lundi 4 mai 2026
كتاب الرأي

عبد السلام بنعبد العالي: في الحداثة

عبد السلام بنعبد العالي: في الحداثة عبد السلام بنعبد العالي

من المفكرين من يجعل الحداثة مقابلة لـ"التحديث" مقابلة السكون للحركة، والسانكروني للدياكروني، ومنهم من يجعلها تقابله كما يقابل المثال النموذجي المتحقق الفعلي، مع ما يشوب المتحقق من نقص وعدم اكتمال، ومنهم من يجعلها تقابله تقابل المرمى والغاية مع سيرورة التحول، أو تقابل المجرد مع العيني، ومنهم من يقيمها على النحو الذي تمت به في إطار "سوسيولوجية التنمية" التي ازدهرت في العالم الأنغلوساكسوني الذي نحت مفهوم "التحديث" خلال خمسينات القرن العشرين حيث فهم "التحديث" على أنه الحداثة مجردة من خلفياتها الفكرية، معزولة عن روحها الفلسفية.

 

ما يهمنا هنا بالضبط هو هذه الخلفيات الفكرية، وهذه "الروح" الفلسفية التي تحدد الحداثة بما هي كذلك. في هذا الصدد ربما علينا أن نميز بين موقفين متعارضين: موقف بارد واصف ينشغل بتعيين الأحقاب، وتحديد الملامح، وحصر السمات، وموقف مضاد ينظر إلى الحداثة في كونها استراتيجية تعتبر أن وضع الحداثة قد وجد نفسه، ولا بد أن يجد نفسه، خصوصا عندما ينقل إلينا، في مواجهة مواقف مضادة. لا يتعلق الأمر هنا بالمقابلة بين البنية والتاريخ بقدر ما يتعلق بالتقابل بين الهدنة والتوتر. فمقابل النظر إلى الحداثة على أنها "تطبيق لمبادئ"، وتحقيق لشعارات، مقابل النظر إلى الحداثة على أنها مجموعة من المميزات التي تطبع حقبة تاريخية معينة، حيث يتم إيجاد مكان لها داخل يومية تتقدمها حقبة "ما قبل"، وتتلوها حقبة "ما بعد"، يعتبر هذا الموقف المضاد أن الحداثة "وضع". والأهم من ذلك أنه وضع متوتر مناضل لا بد أن يدخل في صراع مع عوائقه. إنه علاقة متوترة مع ما يحدث في الوضع الراهن، واختيار واع ونمط من التفكير والإحساس، وطريقة في السلوك والاستجابة تدل على انتماء معين، وتظهر كمهمة وكمسؤولية ينبغي الاضطلاع بها.

 

يتعارض هذان الموقفان من الحداثة تعارض الهدنة مع التوتر. فبينما يتميز الموقف المهادن بهوسه التأريخي، وبرودته الوصفية، وسمته التقريرية التي تكتفي بالتحقيب ورصد المحددات، يعتبر الموقف الثاني أن الحداثة "عصر" (Epoque) بالمعنى الذي يعطيه هايدغر للكلمة، أي لا من حيث إن العصر فترة زمنية تمتد بين تاريخين، وإنما من حيث إنه "إيبوخي" وعلاقة متفجرة للماضي بالمستقبل. فعند كل عصر ينفجر بالنسبة للإنسان عالم جديد، وتنكشف علاقة جديدة للماضي بالمستقبل.

 

فأن تكون "إنسان الحداثة"، وفق هذا المنظور، ليس هو أن تتعرف على سير التاريخ وتقف عند حركته الدؤوبة، وإيقاعاته المنتظمة، وإنما أن تتخذ موقفا منها. ليس أن "تقف على"، وإنما أن "تقف من".

 

اتخاذ موقف أمام حركة التاريخ هو ما كان ميشيل فوكو يسمه بالروح الإرادية والنضالية. هذه "الروح" هي التي جعلته يميز بين التحديث ومجرد مجاراة الموضة، رغم ما تنطوي عليه هذه الأخيرة بالتعريف من تجديد للأمور، بل قلب لها. وهو يشير في هذا الصدد إلى بودلير الذي يحدد الحداثة بأنها "العابر الزائل غير القابل للضبط"، فيلاحظ أن الحداثة، عند منظر الحداثة الفنية، ليست مجرد الاعتراف بهذا العبور والانفلات، بل هي "أن نتخذ موقفا خاصا إزاء هذه الحركة. وهذا الموقف الإرادي لا يوجد قبل اللحظة الراهنة ولا بعدها، بل يوجد فيها". فبينما يقتصر اتباع الموضة على مواكبة مجرى الزمن، فإن الحداثة ليست مسألة إحساس بالحاضر العابر المنفلت وبحثا عن الذات في خضم ذلك الانفلات، وإنما هي "ابتكار لها". إنها ليست تطبيقا لمبادئ ولا اقتداء بنماذج، وإنما هي انتقاد لا يكل لوجودنا التاريخي، وانفصال لا يكل عن الراهن.

 

ليست الحداثة مجرد إثبات للتحولات الكبرى في مختلف المجالات، وإنما هي وعي بأن الكائن تحول. إنها ليست، في نهاية الأمر، إلا الوعي بالحركة المتقطعة للزمن، وبالجرح الذي لا يندمل للكائن. الحداثة هي اللحظة التي يفقد فيها الانفصال عرضيته ليصبح من صميم الوجود، ويغدو نسيج الكائن ولحمة الزمن. قامت الحداثة لتفكيك الاتصال، وإبراز ما بـ"داخله" من انفصال. قامت لإظهار الانشطار داخل هذه المواقع التي اعتبرت مواقع التماسك والوحدة بلا منازع.

 

إذا أخذنا هذه "الروح" بعين الاعتبار، تغدو الحداثة علاقة متوترة مع الراهن، ونمطا من التفكير والإحساس، وطريقة في التفكير والسلوك ينبغي الاضطلاع بها. إنها استراتيجية مناضلة تقوم أمام استراتيجية مضادة تبديها قوة التقليد، من حيث إن التقليد مقاومات مستمرة، وتكيف ماكر يتلبس ألف قناع لامتصاص الحديث وإفراغه من محتواه، تشبثا بما هو كائن، ومقاومة لكل انفصال.

على هذا النحو، فالحداثة موقف نضالي ينبني على وعي بالحركة المتقطعة لا للزمن فحسب، بل للكائن أيضا، بحيث لا يعود الكائن مترابط العناصر، سواء أكان ذلك على مستوى المعرفة أو المجتمع، وتظهر الانشطارات داخل ما يعتبر مواقع انسجام، و"يتبخر كل ما هو صلب".

 

مفهومان عن الحداثة إذن: مفهوم يعتبر أن الانفصال ليس محددا للحداثة، وأن هاته سرعان ما تصبح تقليدا بالنظر إلى ما بعدها، ومفهوم مخالف لهذا أشد المخالفة، يجعل الانفصال "جوهر" الحداثة، فينظر إليها على أنها دائما "ما بعد".

 

لن يعود لعبارة: "ما بعد الحداثة" معنى والحالة هذه. ذلك أن الحداثة لا تقابل ما قبلها ولا ما بعدها وإنما تقابل ما ليس إياها، أي تقابل التقليد. فهي لا تقطع إلى "ما قبل" و"ما بعد" لأنها هي نفسها حركة قطع وانفصال. وهي ليست حقبة تبدأ عند نقطة وتنتهي عند أخرى، لأنها بداية متجددة، ونشأة مستأنفة، وانفصال لا متناه.

 

الحداثة ما بعدية في جوهرها، وعلى الدوام. "الما بعد" لا يشكل لحظة تأتي بعد، وهو ليس مقولة زمانية، وإنما حال تطبع الحداثة بما هي حداثة. إنه مكون من مكونات الحداثة ومحدد من محدداتها، وليس حقبة تعقبها ولا مرحلة تليها. فنحن لا يمكننا الذهاب أبعد من الحداثة ما دامت الحداثة تجعل المابعدية صميم حركتها.

 

الحداثة هجرة متواصلة وانفصال موصول، وكل "ما بعد" ليس إلا "حداثة الحداثة". إن كان هناك ما بعد فيما يخص الحداثة، فلن يعني إلا كون الحداثة البعدية حداثة أكثر عمقا ورسوخا، لأنها أكثر مرونة، أكثر قدرة على احتواء نقائضها، ولن يكون ذلك إلا تجاوبا عميقا مع "ماهية" الحداثة نفسها من حيث إنها تجاوز مستمر، وقطيعة متواصلة، وتنكر دؤوب لذاتها.

 

ذلك أن الحداثة حركة تاريخية غير راضية عن نفسها، غير راضية عن مؤسساتها السياسية، ومنجزاتها التقنية وغزواتها الفلكية، واكتساحاتها المعرفية. إنها لا ترتاح للمفهوم الذي أرسته عن الفرد، ولا للمعنى الذي أعطته للحرية، ولا للدلالة التي رسختها عن العقل، ولا للكيفية التي بنت عليها الديمقراطية، ولا للشكل الذي أرست عليه الحقوق. فهي حركة لا تركن إلى سكون، ولا تخلد إلى راحة ولا تقنع ولا تقتنع، إنها مابعدية على الدوام.

 

ما يميز الحداثة في مختلف أبعادها إذن هو هذا التنكر للذات، هذا "العقوق"، وهذا السعي نحو التضاد والميل إلى عدم الرضا والانفصال اللامتناهي. لا عجب أن توحد الحداثة بين الفكر والنقد، فتجعل من التوجس والارتياب بنية معرفة، ومن الانقطاع "طبيعة" الحركة التاريخية، ومن الجرح إحدى سمات الوجود.

عن مجلة: " المجلة"