jeudi 26 mars 2026
كتاب الرأي

رشيد بوفوس: الطلاق والسكن.. المغرب في مواجهة ثورة صامتة

رشيد بوفوس: الطلاق والسكن.. المغرب في مواجهة ثورة صامتة رشيد بوفوس

يشهد المغرب تحوّلاً اجتماعياً لا يعلن عن نفسه عبر قطيعات صاخبة أو خطابات أيديولوجية، بل يتقدّم ببطء وعمق، ليعيد تشكيل البنى نفسها للمجتمع في صمت، وتندرج الزيادة المستمرة في معدلات الطلاق ضمن هذه الظواهر التي يُستهان بها ما دامت لا تُحدث أزمة مرئية، رغم أنها تعيد بالفعل رسم توازنات الأسرة ومسارات الأفراد، وبشكل أكثر حسماً، أشكال المدينة وسياسات السكن، وكأن تحوّلاً كبيراً يجري دون أن تتمكّن أدوات التحليل والسياسات العمومية وحتى التمثلات الجماعية من الإحاطة الكاملة بأبعاده.

 

ولذلك ينبغي أولاً النظر إلى الأرقام بوضوح ودون مواربة، وفهم أنها لا تعبّر فقط عن تطور إحصائي بل عن منعطف بنيوي حقيقي، إذ إن تسجيل ما يقارب 40 ألف حالة طلاق رسمي وأكثر من 100 ألف حالة فسخ قضائي للزواج سنة 2024، بمجموع يناهز 150 ألف حالة انفصال سنوياً، يعني أن المغرب ينتج كل عام ما يعادل مدينة كاملة من المسارات الزوجية المنكسرة، ومن الحيوات التي تحتاج إلى إعادة بناء، ومن الأسر التي يجب إعادة تشكيلها، وهي حقيقة لم تعد هامشية أو ظرفية، بل أصبحت معطى اجتماعياً مركزياً يمس السياسات العمومية واقتصاد السكن وتماسك النسيج الاجتماعي ذاته.

 

كما تؤكد هذه الدينامية العميقة تطورات السنوات الأخيرة، حيث انتقلت حالات الطلاق من 107.136 حالة سنة 2017 إلى 115.436 سنة 2018 ثم إلى 129.417 سنة 2019، قبل أن تنخفض بشكل ظرفي إلى 105.471 سنة 2020 بفعل الجائحة وتباطؤ المساطر القضائية، لتعاود الارتفاع إلى 131.309 حالة سنة 2021 و146.766 سنة 2022، في حين يقدّر المندوبية السامية للتخطيط أن أكثر من 3% من النساء المغربيات فوق سن 15 سنة هنّ اليوم مطلقات، أي ما يقارب نصف مليون امرأة، وهو ما يعكس حجم ظاهرة لم تعد استثناءً بل أصبحت نمطاً اجتماعياً صاعداً.

 

وتكتسب هذه الأرقام، على ضخامتها، بعداً أكثر حسماً عند إدراك آثارها الملموسة، إذ إن كل انفصال لا يقتصر على إنهاء علاقة قانونية، بل يولّد بشكل تلقائي طلباً مزدوجاً على السكن، حيث يتحول بيت واحد إلى وحدتين مستقلتين، لكل منهما حاجة إلى سقف ومجال واستقرار، مما يعني أن البلاد مطالبة سنوياً باستيعاب ليس فقط آثار النمو الديمغرافي والتوسع العمراني، بل أيضاً هذا الضغط غير المرئي الناتج عن تفكك الروابط الزوجية، وهو ما يجعل الطلاق عاملاً بنيوياً في سوق العقار الوطني.

 

وفي مدن مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش، حيث الضغط العقاري مرتفع أصلاً وحيث تتجاوز أسعار السكن قدرات شريحة واسعة من السكان، تترجم هذه الظاهرة إلى توتر متزايد، وتفكك في المسارات السكنية، وهشاشة متنامية للأفراد الذين يجدون أنفسهم بعد الانفصال أمام معادلة اقتصادية شديدة الصعوبة، إذ يصبح عليهم تمويل حياتين بدل حياة واحدة، في سياق يتسم بجمود الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الولوج إلى القروض.

 

غير أن المسألة لا يمكن اختزالها في بعدها الاقتصادي فقط، لأن السكن ليس مجرد ملك مادي، بل هو فضاء للحماية والكرامة والاستمرارية، وهو ما يجعل وضعية المطلقين، وخاصة النساء، شديدة الحساسية، إذ ما زلن يتحملن بشكل غير متكافئ تبعات الانفصال، سواء تعلق الأمر برعاية الأطفال أو بالهشاشة الاقتصادية أو بالضغط الاجتماعي المرتبط بوضعهن، إضافة إلى قيود عملية وتنظيمية قلّما يتم التطرق إليها علناً، لكنها قادرة على تحويل لحظة الانفصال إلى وضعية طارئة.

 

وهنا تبرز حقيقة مقلقة تكاد تكون غير مرئية في النقاش العمومي، لكنها معروفة لدى الجميع، وهي أن المرأة بمفردها تجد صعوبة كبيرة، بل يُمنع عليها فعلياً في العديد من الحالات، من استئجار غرفة في فندق داخل المدينة التي تقيم فيها، وهي ممارسة متوارثة من أعراف اجتماعية ورقابة غير رسمية، لا تستند دائماً إلى أساس قانوني واضح، لكنها تستمر في التطبيق، وتؤدي إلى نتيجة مباشرة وخطيرة، إذ إن المرأة التي تغادر بيت الزوجية، حتى في حالات العنف، قد تجد نفسها عاجزة فوراً عن إيجاد مأوى، محرومة من أبسط حل وهو الإيواء الفندقي.

 

وهذه الحقيقة وحدها تكشف خللاً عميقاً في السياسات العمومية المرتبطة بالطلاق، لأنها تظهر أن المجتمع لم يدمج بعد ضرورة توفير آليات طوارئ لحماية الأفراد في لحظة الانفصال، حين تكون الهشاشة في أقصاها، وحين لا تكون الحلول العائلية أو غير الرسمية متاحة دائماً، وهو ما يبرز الحاجة الملحّة إلى إحداث بنيات استقبال مؤقتة، وسكن انتقالي، وأجهزة إيواء آمنة قادرة على الاستجابة لهذه الحالات الحرجة، خاصة بالنسبة للنساء ضحايا العنف أو اللواتي يغادرن منازلهن بشكل مفاجئ.

 

ويزداد هذا الوضع تعقيداً بسبب الفجوة المستمرة بين هذه الحقيقة الاجتماعية وطريقة تفكير السياسات العمومية في مجال السكن، التي ما تزال أسيرة نموذج أسري تقليدي لم يعد يعكس تنوع المسارات المعاصرة، وكأن المدينة المغربية تُبنى لمجتمع مستقر وخطي، في حين أن مسارات الحياة أصبحت أكثر تفككاً وتقطعاً وتحولاً، ومشحونة بالانفصالات وإعادة التشكيل، وهي تحولات تتطلب استجابات جديدة.

 

وتترجم هذه الهوة البنيوية في غياب حلول مناسبة للأفراد في وضعية انفصال، الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى حلول اضطرارية مثل العودة إلى بيت الأسرة أو التعايش القسري أو السكن الهش، وهي أوضاع تطيل أمد الهشاشة بدل أن تتيح إعادة البناء، وتكشف غياب سياسة عمومية حقيقية للسكن ما بعد الطلاق، رغم أنها أصبحت ضرورة ملحة بالنظر إلى حجم الظاهرة.

 

وهنا يطرح السؤال بكل حدّته: هل يمكن لمجتمع أن يواكب تحولاته إذا لم يوفّر الشروط المادية لاستمرارية الحيوات التي يعيد تشكيلها، وهل يمكنه أن يقبل بأن يسقط عشرات الآلاف من المواطنين سنوياً في وضعية هشاشة سكنية دون حلول منظمة أو رؤية واضحة؟

 

إن ما هو على المحك يتجاوز السكن ليصل إلى كيفية نظر المجتمع إلى الطلاق نفسه، فطالما يُنظر إليه كفشل أو كخلل أو كقطيعة نهائية، سيكون من الصعب بناء سياسات ملائمة، لأن هناك ميلاً ضمنياً إلى احتوائه أو إخفائه بدل إدماجه كجزء طبيعي من المسارات المعاصرة.

 

غير أن الأرقام تكذّب هذا التصور، إذ مع تجاوز نسبة الطلاق لنصف عدد الزيجات سنوياً، لم يعد الطلاق استثناءً بل أصبح واقعاً بنيوياً ومرحلة ممكنة في حياة مئات الآلاف من المغاربة، وهو ما يفرض تغييراً في النظرة، ليس لتطبيع القطيعة، بل للاعتراف بأنها قد تكون، في بعض الحالات، شرطاً للكرامة الفردية وبداية جديدة.

 

ومن هذا المنظور، ينبغي النظر إلى الطلاق لا كنهاية، بل كمرحلة انتقالية، كنقطة تحوّل، كفرصة ثانية، وهو ما يستدعي خلق شروط إعادة البناء، بدءاً بالسكن، مروراً بالدعم النفسي وفرص العمل والوساطة الأسرية ورعاية الأطفال، بهدف تحويل القطيعة من تجربة قسرية إلى مسار يمكن التحكم فيه.

 

إن الأمر يتعلق بالانتقال من منطق تدبير الانفصال إلى منطق مواكبة المسارات، والاعتراف بأن مسؤولية المجتمع لا تنتهي عند لحظة الطلاق، بل تبدأ فعلياً عندها، حين يضطر الأفراد إلى إعادة بناء حياتهم في بيئة قد تكون معادية، وأن معيار نضج المجتمع يقاس بقدرته على مرافقة هذه اللحظات الهشة.

 

وفي العمق، فإن مسألة السكن بعد الطلاق هي مسألة حضارية بامتياز، لأنها تعكس كيفية تعامل المجتمع مع انكساراته وتحولاته وهشاشاته، وقدرته على تحويل النهاية إلى بداية جديدة، والضعف إلى أفق.

 

ويقف المغرب اليوم عند مفترق طرق في هذا التحول، أمام واقع لم يعد ممكناً تجاهله، ويتطلب استجابة بمستوى طموحاته، عبر إعادة التفكير في سياسات السكن وتنويع أنماطه وإدماج البعد الاجتماعي في التخطيط الحضري، والاعتراف بأن مدينة الغد يجب أن تستوعب مسارات حياة متعددة، متغيرة وغير خطية.

 

فالمجتمع لا يُقاس فقط بصلابة مؤسساته أو نمو اقتصاده، بل أيضاً بكيفية مواكبته للحظات الانكسار، وبالكرامة التي يمنحها لمن يبدؤون من جديد، وبقدرته على تحويل الانفصال من سقوط إلى انطلاقة.