العنوان أعلاه يحمل في ثناياه خبراً متوقَّعاً من شأنه أن يبثّ القلق والهلع في أوساط غير قليلة في كل من الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، وفي أوروبا، وتحديدا في فرنسا وإسبانيا... ولا حاجة بي إلى التذكير بما سيٌثيره هذا الخبر بالذات في الجزائر أولاً، ثم في دول كانت تعتبر نفسها الأحق بحمل مشعل الريادة في العالمين العربي والإفريقي، وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية وجمهورية جنوب إفريقيا !!
هذا المُعطى لم يأت من تخمينات أو خلاصات التقارير الصادرة عن مراكز الدراسات الإستراتيجية، المنبثة عبر مختلف دول المعمور، بل هو توثيق حالة واقعية سبق الحديث عن بعض إسقاطاتها في مقالات سابقة، من بينها على الخصوص:
- توقيع الاتفاق المغربي الأمريكي للدفاع المشترك على مدى السنوات العشر المقبلة (2026-2036)، وإقراره رسمياً رغم أن الاتفاق السابق المتعلق بالعشرية الراهنة (2020-2030) لم تنتهِ صلاحيته بعد؛
- إبرام الاتفاق الذي يُصَنِّع المغرب بمقتضاه المسيَّراتِ الحربيةَ سواء المقنبِلةَ أو الانتحاريةَ بغرض تغطية احتياجاته العسكرية، وكذا بهدف تسويق الفائض منها إلى الخارج؛
- الاتفاق المغربي الأمريكي الذي استأثر المغرب بموجبه بامتياز إنشاء صناعات عسكرية ثقيلة ومتطورة ترمي إلى تزويد السوق الإفريقية باحتياجاتها من هذه المنتجات الاستراتيجية...
كل هذا سبق القول إنه أسال لُعاب الكثير من الدول وفي مقدمتها الخمس المذكورة أعلاه (فرنسا، إسبانيا، الجزائر، مصر وجنوب إفريقيا) ودول أخرى من أوروبا كانت تعتقد أن هذه الحظوة لا تليق إلاّ بها دون غيرها، بوصفها أعضاءً في حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، وها هي الآن ترى المملكة المغربية تَحرِق الأشواط فيما يشبه الانخراط الرسمي في الحلف ذاته !!
مناسبة العودة إلى هذا الموضوع، الآن بالذات، أن البيت الأبيض يستعد بجد للإعلان عن ارتباط عسكري حربي جديد للمغرب بحلف الشمال الأطلسي، كتدبير متقدّم لاستكمال انخراطه في هذا الحلف، ولربما يتم ابتكار تخريجة غير مسبوقة لعملية الانخراط هذه، بطريقة قانونية أو أخرى، تجعل المغرب حليفاً استراتيجيا بعضوية شرفية أو ما يشابهها من الصيغ التي يمكن أن تجعلك "عضوا بقوة الواقع"...
الأهم من كل هذا، أن المغرب بصدد ترسيخ مكانته الإفريقية كرائد وكقاطرة من شأنها، في آن واحد، أن تجر القطار الإفريقي صوب آفاق أكثر استقراراً وأمناً، مما سيعزز دوره القيادي ويمنحه بالتالي وسائل السهر على حفظ التوازنات السياسية والعسكرية بالقارة السمراء...
كل ذلك، أمام اندهاش البعض، وقلق بعض آخر، واستعداد بعض ثالث للانخراط في هذه الدينامية الجديدة، التي يتضح من خلالها أن هناك إرادةً أمريكيةً وشمال أطلسية لإلباس المغرب بزّة قيادتها عسكرياً لمحاربة كل أشكال الفتن والانقسامات والممارسات الانفصالية والإرهابية إقليمياً وجهوياً وقارياً...
هناك الآن إذَنْ، مَن أصابهم قلق شديد من هذا التطور المتسارع في وضعية المغرب حيال الولايات المتحدة الإمريكية وحلف الشمال الأطلسي، وهناك مَن يطرح السؤال: "هل المغرب بصدد استكمال إجراءات الانضمام الفعلي لهذا الأخير" (؟!)، ثم هناك مَن بدأ من الآن يرى نفسه مستهدَفاً بهذا التغيير الانقلابي في الدور المغربي بالمنطقة المتوسطية والوطن العربي وإفريقيا، وأذكر هنا على الخصوص جيراننا الشرقيين والشماليين، بل هناك مِن دول الاتحاد الأوروبي، التي تعتبر نفسها صديقةً وفيةً للمغرب، مَن تطرح نفس هذه الأسئلة بقلق بالغ أحياناً، وأحياناً أخرى باستهجان واستنكار غير معلَنين، ولكنهما قائمَيْن وظاهرَيْن في لسان الحال !!
يُزكّي هذا الطرح ما سار عليه المغرب، في السنوات العشر الأخيرة تحديداً، من التطوير السريع لقدراته العسكرية، في مختلف الأسلحة وفي طليعتها تجهيزات حربية تكنولوجية تبقى في طي الكتمان، وكذلك ما أجراه وما زال يُجريه مع كل من الولايات المتحدة وفرنسا من التداريب العسكرية العملياتية المتوالية والمركَّزة، باستعمال أحدث الصيحات في مجال الصناعات الحربية، فضلا عن شراكاته الحديثة في المضمار السيبراني، الذي يشكل أهم مفاتيح كسب النزاعات الحربية في العصر الحديث، وكذلك في المجال الأمني المخابراتي، الذي يشكّل بدوره أبرز أسلحة التوقع والاستباق في كل الصِّدامات العسكرية المتوقَّعة والمحتملة...
يزيد في أهمية هذا المسار المغربي المتفرّد، أنّ حلف الشمال الأطلسي نفسه لم يعد ذلك المحور الكلاسيكي التقليدي الذي عهدناه منذ نشأته سنة 1949، والذي اكتسب قوته وشهرته في فترات الحرب الباردة، بل قد تحوّل إلى آلية جهنمية هجومية تستطيع أن تتدخل في أي رقعة من المعمور بأيسر السبل وأسرعها وأشدها قوة ووزناً وفعالية... مما يجعل من هذا الحلف دَرَكِياً عالمياً بامتياز، أراد ذلك مَن أراده وأبَى ذلك من أباه، الأمر الذي يجعل أنظار كل العالم تتحول إلى مغربنا، الذي لم يعد بدوره، والآن بالتحديد، يُشبه في أيّ شيء مغرب كل الفترات التاريخية الماضية بلا استثناء !!
خلاصة القول، إن هذا التحول الجذري في الموقع الجيوسياسي والجيوعسكري للمملكة المغربية يمنحها وسائل السبق والغلبة في مجالات الدفاع ليس فقط عن الذات، بل أيضاً، عن كل الأحلاف والمَحاور والشراكات التي ستعقدها المملكة الشريفة مستقبلاً في مختلف ميادين ومجالات الشراكة والتعاون لأنها، من الآن فصاعداً، تقف شامخةً وظهرها مغطّىً ومُؤَمَّن من لدن أقوى جيوش العالم، بعد أن صار المغرب نفسُه أحد تلك الجيوش الجبارة والمرعبة بلا جدال !!
تُرَى، ما الذي يدور الآن في أذهان جيراننا الشرقيين بشكل خاص، أمام هذه المتغيّرات الكبرى في موازين القوى بمنطقتنا المغاربية، وعلى صعيد محيطنا العربي والمتوسطي والإفريقي ؟!!
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي متقاعد.