يرى عبد الغني السرار، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، أن ظاهرة العزوف الانتخابي تعود إلى طريقة تدبير التزكيات الحزبية للترشح للانتخابات البرلمانية وانتخابات مجالس الجماعات الترابية، مؤكدا بأن سلوك الفاعل الحزبي المرتبط بمنح التزكيات ما زالت تؤطره بعض الممارسات التقليدية ولم تلحقه أيه تغييرات في أفق تدبيره وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، مشيرا بأن الفعل الحزبي أصبح غير قادر على التأثير في النسيج المجتمعي، مقابل توجه فئات كبيرة من المواطنين خاصة فئة الشباب صوب وسائل الاتصال الحديثة، التي أصبحت تتيح لهم التعبير عن همومهم دون المرور عبر قنوات الوساطة الكلاسيكية التي كانت تضطلع بها الأحزاب السياسية
كيف تقرأ ظاهرة العزوف الانتخابي وماهي أسبابها في نظرك؟
بداية وجب التأكيد أن ظاهرة العزوف الانتخابي تعتبر ظاهرة قديمة جديدة. أما أسبابها فهي متعددة ومتداخلة لا يمكن حصرها بالضبط، لكن يمكن الإشارة إلى أهمها، فمنها ما هو مرتبط بأسباب ذاتية لصيقة بالمواطنين أنفسهم، من قبيل فقدان الثقة في العمل السياسي وعدم قدرته على تلبية انتظارات شرائح واسعة من المواطنين، خاصة ذات الطبيعة الاجتماعية والاقتصادية، حيث يرون أن أغلب التنظيمات السياسية غير قادرة على نقل تصوراتهم ومطالبهم والتعبير عنها سياسيا ومؤسساتيا.
أما الأسباب الموضوعية، فنجد في مقدمتها طريقة تدبير التزكيات الحزبية للترشح للانتخابات البرلمانية وانتخابات مجالس الجماعات الترابية، ذلك أن سلوك الفاعل الحزبي المرتبط بمنح التزكيات ما زالت تؤطره بعض الممارسات التقليدية ولم تلحقه أيه تغييرات في أفق تدبيره وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، طبقا لما تنص عليه المادة من 28 القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، التي تلزم الأحزاب باعتماد مبادئ الشفافية والديمقراطية في طريقة اختيار مرشحيها، والأهم أن يكونوا نزهاء وأكفاء وأمناء ولهم القدرة على القيام بمهامهم التمثيلية. وفي ظل انتفاء هذه الشروط لدى بعض النخب البرلمانية، أصبح الفعل الحزبي غير قادر على التأثير في النسيج المجتمعي، مقابل توجه فئات كبيرة من المواطنين خاصة فئة الشباب صوب وسائل الاتصال الحديثة، التي أصبحت تتيح لهم التعبير عن همومهم دون المرور عبر قنوات الوساطة الكلاسيكية التي كانت تضطلع بها الأحزاب السياسية في مجال تأطير النقاشات العمومية وتوجيهها، وبالتالي، فدخول الأفراد في نقاشات عبر المنصات الرقمية للتعبير عن مواقفهم من كيفية تدبير الشأن العام، يعتبر مؤشرا دالا لظاهرة العزوف الانتخابي، التي جاءت كمحصلة طبيعية لفقدانهم للثقة في الأحزاب التي أضحت عاجزة عن الدفاع عن مطالبهم.
ماذا عن مسؤولية الأحزاب السياسية في ظاهرة العزوف (اشكالية الديمقراطية الداخلية، غياب تداول النخب، تزكية أسماء فاسدة...)؟
يمكن القول إن الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية المغربية وفيما بينها تعتبر معطى غائب، وذلك على الرغم من أن جميع الأحزاب السياسية تعطي الانطباع، لدى الرأي العام الوطني، على حرصها على احترام قوانينها الداخلية وممارسة نشاطها وفق المنهجية الديمقراطية، لكن بالرغم من هذه الانطباعات الشكلية فإن مطلب الديمقراطية الداخلية يبقى غائبا أو يتم تغييبه. وبالتالي، لا يمكن للأحزاب أن تحمل شعار الديمقراطية دون أن تسود الديمقراطية بيئتهم الداخلية، ذلك لأن هناك علاقة وطيدة ما بين دمقرطة الدولة والمجتمع ووجود تنظيمات سياسية قادرة على المساهمة الفعالة في تأصيل مفهوم الديمقراطية، كما لا يمكن لأحزاب سياسية أن تطمح لتطوير المجتمع وإصلاح مؤسسات الدولة وهي ذاتها في حاجة لإصلاح هيكلي.
وعليه، فغياب الأسلوب الديمقراطي لحل المشاكل الداخلية التي تعاني منها بعض الأحزاب السياسية، ساهم ويساهم في تفشي ظاهرة العزوف الانتخابي، وفقدان الثقة في الوعود الانتخابية التي تقطعها النخب البرلمانية بمناسبة الحملات الانتخابية، لأن الطرق التي تُدبر بها البيوت الداخلية للأحزاب والأجواء التي تطبع حياتها اليومية تؤكد بشكل لا لبس فيه، انسداد البنية التنظيمية للأحزاب وعدم انفتاحها ليس فقط على المجتمع وطبيعة المطالب المعبر عنها، وإنما حتى على مستوى النقاشات الداخلية سواء كانت فردية أو جماعية، وهي الظاهرة التي ارتبط بها منطق الإقصاء والإقصاء المضاد، الأمر الذي أثر سلبيا على جل التنظيمات السياسية.
ومن بين الأسباب الذاتية أيضا، التي ساهمت في تكريس ظاهرة العزوف الانتخابي نجد تغيير الانتماءات الحزبية بمناسبة كل استحقاق انتخابي، فالانتساب لحزب معين يعني بأن أطره ملتزمة بمرجعياته وأدبياته السياسية والإيديولوجية، لكن على المستوى العملي يلاحظ بأن الأحزاب المغربية قلما توفرت على هذا النوع من الأطر المخلصة لعقيدة الحزب السياسي، إذ يمكن القول بأن الانتماء الحزبي في التجربة المغربية يبقى محكوما بمصالح برغماتية أكثر منها إيديولوجية، وأغلب الأطر الحزبية غير متشبعة بمبادئ الالتزام السياسي تجاه أحزابها التي تمنحها التزكية للترشح للانتخابات، وحتى تجاه المواطنين الذين يمنحون أصواتهم للمرشحين بناء على الحزب الذي ترشحوا باسمه ليجدهم لاحقا أصبحوا منخرطين في أحزاب أخرى ضاربين عرض الحائط بالتعاقد السياسي الذي يجمعهم بالمواطنين، في خرق واضح لأخلاقيات العمل السياسي الذي يجد أبرز تجلياته في الإخلال بالتعاقد الانتخابي الذي يمنح الشرعية والمشروعية لتدخلات النخب البرلمانية.
ما المخرج في نظرك لظاهرة العزوف ألم يحن الأوان لفسح المجال للجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات، ولماذا لا يعتمد التصويت الآلي؟
بداية لا بد من التذكير بأن الحديث عن لجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات، ظهر تاريخيا في سياق سياسي، حيث طرحه التشكيك الذي كانت تبديه أحزاب اليسار خصوصا حول نزاهة الانتخابات، ذلك أن العديد من هذه التنظيمات الحزبية، كانت تعلق فشلها على شماعة عدم حياد الإدارة الانتخابية، حيث ظل التشكيك في المسار الانتخابي ملازما لكل الاستحقاقات التي مر بها المغرب بدءا من سنة 1963. وهذا ينطبق حتى على الدراسات الجامعية التي اشتغلت على موضوع الاستحقاقات الانتخابية، التي كانت تعتبر أن الاستحقاقات الانتخابية سواء الترابية أو التشريعية من أكثر المجالات التي كانت تتدخل فيها الإدارة، وهو ما شكل عقبة أمام تحقيق التراضي السياسي والحسم في نزاهة الاستحقاقات التشريعية.
بيد أن هذه الشكوك المرتبطة بمدى نزاهة الانتخابات التشريعية وعلاقتها بظاهرة العزوف الانتخابي، فقدت وجاهتها ومبرراتها منذ مدة، خاصة بعد التدابير التي تم تبنيها، من قبل الإدارة الانتخابية قصد بث الطمأنينة داخل صفوف الأحزاب التي كانت تشكو من اشراف الجهاز التنفيذي ممثلا في وزارة الداخلية على تدبير العمليات الانتخابية وهذه التدابير يمكن الإشارة إلى بعض منها من قبيل: اشراك الفاعلين الحزبيين في عملية تحضير القوانين الانتخابية، والانفتاح على مقترحاتهم واعتمادها من داخل مؤسسة البرلمان، بالشكل الذي يبدد الشكوك التي كانت تثيرها بعض الأحزاب السياسية، أو من خلال سماح الإدارة للملاحظين الدوليين والوطنيين من مراقبة وملاحظة الانتخابات بموجب القانون رقم 30.11 واسناد رئاسة اللجنة الخاصة بذلك للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، طبقا للقانون رقم 76.15 لاسيما المادة 33 منه، أو عبر تمكين كل مرشح أو لائحة ترشيح من حق التوفر في كل مكتب على ممثل ليراقب عمليات التصويت وفرز الأصوات وإحصائها، بموجب المادة 58 من مدونة الانتخابات، فكل هذه التدابير تستمد مشروعيتها من الدستور والقوانين التنظيمية والعادية الخاصة بالعملية الانتخابية، وفي مقدمتها تبني قانون تنظيمي جديد للأحزاب السياسية وتحيين القوانين الانتخابية.
مع الإشارة أيضا إلى حرص أعلى مؤسسة في البلاد على ضمان نزاهة المسار الانتخابي، وهو ما بدا واضحا من توجيهات الملك، بمناسبة الخطاب الملكي الذي صادف الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، الموجهة لوزير الداخلية، بالشكل الذي يجسد حرص الملك محمد السادس الثابت على تأمين شروط الشفافية والنزاهة في الاستحقاقات التشريعية المقبلة 2026، ذلك أن تأكيد الملك على ضرورة إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها الدستوري والتشديد على ضرورة اعتماد المنظومة المؤطرة لها قبل متم سنة 2025، يعكسان الإرادة الملكية الثابتة لترسيخ وتعزيز دعائم المسار الديمقراطي الوطني، وتعزيز مشروعية المؤسسات الدستورية التمثيلية، في انسجام تام مع مقتضيات الفصل 11 من الدستور، الذي يجعل من الانتخابات الحرة والنزيهة أساسا للتمثيل النيابي الديمقراطي، وهذا الحرص الملكي على نزاهة المسار الانتخابي نابع من طبيعة الأدوار الدستورية التي يضطلع بها الملك كرئيس للدولة وضامن لاحترام الدستور، وحكم أسمى بين المؤسسات، وفق ما ينص عليه الفصل 42 من الدستور.
