jeudi 26 mars 2026
سياسة

عبد الغني السرار: فقدان الثقة في الأحزاب عمق من حدة العزوف الانتخابي

عبد الغني السرار: فقدان الثقة في الأحزاب عمق من حدة العزوف الانتخابي عبد الغني السرار، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة

يرى‭ ‬عبد‭ ‬الغني‭ ‬السرار،‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬بجامعة‭ ‬شعيب‭ ‬الدكالي‭ ‬بالجديدة،‭ ‬أن‭ ‬ظاهرة‭ ‬العزوف‭ ‬الانتخابي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬طريقة‭ ‬تدبير‭ ‬التزكيات‭ ‬الحزبية‭ ‬للترشح‭ ‬للانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬وانتخابات‭ ‬مجالس‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية،‭ ‬مؤكدا‭ ‬بأن‭ ‬سلوك‭ ‬الفاعل‭ ‬الحزبي‭ ‬المرتبط‭ ‬بمنح‭ ‬التزكيات‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تؤطره‭ ‬بعض‭ ‬الممارسات‭ ‬التقليدية‭ ‬ولم‭ ‬تلحقه‭ ‬أيه‭ ‬تغييرات‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬تدبيره‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬الكفاءة‭ ‬والاستحقاق،‭ ‬مشيرا‭ ‬بأن‭ ‬الفعل‭ ‬الحزبي‭ ‬أصبح‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬المجتمعي،‭ ‬مقابل‭ ‬توجه‭ ‬فئات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬خاصة‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭ ‬صوب‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تتيح‭ ‬لهم‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬همومهم‭ ‬دون‭ ‬المرور‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬الوساطة‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تضطلع‭ ‬بها‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية

 


كيف‭ ‬تقرأ‭ ‬ظاهرة‭ ‬العزوف‭ ‬الانتخابي‭ ‬وماهي‭ ‬أسبابها‭ ‬في‭ ‬نظرك؟‭ ‬
بداية‭ ‬وجب‭ ‬التأكيد‭ ‬أن‭ ‬ظاهرة‭ ‬العزوف‭ ‬الانتخابي‭ ‬تعتبر‭ ‬ظاهرة‭ ‬قديمة‭ ‬جديدة‭. ‬أما‭ ‬أسبابها‭ ‬فهي‭ ‬متعددة‭ ‬ومتداخلة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حصرها‭ ‬بالضبط،‭ ‬لكن‭ ‬يمكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أهمها،‭ ‬فمنها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مرتبط‭ ‬بأسباب‭ ‬ذاتية‭ ‬لصيقة‭ ‬بالمواطنين‭ ‬أنفسهم،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬وعدم‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬انتظارات‭ ‬شرائح‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المواطنين،‭ ‬خاصة‭ ‬ذات‭ ‬الطبيعة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬حيث‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬التنظيمات‭ ‬السياسية‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬تصوراتهم‭ ‬ومطالبهم‭ ‬والتعبير‭ ‬عنها‭ ‬سياسيا‭ ‬ومؤسساتيا‭.‬


أما‭ ‬الأسباب‭ ‬الموضوعية،‭ ‬فنجد‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬طريقة‭ ‬تدبير‭ ‬التزكيات‭ ‬الحزبية‭ ‬للترشح‭ ‬للانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬وانتخابات‭ ‬مجالس‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬سلوك‭ ‬الفاعل‭ ‬الحزبي‭ ‬المرتبط‭ ‬بمنح‭ ‬التزكيات‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تؤطره‭ ‬بعض‭ ‬الممارسات‭ ‬التقليدية‭ ‬ولم‭ ‬تلحقه‭ ‬أيه‭ ‬تغييرات‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬تدبيره‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬الكفاءة‭ ‬والاستحقاق،‭ ‬طبقا‭ ‬لما‭ ‬تنص‭ ‬عليه‭ ‬المادة‭ ‬من‭ ‬28‭ ‬القانون‭ ‬التنظيمي‭ ‬رقم‭ ‬29.11‭ ‬المتعلق‭ ‬بالأحزاب‭ ‬السياسية،‭ ‬التي‭ ‬تلزم‭ ‬الأحزاب‭ ‬باعتماد‭ ‬مبادئ‭ ‬الشفافية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬اختيار‭ ‬مرشحيها،‭ ‬والأهم‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬نزهاء‭ ‬وأكفاء‭ ‬وأمناء‭ ‬ولهم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بمهامهم‭ ‬التمثيلية‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬انتفاء‭ ‬هذه‭ ‬الشروط‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬النخب‭ ‬البرلمانية،‭ ‬أصبح‭ ‬الفعل‭ ‬الحزبي‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬المجتمعي،‭ ‬مقابل‭ ‬توجه‭ ‬فئات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬خاصة‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭ ‬صوب‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تتيح‭ ‬لهم‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬همومهم‭ ‬دون‭ ‬المرور‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬الوساطة‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تضطلع‭ ‬بها‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تأطير‭ ‬النقاشات‭ ‬العمومية‭ ‬وتوجيهها،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬فدخول‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬نقاشات‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬مواقفهم‭ ‬من‭ ‬كيفية‭ ‬تدبير‭ ‬الشأن‭ ‬العام،‭ ‬يعتبر‭ ‬مؤشرا‭ ‬دالا‭ ‬لظاهرة‭ ‬العزوف‭ ‬الانتخابي،‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬كمحصلة‭ ‬طبيعية‭ ‬لفقدانهم‭ ‬للثقة‭ ‬في‭ ‬الأحزاب‭ ‬التي‭ ‬أضحت‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مطالبهم‭.‬

 

ماذا‭ ‬عن‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬العزوف‭ ‬(اشكالية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الداخلية،‭ ‬غياب‭ ‬تداول‭ ‬النخب،‭ ‬تزكية‭ ‬أسماء‭ ‬فاسدة‭...‬)؟‭ ‬
يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬المغربية‭ ‬وفيما‭ ‬بينها‭ ‬تعتبر‭ ‬معطى‭ ‬غائب،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬تعطي‭ ‬الانطباع،‭ ‬لدى‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الوطني،‭ ‬على‭ ‬حرصها‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬قوانينها‭ ‬الداخلية‭ ‬وممارسة‭ ‬نشاطها‭ ‬وفق‭ ‬المنهجية‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬لكن‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الانطباعات‭ ‬الشكلية‭ ‬فإن‭ ‬مطلب‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الداخلية‭ ‬يبقى‭ ‬غائبا‭ ‬أو‭ ‬يتم‭ ‬تغييبه‭. ‬وبالتالي،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للأحزاب‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬شعار‭ ‬الديمقراطية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تسود‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بيئتهم‭ ‬الداخلية،‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬وطيدة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬دمقرطة‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬ووجود‭ ‬تنظيمات‭ ‬سياسية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المساهمة‭ ‬الفعالة‭ ‬في‭ ‬تأصيل‭ ‬مفهوم‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأحزاب‭ ‬سياسية‭ ‬أن‭ ‬تطمح‭ ‬لتطوير‭ ‬المجتمع‭ ‬وإصلاح‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬وهي‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬لإصلاح‭ ‬هيكلي‭.‬


وعليه،‭ ‬فغياب‭ ‬الأسلوب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬لحل‭ ‬المشاكل‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬بعض‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية،‭ ‬ساهم‭ ‬ويساهم‭ ‬في‭ ‬تفشي‭ ‬ظاهرة‭ ‬العزوف‭ ‬الانتخابي،‭ ‬وفقدان‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الوعود‭ ‬الانتخابية‭ ‬التي‭ ‬تقطعها‭ ‬النخب‭ ‬البرلمانية‭ ‬بمناسبة‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬لأن‭ ‬الطرق‭ ‬التي‭ ‬تُدبر‭ ‬بها‭ ‬البيوت‭ ‬الداخلية‭ ‬للأحزاب‭ ‬والأجواء‭ ‬التي‭ ‬تطبع‭ ‬حياتها‭ ‬اليومية‭ ‬تؤكد‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيه،‭ ‬انسداد‭ ‬البنية‭ ‬التنظيمية‭ ‬للأحزاب‭ ‬وعدم‭ ‬انفتاحها‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬وطبيعة‭ ‬المطالب‭ ‬المعبر‭ ‬عنها،‭ ‬وإنما‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬النقاشات‭ ‬الداخلية‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬فردية‭ ‬أو‭ ‬جماعية،‭ ‬وهي‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬ارتبط‭ ‬بها‭ ‬منطق‭ ‬الإقصاء‭ ‬والإقصاء‭ ‬المضاد،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أثر‭ ‬سلبيا‭ ‬على‭ ‬جل‭ ‬التنظيمات‭ ‬السياسية‭.‬


ومن‭ ‬بين‭ ‬الأسباب‭ ‬الذاتية‭ ‬أيضا،‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬ظاهرة‭ ‬العزوف‭ ‬الانتخابي‭ ‬نجد‭ ‬تغيير‭ ‬الانتماءات‭ ‬الحزبية‭ ‬بمناسبة‭ ‬كل‭ ‬استحقاق‭ ‬انتخابي،‭ ‬فالانتساب‭ ‬لحزب‭ ‬معين‭ ‬يعني‭ ‬بأن‭ ‬أطره‭ ‬ملتزمة‭ ‬بمرجعياته‭ ‬وأدبياته‭ ‬السياسية‭ ‬والإيديولوجية،‭ ‬لكن‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العملي‭ ‬يلاحظ‭ ‬بأن‭ ‬الأحزاب‭ ‬المغربية‭ ‬قلما‭ ‬توفرت‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأطر‭ ‬المخلصة‭ ‬لعقيدة‭ ‬الحزب‭ ‬السياسي،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الانتماء‭ ‬الحزبي‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬المغربية‭ ‬يبقى‭ ‬محكوما‭ ‬بمصالح‭ ‬برغماتية‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬إيديولوجية،‭ ‬وأغلب‭ ‬الأطر‭ ‬الحزبية‭ ‬غير‭ ‬متشبعة‭ ‬بمبادئ‭ ‬الالتزام‭ ‬السياسي‭ ‬تجاه‭ ‬أحزابها‭ ‬التي‭ ‬تمنحها‭ ‬التزكية‭ ‬للترشح‭ ‬للانتخابات،‭ ‬وحتى‭ ‬تجاه‭ ‬المواطنين‭ ‬الذين‭ ‬يمنحون‭ ‬أصواتهم‭ ‬للمرشحين‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬الحزب‭ ‬الذي‭ ‬ترشحوا‭ ‬باسمه‭ ‬ليجدهم‭ ‬لاحقا‭ ‬أصبحوا‭ ‬منخرطين‭ ‬في‭ ‬أحزاب‭ ‬أخرى‭ ‬ضاربين‭ ‬عرض‭ ‬الحائط‭ ‬بالتعاقد‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يجمعهم‭ ‬بالمواطنين،‭ ‬في‭ ‬خرق‭ ‬واضح‭ ‬لأخلاقيات‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يجد‭ ‬أبرز‭ ‬تجلياته‭ ‬في‭ ‬الإخلال‭ ‬بالتعاقد‭ ‬الانتخابي‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الشرعية‭ ‬والمشروعية‭ ‬لتدخلات‭ ‬النخب‭ ‬البرلمانية‭.‬

 

ما‭ ‬المخرج‭ ‬في‭ ‬نظرك‭ ‬لظاهرة‭ ‬العزوف‭ ‬ألم‭ ‬يحن‭ ‬الأوان‭ ‬لفسح‭ ‬المجال‭ ‬للجنة‭ ‬مستقلة‭ ‬للإشراف‭ ‬على‭ ‬الانتخابات،‭ ‬ولماذا‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬التصويت‭ ‬الآلي؟‭
بداية‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التذكير‭ ‬بأن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬لجنة‭ ‬مستقلة‭ ‬للإشراف‭ ‬على‭ ‬الانتخابات،‭ ‬ظهر‭ ‬تاريخيا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬سياسي،‭ ‬حيث‭ ‬طرحه‭ ‬التشكيك‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تبديه‭ ‬أحزاب‭ ‬اليسار‭ ‬خصوصا‭ ‬حول‭ ‬نزاهة‭ ‬الانتخابات،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحزبية،‭ ‬كانت‭ ‬تعلق‭ ‬فشلها‭ ‬على‭ ‬شماعة‭ ‬عدم‭ ‬حياد‭ ‬الإدارة‭ ‬الانتخابية،‭ ‬حيث‭ ‬ظل‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬الانتخابي‭ ‬ملازما‭ ‬لكل‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬التي‭ ‬مر‭ ‬بها‭ ‬المغرب‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬1963‭. ‬وهذا‭ ‬ينطبق‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬الدراسات‭ ‬الجامعية‭ ‬التي‭ ‬اشتغلت‭ ‬على‭ ‬موضوع‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية‭ ‬سواء‭ ‬الترابية‭ ‬أو‭ ‬التشريعية‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتدخل‭ ‬فيها‭ ‬الإدارة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬شكل‭ ‬عقبة‭ ‬أمام‭ ‬تحقيق‭ ‬التراضي‭ ‬السياسي‭ ‬والحسم‭ ‬في‭ ‬نزاهة‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬التشريعية‭.‬


بيد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الشكوك‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمدى‭ ‬نزاهة‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بظاهرة‭ ‬العزوف‭ ‬الانتخابي،‭ ‬فقدت‭ ‬وجاهتها‭ ‬ومبرراتها‭ ‬منذ‭ ‬مدة،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬التدابير‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تبنيها،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الإدارة‭ ‬الانتخابية‭ ‬قصد‭ ‬بث‭ ‬الطمأنينة‭ ‬داخل‭ ‬صفوف‭ ‬الأحزاب‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تشكو‭ ‬من‭ ‬اشراف‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفيذي‭ ‬ممثلا‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬على‭ ‬تدبير‭ ‬العمليات‭ ‬الانتخابية‭ ‬وهذه‭ ‬التدابير‭ ‬يمكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬قبيل:‭ ‬اشراك‭ ‬الفاعلين‭ ‬الحزبيين‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تحضير‭ ‬القوانين‭ ‬الانتخابية،‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬مقترحاتهم‭ ‬واعتمادها‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬مؤسسة‭ ‬البرلمان،‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يبدد‭ ‬الشكوك‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تثيرها‭ ‬بعض‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سماح‭ ‬الإدارة‭ ‬للملاحظين‭ ‬الدوليين‭ ‬والوطنيين‭ ‬من‭ ‬مراقبة‭ ‬وملاحظة‭ ‬الانتخابات‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬30.11‭ ‬واسناد‭ ‬رئاسة‭ ‬اللجنة‭ ‬الخاصة‭ ‬بذلك‭ ‬للمجلس‭ ‬الوطني‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬طبقا‭ ‬للقانون‭ ‬رقم‭ ‬76.15‭ ‬لاسيما‭ ‬المادة‭ ‬33‭ ‬منه،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تمكين‭ ‬كل‭ ‬مرشح‭ ‬أو‭ ‬لائحة‭ ‬ترشيح‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬التوفر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكتب‭ ‬على‭ ‬ممثل‭ ‬ليراقب‭ ‬عمليات‭ ‬التصويت‭ ‬وفرز‭ ‬الأصوات‭ ‬وإحصائها،‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ ‬58‭ ‬من‭ ‬مدونة‭ ‬الانتخابات،‭ ‬فكل‭ ‬هذه‭ ‬التدابير‭ ‬تستمد‭ ‬مشروعيتها‭ ‬من‭ ‬الدستور‭ ‬والقوانين‭ ‬التنظيمية‭ ‬والعادية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالعملية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬تبني‭ ‬قانون‭ ‬تنظيمي‭ ‬جديد‭ ‬للأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬وتحيين‭ ‬القوانين‭ ‬الانتخابية‭.‬


مع‭ ‬الإشارة‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬حرص‭ ‬أعلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬نزاهة‭ ‬المسار‭ ‬الانتخابي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬بدا‭ ‬واضحا‭ ‬من‭ ‬توجيهات‭ ‬الملك،‭ ‬بمناسبة‭ ‬الخطاب‭ ‬الملكي‭ ‬الذي‭ ‬صادف‭ ‬الذكرى‭ ‬السادسة‭ ‬والعشرين‭ ‬لعيد‭ ‬العرش،‭ ‬الموجهة‭ ‬لوزير‭ ‬الداخلية،‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يجسد‭ ‬حرص‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬الثابت‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬شروط‭ ‬الشفافية‭ ‬والنزاهة‭ ‬في‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬التشريعية‭ ‬المقبلة‭ ‬2026،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تأكيد‭ ‬الملك‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬إجراء‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬في‭ ‬موعدها‭ ‬الدستوري‭ ‬والتشديد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬اعتماد‭ ‬المنظومة‭ ‬المؤطرة‭ ‬لها‭ ‬قبل‭ ‬متم‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬يعكسان‭ ‬الإرادة‭ ‬الملكية‭ ‬الثابتة‭ ‬لترسيخ‭ ‬وتعزيز‭ ‬دعائم‭ ‬المسار‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الوطني،‭ ‬وتعزيز‭ ‬مشروعية‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدستورية‭ ‬التمثيلية،‭ ‬في‭ ‬انسجام‭ ‬تام‭ ‬مع‭ ‬مقتضيات‭ ‬الفصل‭ ‬11‭ ‬من‭ ‬الدستور،‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الانتخابات‭ ‬الحرة‭ ‬والنزيهة‭ ‬أساسا‭ ‬للتمثيل‭ ‬النيابي‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬وهذا‭ ‬الحرص‭ ‬الملكي‭ ‬على‭ ‬نزاهة‭ ‬المسار‭ ‬الانتخابي‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬الأدوار‭ ‬الدستورية‭ ‬التي‭ ‬يضطلع‭ ‬بها‭ ‬الملك‭ ‬كرئيس‭ ‬للدولة‭ ‬وضامن‭ ‬لاحترام‭ ‬الدستور،‭ ‬وحكم‭ ‬أسمى‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬ينص‭ ‬عليه‭ ‬الفصل‭ ‬42‭ ‬من‭ ‬الدستور‭.‬