jeudi 14 mai 2026
كتاب الرأي

بنسعيد الركيبي: البرنامج الوطني للتخييم بين منطق التوسع العددي وغياب المشروع التربوي

بنسعيد الركيبي: البرنامج الوطني للتخييم بين منطق التوسع العددي وغياب المشروع التربوي بنسعيد الركيبي

جاء جواب وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، على السؤال الكتابي لنائب برلماني حول “مستجدات البرنامج الوطني للتخييم وضمان العدالة المجالية في الاستفادة منه”، محملا بلغة تقنية وإدارية كثيفة تتحدث عن الحكامة والعدالة الترابية، والتوسيع والرؤية الاستراتيجية في أفق 2030، غير أن هذا الجواب أعاد إلى الواجهة السؤال الجوهري الذي يلاحق منظومة التخييم منذ سنوات: هل يتعلق الأمر بمشروع تربوي وطني متكامل أم بمنظومة موسمية لتدبير أعداد أكبر من الأطفال تحت عناوين جديدة؟ فالمتأمل في مضمون الجواب يكشف أن النقاش ما يزال يدور أساسا حول منطق التدبير الإداري للعرض التخييمي، في وقت يظل فيه سؤال المشروع التربوي غائبا عن مركز الرؤية. ولذلك يبدو الحديث المتكرر عن “العدالة المجالية” بمثابة اعتراف متأخر بحجم الاختلالات التاريخية التي راكمها البرنامج الوطني للتخييم، بعدما ظلت مناطق واسعة من المغرب القروي والجبلي والنائي خارج الخريطة الفعلية للاستفادة التخييمية لسنوات طويلة، إلى درجة أصبح معها أطفال هذه المناطق يقدمون اليوم ضمن مقاربة تفضيلية. وكأن الولوج إلى التخييم امتياز اجتماعي موسمي أكثر منه حقا تربويا طبيعيا.

 

من هنا يظهر التناقض داخل الخطاب الرسمي نفسه، لأن الحديث عن العدالة المجالية يجري داخل منظومة تأسست تاريخيا على تمركز العرض التخييمي بمحاور ساحلية وحضرية معروفة، بينما بقيت مناطق بأكملها تعيش خارج الدورة الوطنية الحقيقية للتخييم رغم الجهود المبذولة. ومن هذا المنطلق يبدو التركيز المكثف على رفع عدد المستفيدين بنسبة 10 في المائة سنويا أقرب إلى منطق تضخيم المؤشرات الرقمية داخل التقارير السنوية، لأن المخيم التربوي في جوهره مؤسسة للتنشئة والتربية الحية وبناء الشخصية الجماعية للأطفال واليافعين، وليس مجرد عملية رقمية لرفع نسب الاستفادة. ولذلك تصبح الأسئلة الحقيقية مرتبطة بطبيعة هذا التوسع، من سيؤطر هذه الأعداد المتزايدة؟ وبأي تكوين؟ وبأي مشروع بيداغوجي؟ وبأي تصور للتنشيط التربوي؟ لأن أي توسع كمي غير مؤطر برؤية تربوية عميقة يقود إلى إنتاج فضاءات مكتظة تفتقد للروح التربوية التي تمنح للمخيم هويته الحقيقية. وفي نفس السياق قدم الوزير مخيمات القرب، باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية لتحقيق العدالة المجالية، غير أن هذا التصور يفتح نقاشا عميقا حول معنى التخييم نفسه، باعتباره تجربة للانفتاح والاكتشاف والانتقال الرمزي من المجال اليومي الضيق نحو فضاءات جديدة توفر إمكانية الاستقلالية والتفاعل والتعلم الجماعي.

 

وحين يتحول مفهوم القرب إلى الصيغة المركزية داخل العرض التخييمي، فإن التجربة قد تنتهي إلى إعادة إنتاج الفوارق نفسها داخل فضاءات محدودة الإمكانيات وضعيفة الشروط التربوية والتنظيمية. وهو ما يفقد المخيم جزءا من وظيفته السوسيوتربوية الكبرى. ومن هنا أيضا يبرز الجدل المرتبط بما سماه الوزير بالمخيمات الفلاحية، التي قدمها باعتبارها صيغة مبتكرة موجهة أساسا لأبناء العالم القروي، لأن هذه المقاربة توحي بأن الطفل القروي يحتاج إلى إعادة اكتشاف المجال الفلاحي الذي يعيش داخله يوميا، بينما الحاجة التربوية الحقيقية لهذه الفئات ترتبط بالانفتاح على عوالم وتجارب جديدة تسمح بتوسيع الأفق الثقافي والمعرفي للأطفال واليافعين. فوظيفة المخيم ترتبط أساسا بخلق إمكانيات جديدة لاكتشاف الذات والعالم والانخراط في تجارب جماعية مختلفة، بما يحرر الطفل من الانغلاق داخل المجال الاجتماعي الضيق الذي يعيش فيه. وتتعمق هذه الإشكالية أكثر حين يتحول المخيم تدريجيا إلى أداة لمعالجة أعطاب قطاعات أخرى، فالوزير تحدث عن إدماج أطفال الهدر المدرسي، والعناية بالأشخاص في وضعية إعاقة، وبرامج الدعم الاجتماعي. وهي أهداف تحمل أبعادا إنسانية واجتماعية مهمة، غير أن تضخم الوظائف الاجتماعية للمخيم يؤدي تدريجيا إلى تآكل هويته التربوية الأصلية، لأن المخيم مؤسسة للتربية الحية تمتلك فلسفتها الخاصة وأدواتها البيداغوجية ومنطقها التكويني المستقل.

 

ورغم كل التفاصيل التي قدمها الوزير حول اللجان، والمساطر والخرائط الترابية، وشبكات التنقيط والاتفاقيات، فإن المثير للانتباه يتمثل في الغياب شبه الكامل لسؤال المشروع التربوي نفسه، فلا حضور للحديث عن المنهاج التربوي الوطني للمخيمات، ولا عن آليات تقويم الأثر التربوي لهذه البرامج على الأطفال واليافعين، وكأن الدولة ما تزال تنظر إلى التخييم باعتباره ملفا تنظيميا ولوجستيكيا أكثر منه مشروعا استراتيجيا لبناء الإنسان. وتزداد الصورة تعقيدا حين يترافق خطاب “الرؤية الاستراتيجية 2030” مع واقع ميداني تعرفه مختلف الفعاليات التربوية والجمعوية متمثلا في وجود مراكز تعاني من هشاشة البنيات وفضاءات ضعيفة الجاذبية وخصاص في التجهيزات. وهشاشة في التكوين المستمر للأطر، وهو ما يجعل خطاب التوسع الكمي يبدو منفصلا عن الأسئلة البنيوية العميقة التي يعيشها القطاع.

 

إن الأزمة الأساسية داخل منظومة التخييم التربوي مرتبطة أساسا بسؤال الغاية التربوية، فالحكومة تتحدث عن العدالة المجالية، والجمعيات تبحث عن الحصيص والإدارة تدبر المواسم، بينما يظل السؤال الجوهري يبقى معلقا: أي نموذج للطفل والمواطن والإنسان يراد بناؤه عبر المخيم؟ لأن المخيم حين يفقد مشروعه التربوي الواضح، يتحول تدريجيا إلى عملية موسمية ضخمة لنقل الأطفال وتوزيعهم على الفضاءات، مع كثير من البلاغات والصور والأرقام، وقليل جدا من التربية الحية التي يفترض أن تشكل جوهر التخييم الحقيقي.

 

غير أن كل هذا لا يبخس أداء موظفي القطاع ومتطوعي الجمعيات والأطر التربوية الذين يواصلون، في ظروف معقدة وإمكانيات محدودة، الحفاظ على استمرارية البرنامج الوطني للتخييم وتوفير فضاءات للتنشيط والتأطير لفائدة آلاف الأطفال واليافعين عبر مختلف جهات المملكة، لأن جزءا مهما من حيوية التخييم المغربي ظل مرتبطا تاريخيا بتضحيات بشرية ومجهودات ميدانية كبيرة راكمتها أجيال من الفاعلين التربويين والجمعويين. غير أن قيمة هذه التضحيات نفسها تفرض اليوم الانتقال بالنقاش من مجرد تدبير المواسم وإنجاح العمليات التنظيمية إلى مساءلة الرؤية التربوية المؤطرة للبرنامج الوطني للتخييم، بما يسمح بتحويل هذا الرصيد النضالي والتطوعي الكبير إلى مشروع تربوي وطني واضح المعالم والأهداف والوظائف.