الأحد 11 يناير 2026
فن وثقافة

جمال المحافظ: مقاربة في علاقة الاعلام بحقوق الإنسان

جمال المحافظ: مقاربة في علاقة الاعلام بحقوق الإنسان جمال المحافظ، أثناء مداخلته

في ظل الثورة الرقمية، تتزايد أهمية الاعلام وحقوق الانسان خاصة في التظاهرات الرياضية الكبرى، إذ أصبح الشرط الإعلامي والحقوقي من بين البنود التي تتضمنها دفاتر تحملات التي تنص فيها الهيئات الرياضية الدولية على ضرورة من توفرها من أجل الموافقة على احتضان الدول لهذا النوع من الملتقيات العالمية. ويشكل احتضان المغرب حاليا لبطولة كأس افريقيا للأمم في كرة القدم وهي بروفة لمونديال فيفيا 2030 الذى ينظم بالمغرب بالاشتراك مع اسبانيا والبرتغال.

ولاشك في وجود ارتباط وثيق بين حقوق الانسان والاعلام، وذلك انطلاقا أولا من أن حرية الصحافة تدخل في صلب حقوق الإنسان، من زاوية حرية التعبير المكفولة على الصعيد الكوني لكافة المواطنات والمواطنين، وتظل حرية الصحافة، هي أم هذه حريات التعبير، بل أرقاها لكون الصحافة، سلطة عادة ما تعد سلطة مضادة وسلطة رقابة على كافة السلطات بشكلها المادي والرمزي فضلا عن دورها الرئيس في تشكيل الرأي العام.

حرية التعبير

ويبدو أن تحليل العلاقة ما بين الإعلام وحقوق الإنسان، يتعين أن ينطلق أولا من مسؤولية الصحافي في تمكين المواطنين من المعلومات الصحيحة، وثانيا، باعتبار أن حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها، مرجعا أساسيا لأخلاقيات مهنة الصحافة، وهو ما يمكن الوقوف عليه من خلال ما تتضمنه المرجعيات الدولية، في مقدمتها المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الصادر عام 1948 التي تنص على أن " لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية".

كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت في القرار 59 (د-1) عام 1946، "أن حرية تداول المعلومات حق من حقوق الإنسان الأساسية، وهي المعيار الذي تقاس به جميع الحريات". كما تعززت العلاقة بين الحقلين الإعلامي والحقوقي ب"إعلان المبادئ الأساسية الخاصة بإسهام وسائل الإعلام في دعم السلام والتفاهم الدولي، وتعزيز حقوق الإنسان، ومكافحة العنصرية والفصل العنصري والتحريض علي الحرب"، الصادر في 28 نونبر 1978، عن المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونيسكو ) في دورته العشرين والذي نص في مادته الثانية على " أن ممارسة حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الإعلام، المعترف بها كجزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، هي عامل جوهري في دعم السلام والتفاهم الدولي...وأن وسائل الإعلام، تسهم في كل بقعة من بقاع العالم، وبحكم الدور المنوط بها، في تعزيز حقوق الإنسان".

منظومة الحريات

وانطلاقا من هذه المرجعيات الدولية يتضح بجلاء أن العلاقة ما بين الصحافة وحقوق الانسان، تكاد تكون علاقة وجودية وعلاقة تكامل وأيضا ترابط على المستويين النظري والقانوني والواقعي، وأنها ذات طبيعة محورية ومتعددة الأبعاد، وهو ما يجعل الاعلام، يتبوأ مكانة مركزية في ميدان حقوق الانسان، ليس فقط اعتبارا لموقعه الرئيس في منظومة الحريات العامة، التي تعد جوهر حقوق الانسان، ولكن كذلك لتأثيره الفعال في معادلات بناء الوعي، وتشكيل الرأي العام، ولدوره الرقابي وقدرته على توفير المعلومات، ومواكبة كافة القضايا وفي طليعتها ذات البعد الحقوقي .

وفي ظل التطور المتلاحق الذي تشهده منظومة حقوق الإنسان، وظهور أجيال جديدة، تحولت معه هذه المنظومة، الى ما يمكن وصفها ب" موسوعة لحقوق الإنسان" لها آلياتها ولجانهـا وملتقياتها، وتأثيراها الحاسمة في تحديد موقع البلدان وصورتها على الصعيد الدولي. وبالمقابل زادت أهمية الإعلام وتحدياته في طل التطورات التكنولوجية المتسارعة.

وتلعب وسائل الاعلام دورا هام بالتحسيس بخطورة الانتهاكات التي تطال حقوق الانسان منها خطاب الكراهية، الذي تعرفه الأمم المتحدة، بأنه أي نوع من التواصل، الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية ، والدين، أو الانتماء الإثني ، أو الجنسية، أو العرق، أو اللون، أو الأصل، أو الجنس ،أو أحد العوامل الأخرى المحدِّدة للهوية، وهو ما حذا بالجمعية العامة للأمم المتحدة، سنة 2021، الى اعلان 18 يونيو من كل سنة يوما عالميا لمكافحة خطاب الكراهية.

قوالب نمطية

ويضطلع الصحافيون في هذا السياق بدور مهم في محاربة هذا الخطاب بالتسلح أولا بالمعرفة والمهارات اللازمة، وفي مقدمتها التعرف على القوالب النمطية الضارة ومنع انتشارها، مع الحرص على عدم نقل أو تضخيم المحتوى الذي يحض على الكراهية أو التمييز، لأن الرياضة يجب أن تظل عامل توحيد وتشجيع على التنافس النزيه، لا أن تتحول الملاعب الى فضاء لنشر خطاب الكراهية والتمييز والعنف. غير أن ذلك يرتبط بالدرجة الأولى بمدى توفر استراتيجية إعلامية عمومية واضحة المعالم مسنودة بإرادة راسخة، تجعل من الاستثمار في العنصر البشري رافعة لتحقيق التنمية المستدامة بأبعادها المتنوعة، وذلك حتى تساهم وسائل الاعلام في إشاعة ثقافة حقوق الانسان، والرفع من الوعي الرياضي والمجتمعي بالمخاطر الناجمة عن خطابات الكراهية والعنصرية وعدم التسامح والتمييز والشعبوية.

لكن هذا يتطلب أيضا التوفر على إعلام مهني حيوي ديناميكي، قادر على التعاطي مع هذا الأحداث الرياضية العالمية، ويرتبط كذلك بمدى قدرة وسائل الإعلام الوطنية، على ضمان نجاح التظاهرات القارية والعالمية الكبرى التي تشكل في حالة استثمارها ايجابيا، مدخلا حاسما في تسويق وتقديم صورة المغرب الحضارية والثقافية والاجتماعية، وما يمتاز به من تنوع وتعدد.

ويظل مطروحا التساؤل حول: ماهي طبيعة الاشكاليات المهنية التي تواجه الاعلام في تناول قضايا حقوق الإنسان؟ ما هي الإمكانيات المتاحة في الظرف الراهن لتعزيز العلاقة بين حقوق الإنسان والإعلام على النحو الذي يساهم في صيانة الحريات الاعلامية وفي نفس الوقت احترام حقوق الإنسان ترسيخ ثقافتها؟.

آليات الاستدامة

وهذا الأمر يقتضى التفكير في الآليات التي تضمن استدامة التعاون ما بين المنشغلين بحقوق الإنسان والإعلاميين عبر حوار صريح مفتوح، من أجل ترسيخ حقوق الإنسان، وسيع الحريـات العامـة، ومنها حرية الصحافة، وحرية التعبير التي تعد في مقدمـة كـل الحريات وأشدها حساسية لدى الرأي العام. فمونديال 2030، فضلا عن كونه تظاهرة رياضية عالمية كبرى، فإنه يعد حدثا ثقافيا بامتياز، يستدعى العمل على تثمين الجوانب الحضارية والثقافية والفكرية للمغرب وتقديمها بحرفية ومهنية إلى العالم.

وفي ظل الثورة التكنولوجية الحديثة، يتعين على المنشغلين بالإعلام وحقوق الانسان، الأخذ بعين الاعتبار انعكاسات البيئة الرقمية على موقع الاعلام، وواقع حقوق الانسان في ومن اللايقين، وذلك في سياق الاشكالات التي تطرحها التكنولوجيات الجديدة وتأثيرات الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يستدعى اعتماد رؤية جديدة بمقاربة متجددة في التعامل مع الحقلين الإعلامي والحقوقي.

غير أن التحديات التي تواجه الصحافة والاعلام في ظل الخوارزميات عليها، تحتاج كذلك الى " وعي أكبر" وتأهيلا للموارد البشرية للتفاعل الجاد مع الاكراهات التي يفرضها تغول التقنية والخوارزمات، مع جعل البرمجية، وسيلة لمساعدة الذكاء البشري في فهم العالم وتحويله لما يمكن أن ينفع البشرية، بدلا من تركه، يتحول إلى أداة لن تكون ضد الصحافة والإعلام فقط، ولكن ضد البشرية جمعاء، كما جاء في كتاب " عمالقة التقنية والذكاء الاصطناعي ومستقبل الصحافة" لجايسون واتاكر الذي قدم رؤية نقدية للطرح السائد حول العلاقة القائمة ما بين كبريات شركات التكنولوجيا بالصحافة وتوظيفها للهيمنة.

....

*مداخلة في الندوة الوطنية حول " الاعلام وحقوق الانسان: تحديات ورهانات" التي نظمها السبت 10 يناير 2026، ماستر حقوق الانسان والتقاضي الدولي بكلية الحقوق بطنجة