إذا تأملنا سجل دينامية للقوات المسلحة الملكية المغربية برسم سنة 2025، فإن الأرقام تتكلم على نحو يكشف عن تحول تدريجي في تصور المغرب لوظيفته الدفاعية ولموقعه داخل شبكات الأمن الإقليمي والدولي. ذلك أنه، وعلى امتداد هذه السنة، واصلت القوات المسلحة الملكية - تحت إشراف قائدها الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة - ترسيخ موقعها كفاعل مركزي في منظومة التعاون العسكري الإقليمي والدولي، من خلال مشاركة مكثفة ومنتظمة في التمارين والمناورات العسكرية المشتركة، سواء في صيغتها الميدانية الثنائية ومتعددة الأطراف، أو عبر الأنشطة التدريبية وورشات العمل المتخصصة ذات الطابع العملياتي والمؤسساتي.
المعطيات الإحصائية المجمعة من طرف أسبوعية «الوطن الآن»، تشير إلى أن القوات المسلحة الملكية شاركت، خلال سنة 2025، في 19 نشاطا عسكريا دوليا رئيسيا، توزعت بين 7 تمارين ومناورات ميدانية مشتركة و12 نشاطا تدريبيا وورشة عمل دولية، ما يدل على أن هناك توازنا عدديا بين الأنشطة يكشف عن تحول نوعي في فلسفة التعاون العسكري المغربي، حيث لم يعد التركيز محصورا في المناورات القتالية التقليدية، بل امتد ليشمل مجالات بناء القدرات، والتكوين المتخصص، والتخطيط العملياتي، والأبعاد القانونية والإنسانية المرتبطة بالفعل العسكري المعاصر.
على مستوى التمارين والمناورات الميدانية، برز تمرين «الأسد الإفريقي 2025» كأكبر نشاط عسكري متعدد الأطراف، إذ شارك فيها أكثر من 8.000 جندي (من بينهم حوالي 1.700 عنصر مغربي) يمثلون ما يفوق 30 دولة، موزعين على القوات البرية والجوية والبحرية، إضافة إلى وحدات الهندسة العسكرية والدعم الطبي.
وقد امتدت هذه المناورات على مدى نحو 12 يوما متواصلة، وشملت ست مناطق تدريب داخل المغرب، من بينها أكادير، طانطان، بنجرير، القنيطرة، وتفنيت، وهو توزيع جغرافي يعكس قدرة لوجستية على إدارة تمرين متعدد المسارح في وقت واحد. كما تضمنت المناورات أكثر من 40 نشاطا عملياتيا، تراوحت بين الرماية الحية، والإنزال الجوي، والعمليات المشتركة، وتمارين القيادة والسيطرة، وهو رقم يكشف عن انتقال التدريب من التكرار إلى التعقيد.
إضافة إلى ذلك، شارك المغرب في تمرين Sea Border 25 في إطار مبادرة (5+5 دفاع)، الذي احتضنته فرنسا بمشاركة 10 دول متوسطية، وركز على أمن الحدود البحرية، إلى جانب تمرين FLOTTEX-25/1°S في البحر الأبيض المتوسط لتعزيز التنسيق البحري، فضلا عن تمرين (UNITAS) الذي جمع 26 دولة، وشارك فيه المغرب بوحدات بحرية وضباط قيادة، واستمر التمرين قرابة ثلاثة أسابيع، مع تنفيذ عشرات السيناريوهات المرتبطة بالأمن البحري، وحماية خطوط الملاحة، وعمليات البحث والإنقاذ.
وفي المجال الجوي، نُظم تمرين «ماراثون 25» في إطار التعاون المغربي-الفرنسي، إذ شاركت فيه أسراب مقاتلة مغربية وأخرى أجنبية، ونُفذت خلاله عشرات الطلعات الجوية المشتركة. ورغم أن عدد الدول المشاركة في هذا النوع من المناورات لا يتجاوز غالبا دولتين أو ثلاثا، إلا أن الكثافة التقنية تكون أعلى، إذ تُحتسب الطلعات الجوية، وساعات الطيران، ومستوى التنسيق التقني، بوصفها مؤشرات جودة لا كمية فقط. وتُظهر المعطيات المتاحة أن الطيارين العسكريين المغاربة نفذوا خلال هذه التمارين مئات ساعات الطيران المشترك، وهو رقم يترجم استثمارا مكثفا في الجاهزية الجوية. بينما شملت التمارين البرية الثنائية تمرين «شرقي 2025» في تافيلالت، وتمرين «جبل الصحراء 2025» مع المملكة المتحدة، إضافة إلى تمرين «ماروك مانتليت 2025» المتخصص في الاستجابة للكوارث، بشراكة مع الحرس الوطني لولاية يوتا الأمريكية. وبهذا، توزعت التمارين الميدانية السبعة بين التراب الوطني، والمجال المتوسطي، وأراضي دول شريكة، بما يعكس مرونة جغرافية واضحة في التعاون العسكري.
في ما يخص القوات الخاصة، شارك المغرب في تمرين "Flintlock 2025" إلى جانب أكثر من 20 دولة إفريقية ودولية، وهو تمرين يركز على وحدات النخبة، ويستمر عادة بين ثلاثة وأربعة أسابيع، مما يدل على أن الوحدات الخاصة المغربية باتت منخرطة، للعام الثاني على التوالي، في شبكة تدريب قارية مستمرة، لا تقل كثافتها عن تمرين واحد كبير سنويا، وهو معدل مرتفع في هذا المجال شديد الانتقائية.
وإلى جانب المناورات القتالية، سجلت سنة 2025 تنظيم تمرين واحد على الأقل ذي طابع مدني- عسكري يركز على تدبير الكوارث، بمشاركة وحدات عسكرية وأطر مدنية، وهو رقم يبدو محدودا، لكنه دال عند مقارنته بسنوات سابقة لم تكن تتجاوز تمرينا واحدا كل سنتين أو ثلاث. هذا الارتفاع النسبي يعكس توسيعا لمفهوم الجاهزية، حيث لم يعد يُقاس الأداء العسكري فقط بعدد المناورات القتالية، بل أيضا بعدد السيناريوهات غير التقليدية التي يتم التدريب عليها.
بالموازاة مع ذلك، شاركت القوات المسلحة الملكية في 12 نشاطا تدريبيا وورشة عمل دولية، أغلبها في إطار الشراكة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والولايات المتحدة، ودول إفريقية وأوروبية. وشملت هذه الأنشطة ورشات (Regional Endeavour 2025) بمختلف محاورها المرتبطة بالتشغيل البيني، والأمن الإنساني، والاتصال الاستراتيجي، وإدارة الأزمات، فضلا عن دورات تكوينية متخصصة في إزالة الذخائر غير المنفجرة، وتكوين المحققين العسكريين، ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، واستخدام الطائرات بدون طيار في السياقات العملياتية. وقد احتُضن جزء مهم من هذه الأنشطة داخل المغرب، بينما نُظم بعضها في دول أوروبية، ما عزز صورة المغرب كمنصة إقليمية للتكوين العسكري متعدد الجنسيات.
أما من حيث التوزيع الجغرافي، فتُظهر الإحصائيات أن المغرب احتضن نحو 9 من أصل 19 نشاطا، ما يؤكد موقعه كمركز جذب للتدريب والتنسيق العسكري على المستوى الدولي، في حين توزعت بقية الأنشطة بين فرنسا، المجال المتوسطي، وأطر تنظيمية مرتبطة بالولايات المتحدة والناتو.
وعلى مستوى الدول المشاركة، انخرطت في هذه الأنشطة أكثر من 25 دولة من أوروبا، وأمريكا الشمالية، وإفريقيا، بما في ذلك الولايات المتحدة، فرنسا، المملكة المتحدة، إيطاليا، إسبانيا، إلى جانب دول إفريقية مثل موريتانيا، تونس، السنغال، غانا، نيجيريا، كينيا، رواندا، وكوت ديفوار.
ويعكس هذا التنوع الجغرافي تعدد دوائر الشراكة التي تعتمدها المملكة المغربية، وعدم حصر تعاونها العسكري في محور واحد.
تكشف هذه المعطيات الرقمية، في مجملها، أن مشاركة القوات المسلحة الملكية في سنة 2025 لم تكن ظرفية أو رمزية، بل جاءت ضمن نهج استراتيجي تراكمي يزاوج بين المناورة والتكوين، وبين البعد العملياتي والبعد المؤسساتي. فـ 7 تمارين ميدانية تعكس جاهزية ميدانية وقدرة على العمل المشترك، في حين تعبر 12 نشاطا تدريبيا عن استثمار طويل الأمد في بناء القدرات، ونقل الخبرات، ومواءمة العقيدة العسكرية الوطنية مع المعايير الدولية. وبهذا المعنى، يبرز المغرب، خلال سنة 2025، كفاعل عسكري منظم، يعتمد الأرقام والتكرار والاستمرارية مؤشراتٍ على سياسة دفاعية مندمجة، تعزز مكانته داخل منظومات الأمن الإقليمي والدولي دون ضجيج، ولكن بفعالية قابلة للقياس.
تكشف هذه المعطيات الرقمية، في مجملها، أن مشاركة القوات المسلحة الملكية في سنة 2025 لم تكن ظرفية أو رمزية، بل جاءت ضمن نهج استراتيجي تراكمي يزاوج بين المناورة والتكوين، وبين البعد العملياتي والبعد المؤسساتي. فـ 7 تمارين ميدانية تعكس جاهزية ميدانية وقدرة على العمل المشترك، في حين تعبر 12 نشاطا تدريبيا عن استثمار طويل الأمد في بناء القدرات، ونقل الخبرات، ومواءمة العقيدة العسكرية الوطنية مع المعايير الدولية. وبهذا المعنى، يبرز المغرب، خلال سنة 2025، كفاعل عسكري منظم، يعتمد الأرقام والتكرار والاستمرارية مؤشراتٍ على سياسة دفاعية مندمجة، تعزز مكانته داخل منظومات الأمن الإقليمي والدولي دون ضجيج، ولكن بفعالية قابلة للقياس.
إذا جُمعت هذه الأرقام في قراءة واحدة، فإن سنة 2025 تكشف عن مشاركة مغربية في مناورات ضمت ما مجموعه أكثر من 70 دولة عبر مختلف التمارين، وعن انخراط آلاف العسكريين المغاربة في تدريبات مشتركة داخل وخارج الوطن، وعن امتداد زمني للتدريب المشترك تجاوز في مجموعه أربعة أشهر فعلية من أيام المناورات، مما يشير بوضوح إلى تحول بنيوي واضح في العقيدة العسكرية المغربية، حيث أصبح التمرين المشترك أداة مركزية لبناء الجاهزية، وتكريس الشراكات، وهو ما يمكن حصره في مجموعة من المؤشرات أو المفاتيح التحليلية لرسم موقع المغرب داخل معادلات الأمن الإقليمي والدولي:
أولا: الانتقال من الدفاع الترابي إلى الأمن الممتد، إذ تكشف كثافة المناورات التي شاركت فيها القوات المسلحة الملكية خارج التراب الوطني، والتي تجاوزت في بعض التقديرات نصف مجموع التمارين السنوية، عن تحول عميق في تصور المجال الأمني المغربي، إذ امتد إلى الفضاءات الإقليمية والدولية التي تتقاطع فيها المصالح والتهديدات، مما يعني أن العقيدة العسكرية المغربية لم تعد تُبنى فقط على فكرة الردع داخل الحدود، بل على القدرة على الاشتغال الاستباقي داخل بيئات بعيدة نسبيا، سواء في المجال البحري أو في فضاءات التدريب متعددة الجنسيات، بما يسمح بتوسيع هامش الرؤية العملياتية، واكتساب خبرة ميدانية في مسارح محتملة للأزمات قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر.
ثانيا: ترسيخ مبدأ التشغيل البيني مع الجيوش الكبرى، ذلك أن الانتظام في مناورات تضم عشرات الدول، خاصة تلك التي تقودها أو تشارك فيها جيوش ذات خبرة عملياتية عالية، يفرض بالضرورة على القوات المسلحة الملكية العمل وفق معايير دولية مشتركة في التخطيط والتنفيذ والاتصال؛ وهو ما يسمح للقوات المسلحة الملكية بأن تصبح جزءا فاعلا داخل منظومات عسكرية مركبة.
ثالثا : تثبيت المغرب كمركز تدريب عسكري إقليمي، إذ يمكن قراءة استضافة مناورات كبرى متعددة الجنسيات بمشاركة عشرات الدول وآلاف الجنود بوصفه اعترافا عمليا بقدرة المغرب على توفير بيئة تدريبية متكاملة، تشمل البنية التحتية والتنوع الجغرافي والكفاءة التنظيمية. وهذا ما تكشفه الأرقام المرتفعة للمشاركين، وتعدد مواقع التدريب داخل التراب الوطني، وتكرار اختيار المغرب باستمرار كفضاء للتمرين.
رابعا: تنويع مجالات القوة العسكرية، حيث يكشف توزيع المناورات بين البر والبحر والجو، فضلا عن القوات الخاصة والمجالات الداعمة، عن خيار واضح يتمثل في بناء قوة عسكرية متوازنة، لا تعتمد على مجال واحد بوصفه مصدر التفوق. ويعكس هذا التنويع وعيا بأن الصراعات الحديثة تُحسم بالتفاعل المعقد بين مجالات متعددة.
خامسا: إعادة تعريف الدبلوماسية العسكرية كأداة نفو وقوة مغربية ناعمة، خاصة أنها أصبحت قناة قائمة بذاتها، ولا تقل أهمية ونجاعة عن الديبلوماسية السياسية. فكل مناورة (بعدد المشاركين فيها والأيام التي تستغرقها، والدول المنخرطة فيها) تنتج شبكة علاقات ميدانية بين الضباط والقيادات، وهي علاقات تحول تراكم الثقة إلى جسور للتحالف الصلب.
سادسا: رفع الجاهزية العملياتية الواقعية، إذ تكشف كثافة المناورات، خاصة تلك التي تمتد لأسابيع وتضم آلاف العسكريين، عن انتقال التدريب من مستوى التمرين النظري أو الاستعراضي إلى مستوى الجاهزية الفعلية، مما يضع منظومة القيادة أمام اختبار القدرة والجاهزية.
سابعا: التموضع داخل المنظومات الغربية دون انغلاق، ذلك أن الأرقام المتعلقة بالشركاء العسكريين تُظهر أن الحضور الغربي، خاصة الأمريكي والأوروبي، يحتل موقع الصدارة في المناورات التي شارك فيها المغرب، غير أن هذا الحضور لا يلغي العمق الإفريقي ولا الشراكات الإقليمية الأخرى. ويعكس هذا التوازن العددي بين الشركاء يعكس تموضعا استراتيجيا مرنا، يسعى إلى الاستفادة من الخبرة الغربية مع الحفاظ على هامش استقلالية، وعدم الارتهان إلى محور واحد.
ثامنا: تأهيل القيادة والتحكم في البيئات المعقدة، ذلك أن المناورات التي تتضمن قيادة مشتركة، وتنسيقا بين جيوش متعددة، تضع القيادات العسكرية المغربية أمام تحديات مركبة، تتعلق بإدارة القرار في سياقات متعددة اللغات والثقافات العسكرية. ومن هنا يتبين أن قيمة هذه المناورات عالية، رغم قلتها بالنظر إلى المناورات القتالية، لأنها تستهدف النخبة القيادية.
تاسعا: توسيع مفهوم الأمن ليشمل التهديدات غير التقليدية. من الواضح أن إدراج مناورات مرتبطة بالكوارث الطبيعية والإنقاذ والتنسيق المدني-العسكري، يعكس تحولا في فهم الأمن الوطني. فالأمن لم يعد يُختزل في مواجهة عسكرية مباشرة، بل أصبح يشمل إدارة الأزمات الكبرى التي تهدد الاستقرار المجتمعي.
عاشرا: تحويل الرقم إلى رسالة استراتيجية صامتة بإمكانها أن تقرأ بكل وضوح من طرف الحلفاء والخصوم على حد سواء، إذ يكشف عدد المناورات، وتنوعها، وتوزعها الزمني والجغرافي أن القوات المسلحة الملكية المغربية جيش حاضر ومتحرك ومتدرب باستمرار، كما يعني أنها حشدت، بالكثافة والاستمرارية، قوة ردع ناعمة لا يمكن تجاهلها.
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية "الوطن الآن"
