في زمن تتكاثر فيه الجمعيات كما تتكاثر اللافتات، ويعلو فيه منسوب الخطاب أكثر مما يتعزّز منسوب الأثر، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح لماذا تنجح بعض المبادرات الجمعوية في ترك بصمة حقيقية، بينما تذوب أخرى في رتابة المناسبات والبيانات؟
الجواب، في عمقه، لا يكمن في حجم التمويل ولا في صرامة القوانين، بل في عنصر غير مرئي، حاسم، اسمه الدافعية.
الدافعية ليست شعارًا يُعلّق في التقارير السنوية، ولا حماسة موسمية ترتبط بحدث أو دعم ظرفي، بل هي الطاقة الداخلية التي تجعل الفاعل الجمعوي يستمر حين يقلّ الضوء، ويشتغل حين يغيب التصفيق، ويقاوم حين يصبح الطريق أكثر وعورة من الوعود.
في التجارب الجمعوية الجادّة، تظهر الدافعية بوصفها سابقَة على التنظيم نفسه قد تمتلك الجمعية هيكلة محكمة، ومكاتب منتخبة، ونصوصًا قانونية منضبطة، لكن دون دافعية حقيقية تتحول هذه الأدوات إلى قوالب فارغة، أشبه بجسد بلا روح فالدافعية وحدها القادرة على تحويل الاجتماع من طقس إداري إلى فضاء تفكير، والمشروع من ملف تقني إلى قضية مجتمعية نابضة بالمعنى.
غير أن أخطر ما يهدد العمل الجمعوي اليوم هو الخلط بين دافعية القيم ودافعية الامتياز الأولى تقوم على الإيمان بالعدالة الاجتماعية، والإحساس بالمسؤولية تجاه الفئات الهشة، والرغبة الصادقة في التغيير ولو كان بطيئًا أما الثانية، فتغذّيها حسابات القرب من السلطة، والبحث عن التمويل بأي ثمن، والتموقع داخل المشهد العام وحين تنقلب الدافعية من التزام أخلاقي إلى مصلحة شخصية، يفقد العمل الجمعوي روحه، ويتحوّل إلى واجهة ناعمة بلا أثر حقيقي في الواقع.
في هذا السياق، تصبح الدافعية الواعية صمّام أمان أمام ما يُسمّى بالاحتواء الناعم، حيث لا تُقمع الجمعيات، بل تُستوعب وتُفرغ تدريجيًا من مضمونها ففاعلٌ جمعوي مدفوع بالمعنى لا يُساوم بسهولة، ولا يغيّر بوصلته مقابل دعم ظرفي أو وعود غامضة إنه يدرك أن الاستقلالية ليست ترفًا، بل شرطًا أخلاقيًا لأي فعل جمعوي جاد
غير أن الدافعية، حين تظل حبيسة فرد واحد، تتحول من قوة إلى هشاشة كثير من الجمعيات انهارت لا بسبب القمع أو نقص الموارد، بل لأن الحماسة كانت مركّزة في شخص واحد انسحب، تعب، أو أُحبط… فسقط البناء بأكمله الدافعية الحقيقية هي تلك التي تُبنى جماعيًا، عبر وضوح المشروع، وتقاسم الأدوار، والاعتراف المتبادل، والتكوين المستمر الذي يحوّل الالتزام من اندفاع فردي إلى ثقافة تنظيمية راسخة.
أما الحفاظ على الدافعية، فلا يتم بالخطب الرنانة ولا بالشعارات التعبوية، بل بممارسات يومية بسيطة وعميقة في آن واحد ربط الجهد اليومي بالأفق الكبير، التقييم الصريح للتجربة دون تزييف، فتح نقاش داخلي حر ومسؤول، والاعتناء بالفاعل الجمعوي كإنسان قبل التعامل معه كرقم في الأنشطة.
في النهاية، الدافعية ليست مجرد شعور إيجابي، بل بوصلة أخلاقية حين تكون واضحة، يستقيم الفعل الجمعوي حتى في أصعب السياقات وحين تضيع، يكثر الضجيج، وتتراجع الثقة، ويغيب الأثر. وبين هذا وذاك، يبقى العمل الجمعوي الحقيقي هو ذاك الذي يُبنى على دافعية صادقة، هادئة، وعنيدة… دافعية تؤمن بأن التغيير لا يحتاج دائمًا إلى ضوء قوي، بقدر ما يحتاج إلى معنى لا ينطفئ.
