lundi 30 mars 2026
94b236ee-55fe-48e2-a6da-927a71b2e866.jpg
كتاب الرأي

خالد أخازي: ثورة المفاتيح المنتظرة.. التدبير المفوض يفضح عجز بنسعيد عن إنقاذ دور الشباب

خالد أخازي: ثورة المفاتيح المنتظرة.. التدبير المفوض يفضح عجز بنسعيد عن إنقاذ دور الشباب خالد أخازي

سي بنسعيد... لا أشك أن سؤال تطوير دور الشباب، يسكنك... ويرؤقه، لكن مع الأسف... حسن النوايا غير كاف، لأنك مع الأسف... تصوغ الأسئلة القديمة من زمن قديم، لجيل جديد، وبالتالي فالأجوبة ستكون متأخرة عن انتظرات الشباب بزمن ضوئي شاسع، لأن من يجيب ويخطط لا يعرف شباب المغرب الجديد.
فهل مررت في يوم من الأيام بجانب تلك البنايات الشاحبة التي تحمل لافتة دار الشباب وقرأت تاريخ تأسيسها... تعال صديقي... ادخل معي بهدوء إلى هذا المبنى الذي يمثل شاهد قبر لسياسات عمومية فاشلة، لا تضع ربطة العنق ولا تنتظر استقبال رسمي بالورود أو كاميرات الصحافة التي ترافقك في الصالونات المكيفة وتلتقط لك الصور وأنت توزع الابتسامات، فنحن هنا في قلب العالم الحقيقي، حيث تتكسر شعاراتك الرنانة على جدران من الإسمنت البارد، وحيث يتحول كلامك المنمق عن الرقمنة والذكاء الاصطناعي وجواز الشباب إلى لغة غريبة  تثير العجب أكثر مما تثير الدهشة. إنها تبدو كآثار غابرة من عصر ما قبل الأنترنيت، جدران متسخة، أبواب حديدية ينهشها الصدأ، وحارس في مكان ما، يملك  سلطة إحياء هذه الدار، كأنه على العتبة يحمي الخواء المقدس، وقد يغدو صاحب القرار والمدير، وقد تجد موظفا لا علاقة له بالقطاع، ولنا شهادات لدور شباب أصبحت مرافق خاصة مدرة للريع.
ستجد بالداخل كراسي بلاستيكية مكسورة وطاولة من زمن مضى فقدت وظيفتها منذ عقدين... أتحدث إليك... فأنت لا تعرف أن هذه الدور أصبحت بيوت للأشباح أو ملاذ للمتقاعدين الذين يلعبون الضامة هربا من ضجيج البيوت، بينما الشباب الذين من المفترض أن تحتضنهم هذه المؤسسات، يمرون من أمامها مسرعين نحو المقاهي أو يغرقون في عوالم تيك توك وفري فاير داخل غرفهم المظلمة.

صمت القبور ورائحة العفن.. إنجازات تفوح باليأس

تقدم خطوة إضافية يا صديقي... مرحبا بك في الواقع المر  بعيدا عن السجاد الأحمر...ودع حواسك التي  ألفت عطور باريس...تتشبع برائحة هذا الخراب الساكن هنا، انظر إلى الأبواب الحديدية التي أكلها الصدأ وكأنها أبواب سجن مهجور لا مؤسسة من المفترض أن تحتضن طاقة وطن بأكمله، تأمل ذلك الزجاج المكسور في النوافذ والذي تم ترقيعه بقطع من الكرتون المهترئ ليحجب شمس الإبداع المفقودة، ولاحظ تلك الكراسي البلاستيكية المكدسة في الزاوية كجثث هامدة، ألوانها باهتة وقوائمها مكسورة شاهدة على ميزانيات صرفت في العبث، شاهد بعينيك كيف استحالت الساحات التي كان يفترض أن تضج بالحركة والمنافسات الرياضية والمسرحية إلى مطارح عشوائية للنفايات أو مواقف سيارات غير مرخصة لأبناء الحي المحظوظين بتواطؤ مع حراس الليل والنهار.
دعنا نستمع الآن يا  صديقي المهدي، أرهف السمع جيد، هل تسمع ضجيج الابتكار، هل تلتقط أذناك صدى نقاشات الشباب أو أصوات الآلات الموسيقية أو نقرات لوحات المفاتيح في ورشات البرمجة التي تتحدث عنها في التلفاز بشغف مصطنع، لا شيء سوى الصمت المطبق، صمت يشبه صمت المقابر، يقطعه بين الفينة والأخرى صرير باب صدئ يحركه الريح، أو شخير حارس منهك اتخذ من مكتب الإدارة غرفة قيلولة ، هذا الحارس الذي لا يملك من مؤهلات التنشيط التربوي سوى سلسلة مفاتيح حديدية تتدلى من حزامه، يغلق بها الأبواب متى شاء ويطرد بها من تبقى من الحالمين متى تعكر مزاجه. في الخارج وبجوار سور هذه المؤسسة الميتة يمكنك أن تسمع بوضوح ضحكات الشباب الهيستيرية وهم يتسكعون على النواصي، وتسمع رنين هواتفهم وهم يتابعون تفاهات الأنترنيت، لقد اختاروا الشارع لأن الشارع على قسوته أرحم من الفراغ القاتل الذي تقدمه لهم وزارتك.
خذ نفسا عميقا يا سي المهدي... وشم رائحة الإنجازات التي تتباهى بها، هل تشم رائحة الإبداع، بشكل قاطع لا، ما يزكم الأنوف هنا هو رائحة الرطوبة المتعفنة التي تنهش الجدران المتآكلة، رائحة الغبار المتراكم على رفوف مكتبة لا تضم أي كتب... وإن وجدت فإنها بلا موجه في القراءة...أكلتها الأرضة ولا تصلح حتى لإشعال نار للتدفئة، رائحة البول العطنة التي تفوح من الزوايا الخارجية للمبنى بعد أن تحول إلى مرحاض عمومي للمارة في غياب أبسط شروط الحراسة والنظافة، ورائحة اليأس التي تتسرب من كل شق في هذا البناء الكئيب وتخنق أنفاس كل شاب فكر في عبور العتبة. هذه هي الروائح الحقيقية التي تفوح من سياساتكم الترقيعية، روائح الفشل الذريع في تدبير قطاع كان من الممكن أن يكون قاطرة لبناء الإنسان، لكنه تحول إلى قاطرة لصناعة الفراغ والعدمية والنفور من كل ما هو مؤسساتي.

جيل الفور كي في مواجهة إدارة الأبيض والأسود

هل تعتقد حقا أن خطابك الممنهج عن رقمنة القطاع سينطلي على جيل يسبق تقنيات وزارتك بضوئيات، إن جيل الزيد والألفا يا سي المهدي لا يبحث عن قاعة للمطالعة تضم كتب ثقيلة الفهم وأخرى أكلها العث، ولا عن ورشة للمسرح يلقن فيها مخرج متعب أو سطحي البيداغوجيا تقنيات الخشبة التي ماتت مع موليير وتجاوزها الزمن. هذا الجيل يريد ويفي لا ينقطع، يريد منصات لإنشاء المحتوى وتصوير الفيديوهات، يريد كودينغ وذكاء اصطناعي وستريمينغ، يريد فضاءات تشبه طموحه الجامح لا مكاتب إدارية تشبه مستوصفات السبعينيات بأوراقها الصفراء وأختامها البالية. إنك تدبر قطاع ميت سريريا بمشرط بائد يعود للقرن الماضي، والحل ليس في صباغة الجدران باللون الأزرق أو الأخضر وإقامة حفلات تدشين وهمية، بل في اقتلاع المشكل من جذوره البيروقراطية.

الموظف المتقاعد أو " رجل الجماعة  المتعدد المهام ...الحارس الحاكم.. كارثة غياب الأطر

سنتحدث عن غياب الأطر وهذه بحد ذاتها كارثة تستحق محاكمة شعبية،  رغم وجود آلاف الخريجين من معاهدك...فكيف يعقل أن تترك مؤسسات بحجم دور الشباب تدبر بأشخاص لا يملكون أي تكوين بيداغوجي أو نفسي أو اجتماعي للتعامل مع المراهقين والشباب في أحلك فترات تكوين شخصياتهم. لقد تم إفراغ هذه الدور من الكفاءات وأصبح الموظف التابع لوزارتكم  إن وجد يعتبر تعيينه في دار الشباب عقاب إداري أو نفي إلى حافة النسيان بعيدا عن الترقيات والمكافآت. لا توجد تحفيزات، لا توجد برامج تكوين مستمر تواكب تطورات العصر، ولا توجد حتى ميزانيات لتسيير اليومي لشراء مصباح أو إصلاح صنبور. الحارس أو شخص ما....لا نعرف إطاره الوظيفي.. هو المدير، وهو المنشط، وهو المكلف بالنظافة، وهو الحاكم بأمره الذي يقرر من يدخل ومن يخرج بحسب مزاجه وأهوائه. إنك تتحدث في مؤتمرات باريس وكيغالي عن برامج صناعة ألعاب الفيديو وتكوين الشباب وكأنك وزير في السويد، بينما في الواقع الشاب المغربي الذي يطرق باب دار الشباب في حيه الشعبي المهمش لا يجد حتى موظف يبتسم في وجهه أو يوجهه لاكتشاف ذاته، بل يجد جدران خاوية وإدارة مغلقة بحجة أن الموظف الوحيد في رخصة مرضية منذ أشهر أو ذهب لقضاء غرض شخصي ولن يعود على الإطلاق...

شهادات من قعر الخراب.. أحلام تتكسر على أبواب موصدة

دعنا من الوصف العام ولنستمع للشهادات الحية، فهؤلاء هم الضحايا الحقيقيون لخطاباتك الوهمية وسياساتك الورقية. يقول طارق وهو شاب في الثانية والعشرين من عمره من حي بيضاوي حيث تنعدم الفرص وتكثر المخاطر، جئت إلى دار الشباب بحينا أحمل فكرة تأسيس نادي للمسرح التفاعلي لمناقشة قضايا الحي، جمعت أصدقائي وكتبنا مشروع بسيط بجهدنا الخاص، وقفنا أمام الباب لأسابيع ولم نجد سوى الحارس الذي أخبرنا ببرود تام أن القاعة الوحيدة الصالحة للاستعمال تم كراؤها لجمعية مقربة من رئيس الجماعة لتخزين معداتها وحقائبها، وحين طلبنا لقاء المدير قيل لنا إنه يداوم يوم واحد في الأسبوع وربما لا يأتي، تبخر حلمنا وعدنا للجلوس على رصيف المقهى نراقب السيارات المارة ونلعن كل مسؤول يتحدث عبر الشاشات عن إدماج الشباب والاستماع إليهم.
وهذه سلمى شابة من منطقة قروية في أعالي جبال الأطلس تروي بمرارة كيف أن دار الشباب في قريتها هي مجرد بناية إسمنتية مشوهة بنوافذ محطمة تزيد من قسوة البرد، تقول سلمى ودموع الإحباط تملأ عينيها، لا يوجد هنا أي إطار أو موظف، البناية تستعملها السلطات المحلية في بعض الأحيان لتوزيع المساعدات أو عقد اجتماعات طارئة للشيوخ والمقدمين، وفي بقية الأيام تصبح مرتع للكلاب الضالة والمشردين، سمعنا الوزير في الراديو يتحدث عن جواز الشباب والرقمنة فضحكنا حتى بكينا من هول المفارقة، نحن لا نملك حتى طريق معبدة لنصل إلى هذه الدار الخاوية فكيف سنستعمل جواز رقمي في مكان لا تصله إشارة الهاتف ولا يعرف شبكة الأنترنيت.
أما ياسين من مدينة مهملة فيحكي كيف استطاع هو ومجموعة من المهووسين بالموسيقى جمع تبرعات بسيطة باقتطاعها من مصروفهم اليومي لشراء آلات موسيقية مستعملة، ولجأوا إلى دار الشباب هربا من ضيق منازلهم وتذمر الجيران من الأصوات، يقول ياسين بغصة، كنا ننظف القاعة بأنفسنا ونصلح المصابيح المكسورة من مالنا الخاص رغبة منا في خلق فضاء للإبداع، لكن الكارثة كانت في العقليات الإدارية المتحجرة، كان الموظف يطردنا في الرابعة عصرا بحجة انتهاء وقت العمل الإداري وكأننا في مقاطعة لتصحيح الإمضاءات، وكأن الإبداع له توقيت إداري يختم بآلة الحضور والانصراف، وفي عطلة نهاية الأسبوع حيث نتفرغ من دراستنا لممارسة هوايتنا وتطوير مهاراتنا تكون أبواب المؤسسة موصدة بأقفال غليظة لأن الموظف في عطلة أسبوعية، هكذا تقتل وزارتك يا بنسعيد أي مبادرة حرة وتغتال الشغف بدم بارد وإصرار عجيب.
حصاد العدم.. من الفراغ المؤسساتي إلى التطرف والانحراف
هذا هو الفراغ يا سي للمهدي، فراغ مؤسساتي وفراغ روحي وفراغ بيداغوجي يهوي بشبابنا نحو الهاوية. إنكم تزرعون العدم وتحصدون التفاهة والتطرف والانحراف والانتحار البطيء. الشاب الذي يجد الأبواب موصدة في وجهه والذي لا يجد حضن مؤسساتي يوجه طاقته ويفجر إبداعه سيجد حتما من يستغل هذا الفراغ المروع. تجار المخدرات لا يغلقون أبوابهم في الرابعة عصرا، وعصابات الهجرة السرية وتجار قوارب الموت لا يطلبون تصاريح إدارية معقدة ووثائق مستحيلة للانضمام إليهم، وصناع المحتوى التافه والمنحط على الأنترنيت يفتحون أذرعهم لكل هارب من جحيم واقعكم الكئيب... والتطرف يصطاد في وحل الفراغ، لأنه لا يقفل الأبواب. 
أنتم تتركون الشباب فريسة سهلة لكل الموبقات ثم تتباكون في البرلمان أمام الميكروفونات على انحراف القيم وتطالبون بتشديد المقاربة الأمنية، متناسين بوقاحة أنكم أنتم من أسس لهذا الخراب حين تخليتم عن دوركم الحقيقي في التربية والتأطير والتوجيه وبناء الإنسان.

صفعة المقارنة الدولية.. بين حاضنات سيول ومتاهات  الدور المنسية

إن المقارنة الدولية تصفعنا يا سي المهدي على وجوهنا الباردة، في دول لا تملك نصف تاريخنا ولا ربع شعاراتنا، تتحول مراكز الشباب إلى فضاءات للمعرفة والابتكار والصناعة، بينما نحن ما نزال نناقش رخصة الجمعية والتأمين على الحوادث ومزاج الموظف في الوظيفة العمومية. في فرنسا تعتمد مراكز الشباب على شراكات متينة مع النسيج الجمعوي الفاعل حيث تمنح الدولة الفضاء وتراقب الجودة بدقة بينما يبتكر الشباب المحتوى بحرية تامة. وفي ألمانيا يتم تبني مفهوم العمل الشبابي المفتوح الذي يمنح استقلالية كاملة للمرافق مع التركيز على الإدماج المهني الحقيقي والابتكار الرقمي المتقدم. أما في كوريا الجنوبية فقد تحولت مراكز الشباب إلى حاضنات ذكية للابتكار التكنولوجي، حيث يجد الشاب معامل للذكاء الاصطناعي واستوديوهات متطورة لصناعة المحتوى الرقمي المربح مما يجعل المؤسسة جزء فاعل من دورته الاقتصادية والاجتماعية وحلقة وصل لولوج سوق الشغل العالمي.
إن الاستمرار في هذا النموذج التسييري العتيق هو جريمة مكتملة الأركان في حق الوطن والمستقبل. لم يعد من المقبول في أي حال من الأحوال أن تدار مؤسسات الشباب بمنطق المرفق العمومي البطيئ والبيروقراطي والمعقد. الموظف الذي ينتظر الساعة الرابعة لكي يقفل الباب ويذهب لحاله هو عدو حقيقي للشباب، والجمعية التي تنتظر الدعم المالي لكي تصرفه في البهرجة والمهرجانات الفارغة هي ضحية لنظومة زبونية علائقية فاسدة. إذا كنتم غير قادرين على توفير الأطر البشرية المؤهلة والحديثة التكوين، وإذا كانت ميزانياتكم لا تكفي لتسيير هذه المرافق بشكل لائق يضمن كرامة المرتفقين، فالحل واضح ولا يحتاج لاختراع العجلة من جديد أو عقد مناظرات عقيمة.

ثورة المفاتيح.. التدبير المفوض ودفتر التحملات الذي يقطع الأنفاس

ارفعوا أيديكم المرتعشة عن دور الشباب يا سي المهدي ورموا المفاتيح للجمعيات الجادة التي تعرف كيف تدبر الندرة وتخلق الثروة. نعم... التخلص من عبء التدبير المباشر الذي يحول شخص ما وقد لا ينتمي للقطاع... منهك وعجوز  نسميه ظلما مديرا، وتحويل هذه الفضاءات إلى منظومة للتدبير الذاتي والمسؤول. دعوا الشباب يديرون شؤونهم بأنفسهم وافتحوا باب التدبير المفوض للجمعيات المحلية الجادة والمقاولات المواطنة الاجتماعية فير الربحية ، ليس عبر منح هزيلة ووعود كاذبة في الملتقيات، بل عبر دفتر تحملات يقطع الأنفاس ويكون بمثابة دستور صارم، دفتر لا يترك ثغرة واحدة لجمعيات الريع أو جمعيات الأصدقاء والأقارب والمؤلفة قلوبهم حزبيا وسياسيا والتي تعتاش على المال العام، بل يفرض نتائج رقمية ملموسة وقابلة للقياس الميداني. كم شاب تعلم البرمجة هذا الشهر، كم مشروع ناشئ خرج من هذه القاعة، كم فيلم قصير تم تصويره في هذا الركن، كم مستفيد تم إدماجه في سوق الشغل. إذا لم تكن هناك إجابات بالأرقام والإحصائيات الدقيقة، فاسحب الترخيص في الحين واطرد الجمعية الفاشلة دون شفقة ودع المجال لمن يستحق.

مجالس التدبير.. عقول مدبرة لا دمى لتوقيع المحاضر

إننا بحاجة ملحة لمجالس تدبير حقيقية وصارمة، لا مجالس دور الشباب التي استهلكت  زمنها، مجالس فاعلة فعالة...لا تجتمع فقط لتبادل كؤوس الشاي وتوقيع المحاضر الصورية لأخذ الصور وبثها في نشرات الأخبار. يجب خلق عقل مدبر جماعي لكل دار شباب يضم الجميع في بوتقة واحدة. مجلس يضم ذلك المقاول الشاب الذي نجح في منطقته ليعلم الشباب كيف يقتنصون الفرص ويؤسسون مقاولاتهم، يضم المربي والخبير النفسي الذي يفهم سيكولوجية المراهق المعقدة والذي يفكر في الحريك والمخدرات أكثر مما يفكر في المواطنة الجوفاء التي تبيعونها في الشعارات المدرسية، يضم المنتخب المحلي الذي يجب أن يوفر الدعم اللوجستي والمادي بدل ممارسة البلوكاج السياسي وتصفية الحسابات الانتخابية داخل أسوار المؤسسة، ويضم ممثل السلطة الذي يجب أن يتخلى فورا عن دور المراقب الأمني الصارم ليصبح ميسر للحلول وشريك في التنمية، إضافة إلى الفاعل الرياضي والفني لضمان تنوع العرض وجاذبيته... والجمعيات.....والقطاعات  المختلفة...هذا المجلس هو من يضع البرنامج السنوي، وهو من يحاسب المسير المفوض الجمعوي، وهو من يضمن أن دار الشباب ليست ملك لوزارتكم ولا إقطاعية للموظف، بل هي مرفق عمومي مجتمعي نابض بالحياة يشعر الجميع بمسؤولية الحفاظ عليه وتطويره باستمرار.
استيقظ يا سي للمهدي.. التاريخ لا يكتب في الملتقيات المخملية...
تخيل معي يا  سي المهدي ولو للحظة واحدة دار شباب تفتح أبوابها أربعا وعشرين ساعة دون انقطاع، يسيرها  مجلس تدبير  يرأسه جمعية مفوض  لها... ويتكون من الشباب أنفسهم بعقلية القطاع الخاص وروح العمل الاجتماعي. دار شباب يجد فيها اليوتيوبر استوديو مجهز بأحدث الكاميرات والإضاءة، ويجد فيها المبرمج حاسوب خارق وأنترنيت لا ينقطع، ويجد فيها الرياضي فضاء للتمرين لا يذله فيه أحد ولا يبتزه حارس، وتضم مقهى ثقافي يدر دخل لتسيير المرفق ودفع فواتيره، ومختبر للابتكار الرقمي يموله القطاع الخاص في إطار مسؤوليته الاجتماعية، وقاعات للتدريب المستمر يشرف عليها متطوعون وخبراء من أبناء الحي. هذا ليس خيال علمي بل هو واقع معاش في دول تحترم شبابها وتعتبرهم محرك للتنمية لا عبء إداري يحتاج للترويض. لكنكم تفضلون بقاء الوضع على ما هو عليه لأنكم تخافون من استقلالية الشباب وتفضلون إبقاءهم تحت وصاية إدارية وهمية تضمن لكم التحكم والسيطرة ورفع التقارير الفارغة، حتى وإن كان الثمن تدمير جيل بأكمله وإغراقه في اليأس.
إن جيل اليوم يشعر بالغربة القاتلة في وطنه لأن مؤسساته قديمة الطراز وتشبه ثكنات مهجورة، والشباب ينتمون لزمنهم عبر الشاشات الذكية لأن الواقع الذي تقدمه وزارتك هو واقع أبيض وأسود في عصر الفور كي والواقع الافتراضي. كف عن توزيع الوعود في الندوات الصحفية وتوقيع الشراكات التي لا يتجاوز أثرها حبر الأوراق، وانزل إلى تلك الخربات التي تسمى دور الشباب في الهوامش والمداشر والأحياء الصفيحية، وانظر بعينك كيف تحولت إلى مرتع للمنحرفين لأن الوزارة غائبة والجمعيات مقصية ومحاربة. 
التدبير الذاتي بالتفويض ليس معجزة... بل هو الحل الجذري والوحيد لإعادة الروح لجسد هامد ومتهالك.
فاجعل من دار الشباب حاضنة أعمال حقيقية تنبض بالطموح، اجعلها مركز ثقافي عالمي في قلب الحي الشعبي المنسي، واقطع الطريق بقوة القانون على كل بيروقراطي يعتقد أن الشباب قاصرون يحتاجون لوصاية إدارية خانقة ومراقبة بوليسية لأنفاسهم. سي المهدي....الكلمات لم تعد تجدي نفع أمام هذا الخراب الموثق والمشين. استمر في التقاط الصور في مؤتمراتك الفارهة واستمر في توزيع الابتسامات والوعود الرقمية عبر الشاشات الخادعة، لكن تذكر في كل وقت وبدون أي تزييف أن التاريخ لا يكتب في قاعات الاجتماعات التي تقول كل شيء، لكنك لا تنجز أي شيء... لأنك تراهن على الشكل على المحتوى.
وتحت أضواء الأضواء في اللقاءات ، لا تنس أن الحقيقة تكتب في تلك الشوارع الخلفية المظلمة وفي تلك الدور المهجورة التي تقف شواهد قبور على سياساتكم الفاشلة. إن رائحة العفن التي تنبعث من جدران دور الشباب ستظل تطاردكم أينما ذهبتم، وصدى الأبواب الصدئة سيظل يقرع ضمائركم، وصرخات الشباب الضائع والمحبط ستظل تلعن كل من جلس على الكرسي وتركهم يغرقون في بحر الفراغ والتهميش. استيقظ يا  سي المهدي... فالمستقبل لا ينتظر من يكتب المحاضر ويصيغ البلاغات الإنشائية، بل من يكسر القيود البيروقراطية ويمنح الشباب سلطة تسيير حياتهم بأنفسهم، بعيدا عن وصاية شخص ما  يدير دار الشباب  بلا شباب...وبروتوكولات الوزارة العقيمة التي أكل عليها الدهر وشرب حتى الغياب القهري.
هامش: فرض سي بنسعيد "جواز الشباب " على كل شاب يريد المشاركة في أي تكوين للوزارة... ذكرني الأمر بجواز التلقيح للحصول على وثيقة لدى القائد... لا... يا سي المهدي... هذا شطط... ولا حق لك في فرض ما هو اختياري  وربطه بالتكوين.

 

 خالد أخازي، كاتب وإعلامي