jeudi 14 mai 2026
كتاب الرأي

الصديق معنينو: مدينة القراصنة

الصديق معنينو: مدينة القراصنة الصديق معنينو

لا أدري ما هي صحة المقولة المنسوبة إلى المرشال ليوطي، أول مقيم عام فرنسي بالمغرب... قال ليوطي «اؐتركو مدينة سلا تعيش داخل الأسوار كمدينة محافظة ومغلقة.. لنجعل منها مختبرا لمدينة إسلامية عتيقة... علينا أن ندرس الميكانيزمات التي تنظم حياتها اليومية... علينا أن نتوغل في أحشاءها لاكتشاف كيف عاش السلاويون لقرون عديدة».


المختبر
وفي الوقت الذي خطط ليوطي لبناء مدينة جديدة وحديثة بالرباط بعث بأحد أشهر الباحثين الفرنسيين هو ميشو بلير الذي استقر بسلا «المختبر» واندمج في مجتمعها وسكن فيها وتحدث إلى ساكنتها... كانت مهمته هي إيجاد قاعدة بيانات تلخص الحياة في مدينة ظلت مغلقة، محافظة على «اؐستقلالها» مما ساهم في تشجيع الساكنة على ابتكار أحسن الأساليب لعيش مشترك يسوده التضامن والتكافل.


الهجرة
وممّا ساهم في بروز هذه الشخصية المتفردة كون مدينة سلا ظلت إلى جانب الرباط، قلعة منيعة لم يتمكن الاستعمار من احتلالها خلافاً لعشرات المدن المغربية الشاطئية التي خضعت لاحتلال الإسبان أو البرتغال أو الأنجلترا... وخلال هذه الفترة عرف مدخل وادي أبي رقراق حركة صمود ضد الوجود الأجنبي وظلت سلا الميناء المغربي الوحيد، منه يتم الاستيراد والتصدير، مما ضاعف من الرغبة في السيطرة عليه...
تميزت هذه الفترة التاريخية بهجرة كبيرة لآلاف الأندلسيين، مسلمين ويهود، فراراً من محاكم التفتيش التي أقامتها الكنيسة المسيحية بدعم من الملكية الإسبانية... وفي هذا السيّاق وصل إلى شواطئ وادي أبي رقراق آلاف الفارين من جحيم العيش في الأندلس حماية لدينهم ومعتقداتهم... وفور استقرارهم نظموا أنفسهم للانتقام ممن فرضوا عليهم الهجرة تاركين ورائهم أموالهم وأمتعتهم وفي عدة حالات اضطروا للنجاة بأنفسهم من ترك أطفالهم رهينة عند الكنيسة.


الجهاد البحري
نظم الأندلسيون بتعاون مع سكان سلا وما يعرف عالميا بالقرصنة، بلغة الأجانب، والجهاد الإسلامي بلغة البلاد. وبسرعة سيطرت السفن السلاوية على الممرات التجارية الرئيسية بالمحيط الأطلسي واستطاعت التمكن من عشرات السفن الأوروبية حيث اقتيدت إلى الوادي وتم بيع ما فيها من بشر وسلع وتحويلها إلى سفن جهادية. ومن انعكاسات هذا النشاط الجهادي ما تعرضت له سلا من حصار عسكري بحري ومن قصف بالمدفعية ومطاردة لسفنها الجهادية.


القراصنة
ويمكن القول بأن اسم سلا ارتبط بالقرصنة ونتج عن ذلك عدة دراسات ومؤلفات وأساطير مما يعطي للمدينة شهرة دولية كمدينة للقراصنة، وهذا ما يميزها عن باقي المدن المغربية الشاطئية ويجعل من حكايات القرصنة رصيدا تاريخيا نادرا تعتبره المدينة إرثا بل تراثاً لا ماديا بامتياز لا تستغله مع الأسف بل لا تحافظ عليه...


الإهمال
وخلال «مهرجان مقامات»، الذي تنظمه جمعية أبي رقراق، ساهمت في ندوة بعنوان «تراث سلا- من الصيانة والتأهيل إلى الوطنية التنموية...» عبرت في مداخلتي عن أسفي لما آل إليه التراث السلاوي المادي واللامادي في إهمال رغم غناه ومقاومته. لدواعي الزمن.. وطالبت بنهج سياسة جديدة تُدخل هذا التراث إلى الدورة الاقتصادية. ومثالا على ذلك ذكرت بالتجربة الفاشلة لتدبير وضعية «برج الدموع» ... فقد سبق للقوات المسلحة الملكية، مشكورة، منذ عدة سنوات، أن قامت بترميم هذا البرج التاريخي ولكنه ظل مغلقا بدون أية عناية بل بدون أي مسؤول مباشر عنه... ظلت مختلف المصالح تتنصل وتعتذر ومع مرور الوقت اختفت بعض المدافع وتعطلت كل الآلات وانهارت أغطية الجدران وعاد البرج إلى سالف عهده...


أمثلة ناجحة
هو مثال فقط لوضعية لم تكن في مستوى إيجاد الحلول الناجحة لها... وأضفت.. «لسنا في مستوى ما تركه أجدادنا.. إننا نشاهد تراثنا يضمحل ويتلاشى بينما مدن أخرى استطاعت استغلال تراثها لإثارة الانتباه وإقامة الندوات وجلب السياح... وأعطيت عدة أمثلة منها... مدينة أصيلا ومدينة الصويرة وبروز مدينتي الرباط وتطوان واحتلال مدينة شفشاون للصدارة كوجهة جديدة ومثيرة..


موسم سنوي
اقترحت في نهاية الحديث ضرورة استغلال «القرصنة السلاوية»، التي تميز المدينة، كقاطرة للتعريف بالتراث السلاوي وجلب الأنظار وتنظيم موسم سنوي على ضفاف البحر والوادي وإعادة الحياة إلى الأبراج والأبواب... هذا المهرجان سيكون مناسبة لدعوة المختصين، مغاربة وأجانب، للتذكير بالقرصنة السلاوية وآثارها على حياة المدينة وما تركته في الذاكرة العالمية من بصمات... إنها دعوة إلى الخروج عن المقتربات الكلاسيكية وإعطاء سلا مفاتيح تعتمد التكنولوجيا الجديدة وتجلب الاهتمام الدولي حفاظا على الذاكرة وتنشيطا للدورة الاقتصادية.