشات تعرض عليه مدناً بعيدة، وحيواتٍ أسهل، ووعوداً معلّقة في الهواء.
كان ينظر ولا يصدّق حقاً.
أما اليوم، فإن المطر يهمس له برسالة مختلفة.
يمنحه يقيناً جديداً بأنه قادر على أن يغيّر شيئاً في حياته.
هذا التحول يبدو هادئاً، لكنه يحمل معنىً تاريخياً عميقاً.
في هذه اللحظة بالذات، يبدأ المواطن في الولادة.
كان جان جاك روسو يقول إن الحرية تبدأ حين يكفّ الإنسان عن الخوف على قوته اليومي.
وفي القرى المغربية، يؤدي المطر اليوم هذا الدور التحرري السياسي.
إنه يجعل الإنسان أقل تبعية، وأقل هشاشة، وأقل قابلية للبيع. فالبطن الشبعان يقاوم الوعود الزائفة. والأرض الخصبة تحمي الروح من الانزلاق إلى الفساد.
في هذا السياق الجديد، يفقد “الورق الأزرق” سطوته. ويفقد “الورق البني” بدوره نفوذه.
ما كان يشتري بالأمس صوتاً انتخابياً، لا يحصد اليوم إلا صمتاً مرتبكاً ونظرة حازمة.
الفلاح الذي يرى حقوله تزدهر يتحول إلى رجلٍ صارم المطالب.
يرفض صدقة الانتخابات، ويطالب بمشروع. يردّ الهدية العابرة، ويطالب برؤية.
هنا تضيء قراءة عبد الله العروي هذا المنعطف التاريخي. فهو يذكّرنا بأن التأخر السياسي ليس قدراً ثقافياً. ويبيّن أن جذوره اجتماعية قبل كل شيء. وحين تتحسن الشروط المادية، تنهض معها شروط الوعي المدني.
فالديمقراطية لا تولد في حضن الفقر، بل تنمو في مناخ الاستقرار.
إن حملة 2026 في المغرب القروي لن تكون بعد اليوم حملة الشكاوى الصامتة..ستصبح زمن المقارنة، والنقاش، والاختيار. لقد غادرت وسائل التواصل الاجتماعي دور الواجهات البعيدة. وأصبحت أدوات للحكم والتقييم.
لم يعد الفلاح يكتفي بالنظر، بل صار يحلل. لم يعد يستهلك الصورة، بل يقيسها بواقعه الجديد. ويبدأ في طرح أسئلة جوهرية. لماذا لا يكون ذلك عندي؟ ولماذا يبقى دائماً هناك؟
ولماذا ليس الآن؟
وحين يبدأ الإنسان في طرح هذه الأسئلة، تتبدل طبيعة السياسة.
تتخلى عن منطق توزيع الوعود، وتدخل منطق مواجهة المشاريع.
الخضرة التي تحيط بالفلاح تكفّ عن أن تكون مجرد منظر. وتتحول إلى استعارةٍ لمستقبل ممكن. إنها ترمز إلى مغربٍ قروي لا يصوّت خوفاً، بل أملاً واعياً. وتجسّد مواطناً لا يختار تبعية، بل اقتناعاً. 
وهكذا، لن تُحسم انتخابات 2026 في المدن وحدها، ولا على الشاشات، ولا في الشعارات.
ستُحسم في الحقول، مع تعاقب الفصول، وفي قلب القرى.
ستواكب تحوّلاً بطيئاً وعميقاً في شخصية الإنسان القروي المغربي.
ستنقله من وضع البقاء إلى مقام المواطنة. وترفعه من دور المتفرج إلى موقع الفاعل. وتقوده من حال المستفيد السلبي إلى مقام المسؤول المقرّر.
وربما هناك، في ذلك الصمت الأخضر للبوادي، ستُكتب الصفحة الأهم في مستقبلنا الديمقراطي.
 
 أنور الشرقاوي 
 فاعل جمعوي