lundi 4 mai 2026
كتاب الرأي

أحمد الحطاب: الرشوة ليست إلا وجه من أوجه الفساد

أحمد الحطاب: الرشوة ليست إلا وجه من أوجه الفساد أحمد الحطاب

كثيرٌ من الناس يعتقدون أن الفسادَ محصورٌ في الرشوة، أو بعبارة أخرى، الفساد هو الرشوة والرشوة هي الفساد. صحيحٌ إن الرشوة منتشرة، بكثرة، في المجتمع. لكنها ليست إلا نوع من أنواع الفساد الذي لا يمكن اختزالُه في الرشوة. الفساد له أوجهٌ كثيرةٌ، لكن، بكل بساطة، كل فساد، كيفما كان،  يجد أصلَه في الفساد الأخلاقي.

والفساد الأخلاقي يجد أصلَه في تنشئةٍ اجتماعية غير لائقة، أي بعيدة كل البُعد عن الصفات الحميدة التي يفرِضها التَّعايش داخل المجتمعات البشرية. لولا هذه الصفات الحميدة، ما كان للتَّعايُش أن يكون واقعاً ملموساً. لماذا؟

لأن النفسَ البشرية مجبولةٌ على فعل الخير est portée d'une manière innée à faire du bien، أي الخير الذي يسير أو يتلاءم مع التعايش. والنفس البشرية مجبولةٌ، كذلك، على فعل كل ما هو مضاد للصِّفات الحميدة، المُسيئة للتَّعايُش داخلَ المجتمعات. إذن، المجتمعُ، نفسُه، عبارة عن تعايشٍ بين الخير والشر. وهنا تظهر أهمِّية التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة ثم المدرسة.

إذن، المُجتمعات البشرية عبارة عن مواجهة une confrontation بين الخير (الصفات الحميدة) والشر (الصفات الذميمة). ولهذا، فالتَّعايشُ داخلَ المجتمعات غير ممكِنٍ بدون تنظيمٍ une organisation مبنيٍّ على الأعراف les normes والقوانين التنظيمية les lois organisationnelles. وكل انحرافٍ أو ابتعادٍ عن هذه الأعراف والقوانين، يُعتَبَرُ فسادْ. علماً أن المرورَ  من دنيا الصفات الحميدة إلى دنيا الصفات الذميمة والعكس، مُمكان.

وكل انحرافٍ أو ابتعادٍ، هما، في الحقيقة، ابتعاد عن الصفات الحميدة les bonnes qualités كالصِّدق والشفافية والنزاهة والاحترام المتبادل والتَّضامن…ودخولٌ جزئي أو كلِّي في الصفات الذميمة les mauvaises qualités كالنِّفاق والغش والتزوير والكذب والزبونية والمحسوبية…

ولهذا، فالرشوة pot-de-vin ابتعادٌ عن الصفات الحميدة، وفي نفس الوقت، دخولٌ جزئي في الصفات الذميمة. لماذا؟

لأن الرشوةَ عبارةٌ عن مبلغٍ من المال un montant d'argent أو هدية un cadeau يُعطيهما الراشي للمُرتشي للحصول على فائدة أو امتيازٍ غير مُستَحق أو غير قانوني. بينما الفساد، بمعناه الواسع، أشكالٌ وانواعٌ. وعلى رأس هذه الأنواع، يتربَّع الفساد السياسي.

والفساد السياسي له علاقة بتدبير الشأن العام. وتدبير الشأن فيه ما هو مرتبط بالإدارة العمومية، وفيه ما هو مرتبط بالاقتصاد والشؤون المالية. ولهذا، فتدبيرُ الشأن العام قد تشوبه شوائب كثيرة، علماً أن الشائبةَ هي الشيء الغريب أو الخارج عن القانون الذي يختلِط بالشيء النقي أو بألشيءِ المُحتَرِم للقانون.

وهذا يعني أن الشائبةَ هي خروجٌ عن الصفاء والنقاء وعن التنظيم المُؤطَّر، اجتماعياً، بالقانون. ولهذا، فالشَّوائب، في مشهدِنا السياسي، كثيرةٌ. بل أصبحت هذه الشوائِبُ ثقافةً يمتطيها كثيرٌ من الناس لقضاء ما لهم فيه حق. بمعنى أن ما للناس فيه حقٌّ أصبح مقترِناً بالفساد.

وترتيب البلدان الذي تقوم به مُنظَّمة Transparency International دليلٌ على أن بلادَنا لا يزال الفسادُ منتشِراً فيها بكثرة. والدليل على ذلك، مجموعُ النقط التي حصل عليها المغربُ، أي 39 من أصل 100 مع ترتيبٍ 91 من أصل 182 بلداً. وهذا، كذلك، ما جاء في التقرير السنوي الذي تقوم به الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربتِه l'instance nationale de la probité, de la prévention et de la .lutte contre la corruption

حسب هذه الهيئة، الفساد يزداد توسُّعاً من سنة إلى أخرى. بل، بسببِ هذا الفساد، تضيع من الثروة التي تُنتِجها البلادُ، المُجسَّدة في الناتج الداخلي الخام le Produit Intérieur Brut ما يناهز 50 مليار درهم، أي ما يفوق 2,5% من هذا الناتج، علماً أن هذا الناتجَ، بالنسبة لسنة 2025 مُقدَّرٌ ب183 مليار دولار، أي ما يُناهز 1830 مليار درهم. وضياع 50 مليار درهم له تأثيرٌ على نسبة النمو التي كانت تتراوح بين 3,8% و 4,5%. وضياع هذا القدر من المال يُعتَبَر ضياعٌ من الثروة التي تُنتِجها البلاد.