lundi 4 mai 2026
كتاب الرأي

خالد أخازي: النقابات: متلازمة" الزعامة المزمنة"... حين يهرب الصوت من أصله...

خالد أخازي: النقابات: متلازمة" الزعامة المزمنة"... حين يهرب الصوت من أصله... خالد أخازي

في هذا مغربنا الذي يعاني من " متلازمة القيادة حتى الموت" ، لا نحتاج إلى أن نكون محللين أكاديميين، لكي نعري التناقض النقابي الذي  يمشي على قدميه،  وأحيانا بربطة عنق، وكثيرا من الأحيان مبتسما أمام الكاميرات، مع وزير أو مسؤول...
فيكفي أن ترفع رأسك قليلا لتشاهد تلك المفارقة المغربية الخالصة...
في الأعلى، قاعات مكيفة، كراس وثيرة، إضاءة ناعمة، ووجوه مطمئنة تتحدث عن العمال كما لو كانت تتحدث عن فكرة نظرية لا عن بشر من لحم وعرق وغبار. وفي الأسفل، تحت شمس لا تعرف الشفقة، يتنقل عامل التوصيل فوق دراجة متهالكة، يطارد رزقه كما يطارد خوارزمية لا ترى فيه إلا رقما قابلا للاستبدال. وعلى الرصيف المقابل، عامل بناء يغرس فأسه في الصخر، لا ليضمن العيش الكريم، بل ليكسب ما يكفي لشراء حياة يوم واحد لا أكثر. وبين السماء المكيفة والأرض المحروقة، يتشكل ذلك المشهد الذي لا يحتاج إلى تعليق طويل: نقابات تتقن توزيع الأدوار، لكنها لا تتقن توزيع العدالة.
داخل هذا المشهد، يظهر ممثل الأجراء بصفته الشخصية الأكثر أناقة في مأساة الطبقة العاملة. يجلس في مجلس المستشارين كما يجلس صاحب مزاج رفيع في صالون أدبي، يتجادب أطراف الحديث مع وزرير ما، يختار كلماته بعناية، وقد يتفهم هموم الناس بعبارات منمقة عن التوازنات، والإكراهات، وضرورة الحفاظ على السلم الاجتماعي... وعلى العتبة.... تتغير اللغة... من حديث توافقي مع وزير إلى خطاب تجييشي أمام كاميرا موقع ما.
لا أحد يطلب منه بالطبع أن يصرخ أو يلوح بمطرقة، فالمؤسسات تحب الهدوء، وتؤمن بأن الألم يصبح أكثر تهذيبا حين يقال بصوت منخفض. المشكلة فقط أن العمال، أولئك الذين لا تتاح لهم رفاهية التوازنات، لا يرون أنفسهم في هذه المرآة. فهم يرون ممثلا يتحدث باسمهم من مكان بعيد جدا، بعيد ليس جغرافيا فقط، بل نفسيا وأخلاقيا أيضا.
المشهد في جوهره قد يبدو تناقضا بين نقابي برلماني وعامل باسمه تحصد المواقع. لكنه في العمق مسرح كامل، أبطاله يعرفون أدوارهم مسبقا، والجمهور يدفع ثمن التذاكر من جيبه من دون أن يسأل أصلا إن كان يرغب في الدخول....
في القاعة،  وعلى المنصة قد ترفع الشعارات عن الكرامة والعدالة الاجتماعية، وفي الخارج، تخفض الأجور وترتفع الأسعار وتمدد الهشاشة كما لو كانت قدرا طبيعيا لا يحتاج إلى تفسير. وهكذا تتحول الديمقراطية التمثيلية، في نسختها النقابية، إلى عرض صوفي يلهي العمال  ترنحا عن شهوة الزعامة لدى ولي النقابة... فكل شيء هنا يبدو صحيحا على الورق، بينما الواقع يضحك في الزاوية، ضحكة مريرة لا يسمعها أحد.
وإذا اقتربنا من باب الولوج إلى هذه القبة، سنجد أن الطريق لا يمر دائما عبر العرق وحده، بل أحيانا عبر البنية ذاتها التي يفترض أنها تمثل ذلك العرق. فبعض المركزيات النقابية الكبرى، أو ما تبقى من وهجها، صارت في حالات كثيرة بمثابة بوابات رسمية إلى عالم أكثر رقة وأقل خشونة. هناك انتخابات، نعم، وهناك أوراق، وصناديق، ومحاضر، وصور جماعية، لكن القاعدة العمالية كثيرا ما تكتشف متأخرة أن الاختيار كان محدودا منذ البداية، وأن ما سمي اقتراعا لم يكن إلا تصديقا جماعيا على قرار اتخذ في قبو المركزية...فالقيادة تضع اللوائح، ترتب المواقع، تصوغ التفاهمات، ثم تطلب من العامل أن يمنحها صوته كي تبدو الصورة أكثر ديمقراطية، مثل مسرحية تعيد إنتاج نفسها كل موسم مع تغيير طفيف في الأزياء.
الأطرف في هذه المنظومة أن بعض الوجوه النقابية تبدو وكأنها أقسمت ألا تغادر الخشبة أبدا. تمر السنوات، تتغير الأجيال، تتبدل الوظائف، تتحول المهن، وتأتي تطبيقات التوصيل بدل الدراجات القديمة، لكن بعض القيادات تظل ثابتة، لا تبرح المكاتب إلا إلى مقاعد أخرى أكثر نعومة، أحيانا إلى البرلمان، وأحيانا إلى مواقع رسمية، ومؤسسات الحكامة... تشبه التقاعد المبكر لكن مع صفة مناضل...
لا شيء يمنع ذلك قانونا، فالقانون في المغرب يحب السعة، ويتقن فن استيعاب الجميع، لكن السؤال لم يعد قانونيا أصلا. السؤال أخلاقي، رمزي، وسياسي: هل يمكن لمن ابتعد عن الحياة اليومية للعامل، سنوات طويلة، أن يظل قادرا على تمثيله بصدق؟ هل يكفي أن تحفظ الشعارات القديمة كي تفهم جيلا جديدا يعيش تحت ضنك الكراء، و قهر الفواتير، وهشاشة العمل، وعقود السخرة...؟ ربما.... بعض ممثلي العمال غدوا ممثلي الباطرونا أو لهم شركات السخرة... فكيف يغيرون وضعا هم جزء منه..؟
وتحدث الأعجوبة: فما إن يدخل النقابي عتبة البرلمان حتى تتبدل لغته كما تتبدل الإضاءة في مسرح محكم الإخراج. الكلمات التي كانت قبل لحظات تهز المنابر، مثل الإضراب، والاعتصام، والضغط، والمواجهة، تختفي فجأة كما تختفي الجرأة عند أول طاولة رسمية. يظهر بدلها قاموس شديد النعومة: الحوار المؤسساتي، الإكراهات المالية، مراعاة الظرفية، دعم السلم الاجتماعي، البحث عن التوافق. ويبدو الأمر كما لو أن الروح النضالية مرت عبر جهاز تدليك لغوي فخرجت منه أكثر هدوءا وأقل إزعاجا. ومع كل كلمة مخففة، يتراجع الصدام خطوة، وتقترب النقابة خطوة أخرى من منطقة الراحة السياسية، تلك المنطقة التي يصبح فيها انتقاد الحكومة شكليا بقدر ما هو آمن، ويصبح الدفاع عن العمال فنا دبلوماسيا لا علاقة له أحيانا بمطحنة الواقع.
ولكي لا نظلم أنفسنا كثيرا، لا بأس من النظر إلى الخارج، لا على سبيل التمجيد الميكانيكي للآخر، بل لقياس المسافة بين أشكال مختلفة من العمل النقابي. في فرنسا، مثلا، تظل النقابات قادرة على إرباك الدولة من الخارج لا من الداخل، وعلى تحويل الغضب الاجتماعي إلى ضغط فعلي يوقف القطارات ويدفع الحكومات إلى التراجع أو التفاوض الجدي. هناك، لا يقاس تأثير النقابي بقدر قربه من البرلمان، بل بقدر ما يزعج السلطة خارج أسوارها. وفي إسبانيا، نجحت النقابات في ترسيخ حضور تفاوضي قوي، حافظ في كثير من الحالات على مسافة معقولة من البيروقراطية السياسية، وفرض حماية أفضل لفئات جديدة، بما فيها العاملون في المنصات الرقمية. الفكرة بسيطة: النقابة إما أن تكون قوة ضغط، أو أن تصبح مجرد ديكور اجتماعي محترم.
أما عندنا، فقد اخترعنا حلا عبقريا يرضي الجميع، أو هكذا يبدو من الخارج. ممثل الأجراء يجلس بجوار الوزير، يشارك في اللجان، يتحدث بلهجة متزنة، ويتبادل الابتسامات التي توحي بأن الخلاف بينهما مجرد اختلاف في تقدير درجات الحرارة. والعامل في الشارع يريد خبزا وكرامة، بينما النقابي في القاعة يريد “إجراءات مرحلية” و“مقاربة مسؤولة”. وبين الطلبين، يضيع صوت الفعل النقابي، ذلك الفعل الذي ولد أساسا ليقلق السلطة لا ليطمئنها...
لقد تحولت النقابة في صورتها الأكثر مأسسة إلى شيء شبيه بالإسفنجة: تمتص الغضب، تحافظ على مظهر التوازن، ثم تعيد تدوير الألم داخل قنوات رسمية لا تغير كثيرًا في حياة الناس.
والمأساة لا تكتمل إلا حين نلتفت إلى من لا يظهرون في الصور أصلا. العامل غير المهيكل الذي يبيع جهده يوما بيوم، سائق التوصيل الذي تؤديه الخوارزمية إلى الهلاك دون أن تمنحه أبسط الحقوق، الشاب الذي يعمل بعقد هش كأنه يوقع مع المستقبل نفسه على ورقة بيضاء، والمرأة التي تشتغل في مصنع صغير بأجر صغير وحماية أصغر. هؤلاء ليسوا مجرد فئات هامشية، بل هم قلب الاقتصاد النابض، أو الجزء الذي يدور ويتعب ويغيب عن المنصة الخطابية. ومع ذلك، فهم غالبا خارج الجداول، خارج المنابر، خارج التصوير، وكأن التمثيل النقابي لا يرى إلا من يسكن في المنطقة القابلة للتهذيب والمؤسساتية.
ولعل أكثر ما يوجع في هذه المشهد أن العمال أنفسهم يعرفونها...يعرفون أن من يتحدث باسمهم لا يشبههم كثيرا، وأن القرب من الكرسي غالبا ما يبعد صاحبه عن الرصيف. يعرفون أن الغلاء لا يواجه ببلاغات، وأن الهشاشة لا تقاوم بالابتسام داخل اللجان، وأن من يطارد رزقه في قيظ النهار لا يهمه كثيرا إن كانت العبارة المنطوقة داخل البرلمان موزونة أم لا. ما يهمه هو أن يجد نفسه في القرار، أن يشعر أن الممثل لا يمثل نفسه أولا، وأن النقابة ما زالت تحمل قناة من صخب، لا تدويرا لمواقف مبهمة...
تبدو السخرية هنا ليست شهية في النقد بل وسيلة فهم. لأن الواقع نفسه صار ساخرا إلى درجة يصعب معها أن نكتب عنه بلغة محايدة تماما. نحن أمام بلدٍ يستطيع أن يرفع شعار الدفاع عن الشغيلة في النهار، ويجلس مساء مع من يديرون الشغل نفسه من دون أن يغير ذلك كثيرا في شروطه. بلد يعرف كيف يحول النضال إلى وظيفة، والاحتجاج إلى عبارة في سجل، والتمثيل إلى مقعد، والمقعد إلى عادة طويلة العمر. وفي النهاية، لا يبقى للعامل المنهك إلا أن يرى ممثله على الشاشة، جالسا في مكان دافئ، يشرح آلامه بلباقة عالية، فيشعر أن الفجوة بينهما ليست في الموقف فحسب، بل في العالم كله: واحد يعرق داخل الواقع، وآخر يتأمل هذا العرق من وراء زجاج أنيق.
هذا هو جوهر المفارقة المغربية: عمال في الشمس، وممثلوهم في الظل المكيف. ووسط هذه المفارقة، لا يبدو الخلل في الخطابة بقدر ما هو في المسافة. المسافة بين من يشتغل ومن يتحدث، بين من يشقى ومن يفاوض، بين من يستنزف ومن يشرح الاستنزاف. وهي مسافة، حين تطول أكثر من اللازم، لا تعود مجرد خلل تمثيلي، بل تصبح تعريفا كاملا لسوء الفهم بين النقابة والشغيلة.
خالد أخازي: كاتب وإعلامي