احتضن بيت الذاكرة، يوم الأحد 03 أبريل 2026، حفل توقيع كتاب (Le livre de Mogador : l'histoire d'une communauté juive au Maroc)، للكاتب والباحث سيدني كوركوس Sydney Cocos ، وذلك بحضور أندري أزولاي مستشار جلالة الملك والرئيس المؤسس لجمعية الصويرة موكادور، إلى جانب ثلة من الباحثين والمهتمين بالتاريخ والتراث.
ويأتي هذا الإصدار في حلة أنيقة، ليشكل مرجعا توثيقيا وأكاديميا بارزا، يؤرخ لإحدى أهم الجماعات التي ساهمت في صياغة ملامح التاريخ المغربي الحديث، ويتعلق الأمر بالجماعة اليهودية لمدينة الصويرة (موكادور سابقا).
ويقع العمل في أربعة مجلدات تمتد على 2290 صفحة، ترصد ما يقارب قرنين من الزمن، كاشفة عن مسار تاريخي غني ومعقد، لجماعة ازدهرت في قلب المغرب، ونسجت علاقات متشابكة بين الشرق والغرب في إطار تفاعل حضاري وثقافي واقتصادي متميز.
ويعد هذا المشروع ثمرة ربع قرن من البحث المتواصل، اعتمد خلاله المؤلف على مادة وثائقية استثنائية تضم آلاف الوثائق غير المنشورة، والشهادات الأصلية، والصور النادرة، إلى جانب تسجيلات تاريخية، استقاها من أرشيفات مغربية وأوروبية، ومن مجموعات خاصة، فضلا عن أدبيات الرحلة.
ويقوم هذا العمل على بناء علمي محكم، حيث يضم 43 فصلا موزعة على مجلدين، تتناول مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية لهذه الجماعة. كما يتضمن دراسة مفصلة لثلاثين عائلة من أبرز عائلات الصويرة، كاشفا عن شبكة معقدة من الروابط الأسرية، ومقدما معطيات جديدة لم يسبق تداولها في الكتابات التاريخية. ولا يقتصر الإصدار على السرد، بل يمتد إلى توثيق شامل عبر مجلد إضافي يضم اثني عشر ملحقا، يقدم قاعدة بيانات موسعة لأسماء أفراد الجماعة وفق تصنيفات متعددة، مما يجعله أداة مرجعية مهمة للباحثين في مجالات التاريخ والأنثروبولوجيا والدراسات اليهودية، فيما يخصص المجلد الرابع لعدة مئات من الصفحات، متضمنا عشرة ملاحق إضافية ترصد أسماء أفراد المجتمع من زوايا مختلفة.
ويبرز الكتاب الأدوار المحورية التي اضطلعت بها هذه الجماعة في المجالات الاقتصادية والدبلوماسية، حيث ضمت تجار السلطان، وقناصل يمثلون دولا أوروبية والولايات المتحدة، إضافة إلى حاخامات وشعراء ومحسنين وزعماء مجتمعيين. كما يسلط الضوء على قدرة هذه الفئة، المنحدرة من مطرودي إسبانيا ومن السكان المحليين، على بناء منظومة متكاملة حافظت من خلالها على خصوصيتها الثقافية والدينية، مع ترسيخ قيم التعايش والتفاعل الإيجابي مع محيطها المسلم، رغم ما واجهته من تحولات وأزمات.
وفي كلمة بالمناسبة، شدد أزولاي على القيمة البارزة لهذا المشروع الموسوعي، معتبرا أنه يمثل إضافة نوعية في مسار كتابة التاريخ التحليلي لليهود بالصويرة، بل ويكاد يشكل سابقة في هذا المجال.
وأوضح أن هذا العمل، القائم على جهد دؤوب في التوثيق والتصنيف، يتخذ من عائلة كوركوس محورا رابطا، للكشف عن الحركية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي طبعت المدينة خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، داعيا إلى مقاربة هذا التاريخ في شموليته، بما يحمله من فترات ازدهار، وأيضا من إكراهات، خاصة تلك المرتبطة بالاكتظاظ الذي شهده حي الملاح في مراحل معينة.
وأضاف أن هذا الإصدار مرشح لأن يحتل مكانة متميزة ضمن الدراسات التاريخية، نظرا لما يستند إليه من عمل أكاديمي رصين، يجمع بين الدقة في جمع المعطيات وعمق التحليل، بما من شأنه إعادة إحياء النقاش حول تاريخ موكادور وتجديد قراءته.
من جانبها، أبرزت الدكتورة مينة المغاري، الأستاذة بجامعة محمد الخامس بالرباط ورئيسة اللجنة العلمية لبيت الذاكرة، أن هذا المؤلف الضخم يفتح آفاقا جديدة لفهم تاريخ الصويرة، من خلال استكمال ما قدمته المصادر الوطنية والكتابات الأوروبية، مع التركيز على زوايا ظلت مهمشة في الغالب، مثل أنماط العيش، وخصوصيات اللباس، وكذا الحضور المؤثر للمرأة اليهودية المغربية داخل المجتمع الصويري.
وأشارت إلى أن هذا العمل يندرج ضمن مسار فكري متواصل، أسسه دافيد كوركوس وواصله نجله سيدني، معتبرة إياه مرجعا أساسيا سيسهم في حفظ الذاكرة التاريخية لمدينة موكادور وتعزيز نقلها إلى الأجيال القادمة.
ومن جانبه، أوضح سيدني كوركوس، أن الكتاب يستحضر فضاء تاريخيا عاش فيه أجداده عبر أجيال، مؤكدا أن هذه الحكاية لا تهم عائلته فقط، بل تمتد لتشمل الجماعة التي كانوا جزءا من بنائها وإشعاعها. كما نوه بالمكانة العلمية التي حظي بها والده، الذي يعد من أبرز المراجع في تاريخ اليهود المغاربة.

