حين تم تقديم النظام الأساسي الجديد لموظفي وزارة التربية الوطنية، رفعت شعارات كبرى عنوانها الإنصاف والتحفيز وتحقيق العدالة والانصلف لفائدة نساء ورجال التعليم، باعتبارهم العمود الفقري لأي إصلاح تربوي حقيقي. غير أن ما أفرزته النتائج العملية بعد تنزيل مقتضيات هذا النظام كشف عن واقع مغاير، عنوانه استمرار الإحساس بالحيف لدى فئات واسعة، بل وظهور ضحايا جدد يمكن وصفهم بـ"ضحايا الأنظمة الأساسية الثلاثة" لسنة 1985 و2003 و2004.
وقد برز ذلك بشكل واضح مع بداية نشر نتائج الترقية بالاختيار إلى الدرجة الممتازة، حيث استبشرت فئات عديدة خيرا بعد سنوات طويلة من الانتظار والحرمان، خاصة أساتذة التعليم الابتدائي وأساتذة التعليم الإعدادي، إضافة إلى المختصين، الذين تمكن عدد منهم من ولوج الدرجة الممتازة بعد عقود من الجمود المهني والمعاناة مع محدودية آفاق الترقية. وقد شكل هذا التحول مكسبا مهماً أعاد الأمل لفئات ظلت تعتبر نفسها منسية داخل المنظومة.
غير أن الوجه الآخر لهذه النتائج كشف، في المقابل، استمرار اختلالات عميقة مست فئات عريضة من هذه الفئات لم تنل حظها من الإنصاف، بل وجدت نفسها أمام أشكال جديدة من الإقصاء. فبدل أن يشكل النظام الأساسي لحظة لتصفية الملفات العالقة وجبر الضرر الجماعي، أفرز حالات جديدة من عدم الإنصاف والشعور بالغبن.
ومن أبرز مظاهر هذا الوضع، تحول تغيير الإطار من آلية للارتقاء المهني وتحسين الوضعية الإدارية والمالية إلى مسار قد يؤدي في بعض الحالات إلى فقدان حقوق مكتسبة أو تعطيل مسار الترقية، وهو ما خلق شعورا واسعا بالإحباط لدى عدد من الأطر التربوية والإدارية.
فمختصو الاقتصاد والإدارة، على سبيل المثال، وجدوا أنفسهم أمام عتبات إقصائية حرمت العديد منهم من الاستفادة من الترقية رغم استيفائهم لشروط الاستحقاق والكفاءة، علما أن مجموع نقطهم تؤهلهم للترقي في إطارهم الأصلي. كما أن المتصرفين التربويين ضحايا ترقيات سنوات 2021 و2022 و2023 من أكثر الفئات تضررا، بعدما تم إقصاء عدد منهم رغم توفرهم على مجموع نقط يفوق العتبة المطلوبة، فضلا عن حرمانهم من الأقدمية المستحقة ومن السنوات الجزافية والاعتبارية التي كان من الممكن أن تساهم في جبر الضرر وتحقيق الحد الأدنى من الإنصاف.
إن هذه الوضعية تطرح بحدة سؤال الانصاف والعدالة داخل قطاع التربية الوطنية، وتكشف أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يقتصر على إعادة ترتيب المسميات أو تغيير البنيات الإدارية، بل ينبغي أن ينطلق من إنصاف الموارد البشرية باعتبارها أساس أي إصلاح ناجح. فالإحساس بالحيف وفقدان الثقة لا يمكن معالجتهما بحلول جزئية أو تقنية، وإنما عبر إرادة حقيقية تعترف بالضرر وتسعى إلى جبره بشكل منصف وشامل.
ومن هنا، يبدو أن المدخل الحقيقي لمعالجة هذه الملفات يمر عبر اتخاذ قرار سياسي جريء ومسؤول، يقوم على ترقية استثنائية شاملة ومنصفة لكل الفئات المتضررة، بما يعيد الاعتبار لنساء ورجال التعليم، ويكرس الثقة في الإصلاحات المعلنة، ويمنح للنظام الأساسي بعده الحقيقي كآلية للإنصاف لا كوسيلة لإنتاج ضحايا جدد.
فلا إصلاح تربوي دون إنصاف، ولا إنصاف دون شجاعة في اتخاذ القرار.