الجمعة 9 يناير 2026
كتاب الرأي

عثمان بن شقرون: سرقة المعنى.. عن اغتراب النص وانحدار الصحافة الرقمية

عثمان بن شقرون: سرقة المعنى.. عن اغتراب النص وانحدار الصحافة الرقمية عثمان بن شقرون

عُرفت الصحافة تاريخياً بأنها مؤسسة قائمة على التقصي وصناعة المحتوى الأصيل، حيث كانت الصحف والمنصات والوسائل مجرد جسورٍ تعبُر بالقارئ إلى قلب الحدث أو عمق الفكرة. لكن، ومع طغيان الفضاء الرقمي المعاصر، حدث انزياح خطير في هذه الوظيفة؛ إذ تحولت العديد من المواقع الإخبارية والمنصات الإعلامية من فواعل منتجة للمعنى إلى هياكل تعتاش على ما ينتجه الآخرون. هذا التحول لم يكن مجرد تبدل تقني، بل أنتج ظاهرة يمكن وصفها بالثقوب السوداء؛ تلك التي تقتات على الجهد الفكري امتصاصاً لا إنتاجاً، وتكتفي بإعادة تدوير النصوص دون أدنى اعتبار لروحها؛ وهي ظاهرة يغذّيها اليوم ما يمكن تسميته بـعقيدة الخوارزمية، تلك التي لا تعترف بقيمة الإبداع بقدر ما تعترف بضرورة الملء المستمر للفراغ الرقمي، مما يحول فعل السطو من كونه مجرد سرقة، إلى عملية تغذية قسرية لمحركات البحث بجهد ودماء الكتاب الأصلاء. إن السطو على الكلمة في هذا السياق يتجاوز كونه مخالفة مهنية عابرة؛ إنه العارض الأبرز لمرض بنيوي أصاب جوهر العملية الصحفية، وحوّل الفعل الكتابي من كونه موقفاً وجودياً ورؤية للعالم، إلى مجرد سلعة تُنتزع من سياقها التاريخي ومسؤوليتها الأخلاقية، ليُحرم القارئ في نهاية المطاف من صدق التجربة وأصالة المنبع.

إن الاغتراب الذي يرزح تحت وطأته النص المسروق ليس مجرد ضياعٍ لتبعيته القانونية، بل هو انفصال وجودي؛ نابع من كون الكتابة، في ماهيتها، ليست رصفاً للكلمات، بل هي تجربة فكرية وأخلاقية تمثل امتداداً عضوياً لوعي الكاتب بكيانه. بناءً عليه، فإن انتزاع النص من سياقه الأم يحيله إلى مسخٍ فاقد للروح؛ إذ تتبدد في لحظة السطو تلك المسؤولية الأخلاقية التي منحت الكلمة ثقلها، وتتلاشى الدلالات الثقافية التي صهرها الكاتب في أفق وعيه الخاص. في هذا الفراغ السياقي، يتجرد النص من جذوره ليتحول إلى مادة مشاع تُتداول بلا هوية، مما يجعل من فعل السرقة اغتيالاً رمزياً؛ فهو لا يسطو على المعلومة، بل ينفي الفعل الكتابي بوصفه تجلياً فريداً وحصرياً للذات الإنسانية.

إن هذه الممارسة الممنهجة تفضح، في جوهرها، عقماً في المشروع الثقافي وغياباً للخط التحريري الأصيل داخل تلك المنصات؛ إذ تتحول المؤسسة التي تفتقر إلى المثقف العضوي الذي يتبنى رؤيتها، إلى مجرد آلة صماء للنهب العشوائي. وهنا تمارس المنصة نوعاً من تزييف العضوية؛ فهي تسرق نصوصاً رصينة لتوحي لجمهورها بامتلاك كيان فكري وموقف، بينما هي في الحقيقة لا تملك إلا يد السارق التي ترتدي قفاز المثقف. تمارس هذه الآلة سطوة انتقائية تبيح استلاب الملكية الفكرية استجابةً لشهوة الرواج، لكنها في ذات الوقت، تمارس جبناً مهنياً عبر التنصل من أي تبعات قانونية أو أخلاقية يفرزها المحتوى.

 

وهنا تبرز المفارقة الأكثر مرارة، فلو تعرض الكاتب للملاحقة بسبب رأيه المسروق، لوجد نفسه وحيداً في العراء القانوني، بينما تنسحب المنصة التي ألحقته بها قسراً من المشهد تماماً؛ إذ تتجلى هنا الانتهازية البنيوية في أبشع صورها، حيث تستولي المنصة على سلطة الكلمة ومكتسباتها الرمزية، بينما تترك للكاتب وحده لعنتها وتبعاتها العقابية. إن هذا النكوص يؤكد أن علاقة هذه المنصات بالنص هي علاقة تطفلية بامتياز؛ محركها مراكمة الأرباح عبر جهد الآخرين، دون أدنى حد من التضامن المهني أو المسؤولية الأخلاقية.

لا يتوقف الاعتداء عند حدود السطو اللغوي بوصفه سرقة لمجهود، بل يتجاوز ذلك إلى انتهاكٍ سافر لسيادة الكاتب على موقفه الوجودي؛ إذ يُحرم من حريته الأصيلة في اختيار المستقر الذي يليق بفكره ويحتضن سياقه. فالمنبر الإعلامي ليس مجرد وعاء تقني أو أداة للنشر، بل هو فضاء تداولي يمنح النص هويته ويحدد زاوية تلقيه. وحين يُقحم النص في موقع لم يرتضه الكاتب، فإنه يوضع في حالة أسرٍ فكري؛ حيث يُجبر على مجاورة محتويات قد تناقض قناعاته الأخلاقية أو السياسية، مما يحوّل فعل النشر القسري إلى عدوان مضاعف، يتجلى في سرقة للكلمة واستلاب للإرادة التي هي جوهر الفعل الكتابي.

إن ملامح هذه الرداءة لا تقف عند حدود النقل، بل تمتد لتخلق ظواهر مشوهة وهجينة؛ حيث يتم التلاعب بجسد المقال الرصين عبر عناوين صيادة تتوسل النقرات وتُفرغ المحتوى من رصانته، أو عبر مسخه لغوياً بواسطة الترجمة الآلية التي تقتل روح اللغة وتطمس البصمة الذاتية للكاتب. وتصل هذه الجناية إلى ذروتها في عمليات التزييف الكلي للهوية؛ حين تُنتزع الكلمات بصلف لتُنسب لغير أصحابها في محاولة لمحو الأثر التاريخي للكاتب الأصلي. وفي أحيان أخرى، يُمارس البتر الممنهج عبر اجتزاء الفقرات ونزعها من سياقها لتطويعها كأدوات دعائية تخدم أغراضاً قد يكون الكاتب قد قضى عمره في محاربتها. إننا، في المحصلة، لسنا أمام خطأ مهني، بل أمام اغتيال ممنهج للمعنى، يستثمر في هشاشة التشريعات الرقمية ليقدم للقارئ جثة هامدة لنصٍ كان يوماً ما نابضاً بالمصداقية، محولاً الفكر الحر إلى بضاعة مستباحة بلا صاحب وبلا هوية؛ مما يوقع المتلقي في فخ الوهم المعرفي، إذ يظن أنه يتواصل مع فكرٍ حي، بينما هو يستهلك أشلاءً أُعيد ترميمها لأغراض تضليلية.

وعلى تخوم هذا الانحدار، يجد الكاتب نفسه اليوم محاصراً في مفارقة وجودية قاسية؛ إذ يقع بين سندان الاستهلاك الخاطف الذي تفرضه ثقافة القراءة المبتسرة، ومطرقة المنصات التي لا تكتفي بسلبه حقوقه المادية والمعنوية، بل تمارس نوعاً من الاستعباد الرقمي عبر توظيفه قسراً وبالمجان. إن هذه المنصات، في سعيها لسدّ فجوات عجزها البنيوي وفقرها الإبداعي، تقتات على الفكر الأصيل لتغطي على قبح صمتها وغياب موهبتها، محولةً النتاج الفكري من كونه قيمة إلى مجرد مادة حشو لسدّ الثغرات التقنية.

ومع ذلك، وأمام كل محاولات المحو والمسخ الممنهجة، يبرز المعنى الحقيقي كقوة ارتدادية عصية على التدجين؛ فالمعنى يمتلك ذاكرة لا تموت، وقدرة فطرية على فضح الزيف واستعادة حضوره الرمزي حتى في أكثر الأوساط رداءة. وهنا تكمن الهزيمة الحتمية للسارق؛ فهو مهما امتلك من أدوات السطو والتقنيات الخوارزمية، قد يستولي على هيكل الكلمات، لكنه يعجز تماماً عن حيازة الروح التي نفخت فيها الحياة، أو امتلاك الرؤية الكلية التي أوجدتها من العدم؛ فالحياة في النص لا تُسرق، بل تُمنح من صاحبها منحةً واحدةً لا تتكرر. سيظل الكاتب، رغم انحدار المشهد وتفشي الانتحال، هو الحارس الوجودي للمعنى، والفاعل المحوري الذي يمتلك وحده مفاتيح الأصالة في وجه الابتذال. ففي عالمٍ يغرق في بحار النسخ المشوهة والمحاكاة الزائفة، تظل الأصالة هي الحقيقة الصلبة الوحيدة التي لا تقبل التزوير، وهي الشاهد الباقي على أن الكلمة الحرة، مهما استُلبت، ستظل تنطق باسم صاحبها وتدلُّ على منبعها الأول.