السبت 28 مايو 2022
كتاب الرأي

الصادق بنعلال:التعليقُ الرياضي خطرٌ على كأسِ العرب!

الصادق بنعلال:التعليقُ الرياضي خطرٌ على كأسِ العرب! الصادق بنعلال

1 - مرت الجولة الأولي من منافسات كأس العرب للأندية الرديفة في أجواء كروية بالغة الجمال من حيث دقة التنظيم وتوفير المركبات الرياضية وملحقاتها بمستواها العالمي، وحفل الافتتاح الذي صيغ بشكل بديع حافل بالاجتهاد والإبداع والأصالة العربية الباذخة، دون الحديث عن الأداء الفني عالي الجودة للمنتخبات المشاركة في هذا العرس العربي البهيج، إذ أننا تمكنا من متابعة مقابلات تميزت بالندية والصراع الرياضي المأمول. والواقع أن جل المنتخبات العربية بصمت على عرض كروي معتبر، مقارنة بما عهدناه عليها في المنافسات الإقليمية والدولية السابقة، وكلنا أمل أن يستمر أمر تنظيم هذه الكأس العربية بطريقة دورية ومنتظمة في مقبل السنوات، لما لهذه المناسبة الرياضية من دور محوري في التعلم والانفتاح على التجارب الرياضية المختلفة والتعود على المباريات الحماسية القوية، مما يساهم بالتأكيد في تدارك بعض النقائص التقنية وتأهيل الإنجاز الكروي للتظاهرات المحلية والعالمية، فضلا عن الغاية المثلى التي نتوخاها جميعا وهي إعادة اللحمة إلى الشعوب العربية الآسيوية والإفريقية، وتمتين أواصر الوحدة والمحبة والأخوة ، في سياق جيوسياسي غير سليم ، فعسى أن تصلح الرياضة ما أفسدته السياسة ! كما نتطلع إلى أن نستمتع بباقي الحوارات الرياضية ذات الصلة بربع ونصف ونهائي بطولة كأس العرب فيفا 2021 بقطر الشقيقة.

2 - ولئن كانت كل العناصر اللوجستيكية والفنية المساعدة على توهج هذه التظاهرة الرياضية وتألقها وجعلها في نفس مرتبة ما نراه في أرقى التجارب الرياضية العالمية دون أدنى مبالغة، فإننا للأسف لاحظنا مكونا أساسيا لم ينسجم وهذا النغم الموسيقي بالغ التناسق، يتمثل تحديدا في الوصف الرياضي لبعض وليس كل المعلقين على اللقاءات الفنية المباشرة. وما من شك في أن التعليق الرياضي مهمة بالغة الأهمية والخطورة في الآن عينه، فإذا كنا تعودنا على الواصفين الرياضيين الأجانب الذين يعلقون بكفاءة عالية جدا، على الحوارات الكروية في أوروبا على وجه الخصوص، حيث يسود الالتزام بالحياد والموضوعية والواقعية، وتجنب التلميحات الذاتية والإشارات ذات الشحنة السياسية والمعطيات غير اللازمة، وإفساح المجال للمشاهدين للاستمتاع باحتفالية الجماهير وأهازيجها الحماسية.. قلت إذا كنا قد تعودنا على هذه الصورة بالغة التحضر والحرفية، فإننا بالمقابل نجد بعض المعلقين الرياضيين العرب الذين أحرزوا على "شهرة" واسعة، يعتقدون خطأ أن الوصف الرياضي يستدعي قدرا كبيرا من الصياح والكلام الإنشائي الغارق في العاطفة، وحديثا وجدانيا "دسما" حافلا بالأمثال والأبيات الشعرية والأساطير والخرافات البائدة، لا تسمن ولا تغني من جوع الاستمتاع بلحظة رياضية هاربة!

3 - بل هناك من هؤلاء "المعلقين" من أثاروا حفيظة الجماهير بسبب اندفاعهم الذي لا يخلو من تهييج وتحريض، والحال أنهم أدعى الناس إلى التأني والرزانة وإعمال العقل تفاديا للفتنة. وفي هذا السياق لا يخلو "تعليق" السيد عصام الشوالي من انفلات وهلوسة وانغماس في الذاتية المنغلقة، خاصة حينما يكون الأمر مرتبطا بالمنتخب التونسي الشقيق، وخروج عن السياق بشكل مجاني فاضح، وقد ظهر جانب من هذه "الهرطقة الشوالية" في مقابلة مصر – الجزائر، فعوض أن يقتصر على اللقاء الكروي بما "قل ودل"، وجدناه يتحدث عن جميل مصر على الجزائر حيث شاركت إلى جانبها في حرب التحرير وتعليم أبناء الجزائر اللغة العربية (كذا !).. تماما كما هو الشأن بالنسبة "لمعلق" آخر حفيظ الدراجي الذي لا يتوانى عن حشد الكلمات المصفوفة ليلقي بها في مسامع المشاهدين دون ضابط رياضي محكم البناء، فضلا عن "تفوقه" في اختيار المعجم المستفز لجماهير المنتخبات التي لا تروقه، كما وقع في مقابلة تونس وسوريا، إذ لاحظ المتتبع العادي أن حفيظ كان بمثابة "جندي" سوري يقصف خصمه التونسي بمفردات كالقنابل، أما لخضر بريش فلم يتوان عن الإدلاء "بتصريح" بعيد كل البعد عن المهنية الرياضية، حيث زعم أن المنتخب المغربي في متناول الجزائر هكذا دون إبداء أي احترام يستدعيه المقام! والغريب أن هؤلاء المعلقين أمضوا عقودا في التحليل والدراسة والاهتمام بقضايا الرياضة العربية والدولية..

4 - وعلى ضوء ما سبق، يمكن القول إن الرياضة العربية حققت إنجازات محترمة في شتى الألعاب الفردية والجماعية، وهي في طريقها إلى مزيد من الإشعاع والتوهج بفضل السياسات الاستراتيجية التي تنهجها بعض الحكومات العربية المحترمة، وبفضل اجتهاد الشباب العربي ورغبته غير المحدودة في تطوير أدائه الفني و إحرازه أغلى البطولات والألقاب والأوسمة، لكننا نعاني ضعفا ملحوظا على مستوى الثقافة الرياضية وصفا وتعليقا وتحليلا. إننا لسنا في حاجة إلى الضجيج والهتاف والصياح غير المجدي، بقدر ما أننا في حاجة ماسة إلى قدر كبير من النضج والتعقل، من أجل المساهمة الفعالة في نشر قيم المحبة والأخوة والتضامن ومواجهة نزعات التطرف والشغب والعنصرية المقيتة!